"That's all we expect of man, this side the grave: his good is - knowing he is bad."ـــــRobert Browning"هذا كل ما نتوقّعه من الإنسان في هذا العالم ، الفضيلة لديه هي معرفة أنه قادر علي الشر " ــــ روبرت براوننغ
ما حدث وما يحدث وما سيحدث طيلة الفترات السّابقة في هذا العالم يسير بشكل طبيعيّ بحيث أنّه لا يوجد ما يشير إلي ثمّة تلاعب من قبل أيّة كائنات غير بشريّة سواء كانت آلهة , شياطين , ملائكة أو حتّي كائنات فضائيّة حلزونيّة , جميعنا نري الكوارث الطبيعيّة والأوبئة والحروب والأمراض بل وصل الأمر لقطع الرؤوس واللعب بها في الطرقات , فوضي هنا وهناك , ظلم وقهر وفقر , شتّي المآسي ليس هناك من يتحكّم أو يخطّط لأيّ غرض أو هدف من هذا كلّه , هناك تبريرات , هناك تفسيرات , وهناك أيضاً من يظّن أن هذا القول ما هو إلا حالة عاطفيّة وجدانيّة تتحكّم فيه المشاعر عوضاً عن المنطق السليم , لكن حقيقة الأمر العبثيّ الفوضويّ أمامنا لا علاقة له بالعواطف .
فوجود كائن خارق مطلق الصفات من شأنه أن يجعل هذا الكون مكاناً مختلفاً , وجود كائنات أخري كفيلة بحدوث تأثيرات خارجيّة وانتهاكات للمبادئ العلميّة , كالجاذبيّة , حفظ الكتلة والطاقة , لكن ليس ثمّة تأثير أو دليل علي وجود كل هذه الادعاءات , فنحن جميعنا دينيّون وملحدون ولا دينيّون نتّفق علي أنّ الإله -في حالة ما إذا كان موجوداً- لا يفعل شيئاً لإثبات وجوده ناهيك عن احداث فارق فيما يحدث , في الحقيقة يمكننا القول بأنّه ترك الكون يبدو كما لو انّه غير موجود , وهذا يخلق مشكلة لاهوتيّة، وتركنا مع ثلاث احتمالات : الإله غير قادر علي اثبات وجوده , الإله يختبر إيماننا مع تعمّد البقاء بمعزلِ , الإله غير موجود . تلك الاحتمالات جميعها واحد لا فرق بينهم , فالإله لا يتدخّل , لا يحدث تغييراً أو تأثيراً , لكنّ عقل الدينيّ لا يستوعب الأمر فتجده يشير إلي ما يسمّي الكتب السماويّة كدليل علي وجود الإله , جميعهم يرجعون إلي كتابهم المقدّس , علي اعتباره انّه المصدر الإلهيّ والنموذج المثالي للأخلاق , بل وقد يذهب بعضهم إلي كونه كتاب يحتوي علي معجزات علميّة واكتشافات واختراعات لم تحدث بعد !
إذا ما قرأت أيّ كتاب دينيّ ينسب إلي الإله بعقل حياديّ ستجده عبارة عن كتاب يشجّع علي العبوديّة , كره النّساء , الإبادة الجماعيّة , القتل والقمع , الظلم , والتعذيب و الاغتصاب تعدّد الزوجات و القسوة الحيوانيّة والهمجيّة وعدم المساواة بين الجنسين، وعدم التسامح مع الديانات الأخرى , هذا كلّ ما يدور حوله أي كتاب دينيّ مقدّس !
أهذا ما يمكن للإله أن يقدّمه ليثبت به أنّه موجود !؟ يقولون لكَ الإله لا يسمح بحدوث تلك المعاناة إلا إذا كان ورائها حكمة حلزونيّة . وإن سألتهم ما هي الحكمة وراء كل هذه الحالات التي لا حصر لها من المعاناة , وما ذنب هؤلاء الّناس الذين هم بلا مأوى في الشوارع والذين يعانون من الحرب والمرض والمجاعة والتجويع , فلن تسمع منهم سوي تمتمات يجب عليك تعلّم لغة النّمل حتّي تستطيع سماعهم ! .
ما الذي تريده من الحياة ؟!
أنت كشخص عاديّ قد يكون أملك في الحياة أن تصبح أحد أولئك الذين سيخلدهم التاريخ ،ليظل أسمهم باقيا علي مر العصور ، أو قد تحلم بأن تكون أحد أولئك الذين شاركوا في تصميم fuck me silly , او حتي أحد المؤلفين العظماء الذين شاركوا في كتابة baby للأسطورة جاستن ، لكن هذا الوجود اللعين بما فيه الحياة، يفتقر الي المعني ، إذا نظرت الي لفظة معني وأنت تستمع إلي wrecking ball ستجده عبارة عن تأثير النتيجة النهائية علي وجودك ، جميع أعمالك العظيمة التي قمت بها بما في ذلك قضاء حاجتك في الحمام لها تأثير بطريقة ما لتمنحك معناً لوجودك ، على الرّغم من أن هذا قد يبدو لك سبباً منطقياً حلزونياَ لمعنى الحياة إلا انه ليس كذلك . فعدم وجود هدف أكبر في الحياة مقارنة بإتقانك ال twerking , قد يكون أمر مقلق إذا تأملت فيه اثناء نومك ، لكن الغالبية العظمي من الناس يعتقدون ويؤمنون بوجود كائن فضائي قد خلق لهم هدف ومعني نهائي لحياتهم ، وان هذه الحياة مجرد اختبار بنهايته سيخلد في حياة أبدية ! ويتناسون أن السؤال لايزال قائما ، وما الغرض من الخلود الابدي ؟! مثل هذه المحاولة البائسة هي تبرير عقيم ، لا يقل عقماً عن شخص لاديني أو ملحد يؤمن بشيء يسمي الإنسانيّة ، وأن هدفه النهائي هو التعايش السلمي بين البشر ،حقا ؟ هناك 150 فصيلة من الخنافس في كل فصيلة 40000 نوع مختلف يتعايشون في سلام ، هل هذا يمنح حياتهم معنا ؟ هناك فئة أخري لا تقل غباء تدعي أنها تؤمن بالعلم ! وهل يمنحك ماتطلق عليه العلم معنا لحياتك ؟! وماهي ياتري انجازاتك العلمية التي تؤمن بها ؟! أنتظر لقد أنتج لنا العلم بطيخا بدون بذر ! ياللهول لقد حطم العلم هدفي في الحياة و هو تناول البطيخ مع إحصاء عدد البذور ، إن مثل هذه الافكار السّخيفة والمعتقدات العقيمة الدينية واللادينية والالحادية تصيبني بالغثيان .
و الآن ماذا ؟!!
السؤال الفلسفي الوحيد الذي يستحق العناء والذي يجب ان تدور حوله الفلسفة ؛ هل يجب علينا ان ننتحر ام لا !؟ بالنسبة لي انا شخص اتقبل الحقيقة مهما كانت ، اما بالنسبة للبقية فيفضلوا ان يتخرعوا أبا لهم ، أب كبير خارق ، مما يجعلهم يتوهموا انه هناك في مكان ما يعتني بهم ، يراقبهم ، خلق لهم هدف ومعني وغرض ، لكن في نفس الوقت حين ننظر الي الحياة نجدها قاسية ، ظالمة ، غير عادلة ، سيقولون : انها افعالنا وتصرفاتنا واهوائنا البشريّة ، لكن ماذا عن تلك التي تنسبونها للاب الأكبر ! زلازل وبراكين وفيضانات ، شخصيا اتقبل حقيقة اننا مجرد نتاج فعل تطوري عشوائي بنهاية الأمر . اتقبل حقيقة اننا مجرد الات تفكر ، سيقولون : الروح ، العاطفة ، المشاعر ، كلها نتاج إحساس زائف ، مفهوم متوهم مختلق زائف ، أي شيء في الحياة يمكن ان يعبر عنه بنمط ، انماط تصف كل شيء ، اي شيء تتخيله سواء فيزيائي او ميتافيزيقي يحدث عبر عملية من احداث يمكن تتبعها وتكوين نمط محدد منها يمكن التلاعب به ، لافرق بين ماهو مادي وغير مادي سوي اننا لم نتوصل للنمط بعد ، سيقولون : الموت ، الحياة بعد الموت ، الاب الكبير سيحرقنا للابد ، سيقولون سخافة ويبررونها بتفاهة ، ثم يحاولون منطقة السخافة والتفاهة لينتج لنا شيء ليس هناك كلمات تصفه بعد ، سيقولون ثم يقولون ثم بنهاية الامر يتحدثون عن الانتحار ! الانتحار ! لم لا تلخد الي النوم ولا تستيقظ ياصديقي ، جرب ان تفكر في الامر احيانا ، او حتي اثناء وقت فراغك وانت تخرج فضلاتك . حاول ان تتعلم تفكر


11 تعليق:
إنه شعور العدمية من جديد يا صديقي. أعرف ما تشعر به. العدمية شعور بشع، تظن أنه موقف عقلاني ترى فيه العالم بلا غشاوة. لكن لا أبالغ لو قلتُ أن العدمية أول خطوة نحو الانتحار. العدمية Nihilism يعني أن تظن كل شئ مفروغ منه، كل شئ لا فائدة منه، كل شئ مآله للفناء .. "سنتحول لتراب، ففيمَ العمل؟ فيمَ الأمل؟ ما دمنا ميتين لا محالة فلنمت الآن! وقوع البلاء ولا انتظاره!". كل يوم مثل الذي قبله، تشعر أنك في دوامة لا تنتهي، دوامة لا معنى لها، تشعر بالنقمة على وجودك في هذا العالم القبيح الملئ بالمعاناة والألم والدمار. في هذه اللحظة بالذات .. ربما تكون أقرب للإيمان من أي وقت مضى .. قد تؤمن الآن بوجود الخالق .. لا لشئ إلا لتلومه على إيجادك! تتمنى أنه موجود الآن لتصرخ: "لماذا؟! لماذا خلقتني؟ لماذا تركتنا هكذا نتصارع ونتذابح؟ لماذا لا تتدخل؟ أين رحمتك؟ أين عدلك؟"، وتعلو الصرخات داخل عقلك نحو الإله (الخيالي) الذي تتمنى بشدة أنه موجود لثوانٍ لتُنفِّس أمامه عن كل ما في نفسك.
" الحقيقة يمكننا القول بأنّه ترك الكون يبدو كما لو انّه غير موجود"
لا يمكن القول بهذا، بل إن وجود الكون نفسه دليل على وجوده. نظرية الانفجار الكبير Big Bang من الادلة الكثيرة على وجوده، فبداية هذا الحدث لا يمكن أن تحدث بنفسها، واقرأ المزيد عن هذا الموضوع إن شئت من علماء الفيزياء. اكتشاف العلماء أن الكون له بداية – وكان البعض يظنه أزلياً – من أدلة وجوده.
"وتركنا مع ثلاث احتمالات : الإله غير قادر علي اثبات وجوده , الإله يختبر إيماننا مع تعمّد البقاء بمعزلِ , الإله غير موجود"
هناك احتمال رابع: الإله يضع أدله وجوده في أماكن كثيرة لكن يتعامى عنها البعض. هل تعرف أي شئ عن نظرية intelligent design؟ اقرأ كتاب The Design Revolution للعالم ويليم دمبسكي والذي أظهر فيه بشكلٍ علمي منطقي أن الكون له مصمِّم. أيضاً اقرأ كتاب Darwin’s Black Box لعالم الأحياء مايكل بيهي والذي أثبت فيه من بعض العمليات والأجزاء الحية أنه يستحيل تماماً لعملية التطور أن تصنع تلك الأشياء المدهشة، منها شئ اسمه flagellum، مثل السوط، يتفرع من بعض الخلايا، من يدرسه عن قرب سيعرف أنه لا يمكن أن يأتي إلا من مصمِّم.
الأدلة على وجود الخالق كثيرة، لكن مسألة لماذا لا يتدخل ولماذا لا يوقف المعاناة إلخ فهذا ليس دليلاً على عدم وجوده، بل هي مسألة مستقلة تماماً.
تحيّة عزيزي Coconut
مقدّمتك جيّدة لدرجة أنّك نفسك لم تجب علي أيّ من الأسئلة التي طرحتها فيها .
حول البيج بانج ؛ فماهو إلا تفسير لتوسّع الكون الحادث , الفيزياء الحالية لا يمكنها وصف ما يحدث علي مقياس بلانك وفي زمن بلانك , لذلك لا يوجد دليل علي ما حدث ولا أحد يعرف كيف تتصرّف المادة أو الزمكان بمعني أدق في هذا الحيّز , لكن ما يقوله العلم هو الآتي :
بعض النظريات تجد الكون فيها لا يمتلك بداية وإذا ما رجعت بالزمن إلى الوراء سيرتد الكون ككرةٍ ليعود إلى الحالة السّابقة, ما يحدث هو أن الكون ينكمش، ويتوسع، ومن ثمَّ ينكمش من جديد , و يواصل توسعه الآن وإلى الأبد.
ربما أنّ ما حدث هو مجرّد تأثير الاهتزازات الكمومية quantum fluctuations
وهنا يمكنك أن تقول أنّ للتوسع بداية، لكن لا يعني هذا أن يكون للكون بداية محددة أو بداية للزمن ناهيك عن الكون التضخمي inflationary universe
ما قبل الإنفجار الكبير ماهو إلا حالة غير معرّفة , لأنّه ليس هناك ثمّة طريقة لإختبار ما حدث وهذا هو قول هوكينج ,
Events before the Big Bang, are simply not defined, because there's no way one could measure what happened at them
http://www.hawking.org.uk/the-beginning-of-time.html
بشأن التصميم الذكيّ , هو ليس نظريّة , ليس شيء علميّ من الأساس بل هي حجّة واهية زائفة يتّخذها الديني في محاولة منه بالرّد علي التطوّر .
نعود إلي العدميّة ؛ هل يمكنكَ أن تضع لي نظرة أخري إلي الحياة أو حتّي الحياة الأبديّة التي ستخلّد فيها دون أن تضع لي تخيّلات و توّهمات و إيمان زائف ليس قائم علي حجّة منطقيّة سليمة ؟
العدميّة نعم ما هي إلا رؤية الواقع بعين مجرّدة , حياديّة , دون تجميل !
"مقدّمتك جيّدة لدرجة أنّك نفسك لم تجب علي أيّ من الأسئلة التي طرحتها فيها ."
نعم، تعمدت عدم الإجابة. تلك أسئلة كبيرة. إنها أسئلة تحير معظم الناس، وأرى أن الكثير من المتدينين (مهما كان الدين) يعانون تلك المسائل داخلهم، وهي أيضاً من أهم الاسئلة التي يسألها الملحدون ويجدون صعوبة فيها، ولذلك لا فائدة من أن أضع أي إجابة، فأسئلة بهذه الأهمية لن تأتي إجاباتها مني ولا من أي أحد، يجب أن تحصل عليها أنت بنفسك. عليك أن ترحل باحثاً عن تلك الأجوبة كما فعلتُ أنا وفعل الكثيرون غيري، وعندما تحصل على الإجابة المناسبة فآنذاك سيطمئن بالك، أما الآن فأي شئ أعطيك إياه فسترد عليه رداً جاهزاً معلباً بلا اكتراث، كما فعلتَ مع بعض كلامي هنا :) ، ولا أريد أن ألقي بأجوبتي على تلك الأسئلة الهامة إلى نفس المصير هذا. هذه عليك أنت، وربما تطول الرحلة، ففي حالتي أنا احتجتُ سنيناً لأصل لجواب مقنع، وربما تكون رحلتك أقصر، أو أطول، لكن إذا كنتَ نزيهاً فكرياً فستصل للإجابة عاجلاً أو آجلاً.
كلامك عن البج بانج أرى أنه تفادى مناقشة أهم قضية فيها، وهي أن الكون له بداية. ذكرتَ أن بعض النظريات قالت أنه لا بداية للكون، ولا أعلم إنت كنتَ تقصد من يقولون بأزلية الكون أو غير ذلك، لكن هؤلاء تلاشت مصداقية نظريتهم مع اكتشاف آثار البج بانج، وأزيد من البيت شعراً وهو اكتشاف الأمواج الجذبوية gravitational waves التي أُعلِن عنها في مارس 2014م والتي عزّزت نظرية البج بانج وأظهرت أن الكون نشأ وتوسّع بشكلٍ عظيم في فترة واحد من تريليون جزء من الثانية قبل قرابة 14 مليار سنة. كيف؟ ولماذا في هذا الوقت بالذات؟ أشياء تدل على وجود كائن قرر أن يوسع تلك المادة ويصنع منها الكون في ذلك الوقت بالذات. حتى فريد هويل Fred Hoyle والذي أتى بمسمى big bang كان ملحداً صرفاً وتحول إلى نوعٍ أخف من الإلحاد بعد رؤية آثار وجود الله في الكون، وقال: "هناك كائن ذو ذكاء خارق تلاعب بقوانين الفيزياء".
كلامك عن التصميم الذكي مردود عليك لأنك لم تقرأ الكتب التي اقترحتُها. مجرد أن تختزل علوماً ومناقشات وردود وآراء كثيرة وقوية في كلمتين ("التصميم الذكي") ومن ثم تسحق هذا ببضع كلمات، هذا ليس رداً مقبولاً ولا واقعياً بأي معيار، وإذا كنت تسعى وراء الحقيقة كما تقول فما المانع أن تطلع عليها؟ إلا إذا كنتَ تخشى أن تغير آراءك؟ وهذا لا غرابة فيه، فالإنسان مجبول على كراهية التغيير وحب التزام نفس الوضع والمعتقدات والظروف، بل أحياناً الإنسان يعارض الانتقال لوضعٍ أفضل فقط لكراهة التغيير، لكن بما أنك تسعى وراء شئ عظيم (الحقيقة) فعليك أن تنفض غبار الجمود وغطرسة اعتقاد أنك على الحق الذي لا يمكن زعزعته واقرأ هذين الكتابين اللذين ذكرتهما لك، وبعدها حكّم عقلك.
دام لك الخير.
1 من 2
" لن تجد في تلك الكتابات التي يطلقون عليها - مقدّسة- ولا تلك التي تُنسب إلي الآلهة أي شيء يمكنك الإقتناع به"
بالعكس، أكثر شئ أقنعني بصحة الإسلام هو ما أجده في القرآن والسنة. كنت – حتى وأنا طفل – لا أفهم الحكمة في الكثير من الأشياء فيها، وأحياناً تثور داخلي اعتراضات، لكن مع مرور الزمن وكثرة قراءتي واطلاعي على العالم، أرى أكثر وأكثر عظمة القرآن والسنة، وأدرك كل يوم أكثر مما قبله أن هذا هو الحق الصافي الذي لا مثيل له.
" لم ولن تخبرنا بسبب منطقيّ لوجودنا في الحياة"
حسناً، سأشاركك بأحد الإجابات التي أتمنى أن تقرأها على الأقل مرتين ببطء ورويّة قبل أن ترد عليها، وقبل أن أفعل هذا دعني أضرب مثلاً: تخيل أنك عدت للماضي وصرت معاوناً لنيكولا تسلا. أحد أعظم العباقرة. أنت في معمله، تعاونه، تحضر له حاجياته، إلخ. قال لك يوماً: شاكي، اذهب للسوق واشتر لي 2 لتر ماء، طماطم، أسلاك، حديد، صدأ، حشرات، شعر امرأة بين العشرين والثلاثين، 5 أوراق من الكتاب المقدس، قلم أزرق وأريدك أن تغمسه في طلاء أصفر إلى نصفه. هيا، استعجل.
ماذا ستكون ردة فعلك؟ ستستغرب! تعرف أنه يريد هذه الأشياء كجزء من تجاربه لكن لا تفهم لماذا! ماذا سيفعل بالصدأ؟ شعر فتاة؟ ولماذا بين 20 إلى 30 سنة تحديداً؟ ما قصة القلم الذي يريدك أن تغمسه في طلاء؟ لماذا طلاء أصفر؟ لماذا إلى نصفه؟ حشرات؟ ما هذا؟ لماذا 5 أوراق وليس 4 أو 50؟ لماذا الكتاب المقدس بالذات؟ أسئلة كثيرة جداً!
لكن....هل ستقول أنه أحمق؟ هل ستقول أن تسلا اعتباطي؟ هل ستقول أنه يطلب منك أشياء عشوائية فقط للعبث؟
لا.
أنت تعرف أنه ذو ذكاء عالي جداً، وعاقل، ولن يطلب منك شيئاً إلا وله هدف معين، سواءً تعرفه أو لا تعرفه. هو قد لا يشرح لك كل شئ، ربما يشرح أشياء، ربما يصمت عن أشياء، ربما يبسّط لك أفكار بعض تجاربه، لكن في النهاية فأنت تعلم أنه لا يريد تلك المواد إلا لأهداف عقلانية معينة، سواءً علمتها أم جهلتها.
وهذا بالضبط ما يحدث بيننا وبين الله: الخالق الذي صنع ذكاءك من العدم .. نفس الذكاء الذي يستخدمه بعض البشر في التشكيك في الخالق والبعض في الإيمان به .. الخالق الذي صنع هذا الكون كله .. وهو أعلى منك ذكاء بمراحل لا نهائية (وليس فقط أذكى منك بدرجة محدودة مثل تسلا) .. هل تظن هذا الخالق أوجدك هنا فقط للعبث؟ أو بلا سبب؟ أو أنه كان متضجراً وأراد شيئاً مسلياً؟ عندما طلب منك تسلا تلك الأشياء الغريبة استغربت أولاً لكن توقن في النهاية أن لها سبباً وحكمة، وهكذا مع الله: قد لا نفهم السبب الأساسي لإيجادنا لكن نعرف أن له حكمة بلا شك، سواءً علمناها أم لم نعلم.
لماذا لم يخبرنا الله عن السبب الأساسي في خلق البشر؟ هناك أسباب لخلقنا ذُكِرَت في القرآن والسنة، لكن قد لا تكون الأهداف الأساسية، مثل عبادة الله، وظهور آثار صفات الله على عبادة – كالمغفرة والنصر والرزق – وما إلى ذلك، وأرى أن سبب عدم إفصاح الله عن حكمته من خلق البشر هو هذا: عقول الكائنات في هذا العالم لم تصل إلى مرحلة تستوعب هذا.
هذا هو السبب الرئيسي في رأيي. لاحظ أنه حتى الملائكة لم يعرفوا الإجابة، فلما سألوا الله عن الحكمة من وضع كائن في الأرض يقتل ويفسد ويغتصب ويدمر ويكذب إلخ، ماذا قال لهم الله؟ "إني أعلم ما لا تعلمون". إن الله كائن ذو حكمة ليست عظيمة فقط بل لانهائية، مطلقة، كاملة. أحياناً عقولنا تستوعب بعض حِكَمه (مثل تحريم الخمر حتى بأقل الكميات)، وأحياناً لا. إذا كان البشر لا يستوعبون الحكمة من شئ ما، فهذا من أسباب إخفائها عنا، ولكن في الدار الآخرة فإن عقولنا وأرواحنا تتغير .. تصير في بُعدٍ آخر، تصير أبصر وأقوى، تصير جاهزة أخيراً لمعرفة الحكمة ومعرفة الكثير من الأشياء، بل معرفة كل شئ، ومن أعظم نعيم أهل الجنة كشف الحجب ومعرفة الأسرار والغوامض التي حيرت أهل الدنيا.
إذاً هذا واحد من الأسباب، وخلاصته: "لله حِكَم لم يشاركنا بها"، وهناك أسباب أخرى، لكن هذه أقواها في رأيي، وتقطع كل شك، فالذي لا شك فيه أن كائناً أذكى منك مليون بل بليون بل "لانهائيليون" :) مرة لن يخلقك بلا سبب ولا حكمة، لا سيما وأنك أنت تفعل كل شئ لسبب، فانت تقرأ كلامي الآن لسبب، وتذهب للحمام لسبب، وتضحك لسبب، وتحك وجهك لسبب، وحتى لو ضحكتَ بلا سببٍ واضح فهناك سبب ولا شك (تذكرتَ شيئاً مضحكاً)، وحتى لو فعلتَ شيئاً عشوائياً في الظاهر كما يرى الناس فهناك سبب له لم تطلعهم عليه، فإذا كنت أنت صاحب العقل المحدود لا تفعل أي شئ إلا لسبب وحكمة معينة فكيف بكائن أذكى وأحكم بمنك بمراحل كثيرة جداً جداً؟
2 من 2
ضحكتُ لما قرأ ذِكرك لنظرية الأوتار .. أضحكتني المفارقة التي لم تنتبه لها .. فنحن نرى آثار وجود الله في كل مكان .. في كون وُجِد من العدم .. في الحياة (والحياة لا تأتي إلا من حياة، كما أثبت لويس باستور) .. في قوانين الفيزياء .. في صلاحية هذا الكوكب للحياة وكيف أن هناك عوامل كثيرة جداً تجعله كذلك والتي لو اختل واحد منها فقط لما وجدت أي حياة هنا .. في أن الإنسان مفطور أن يؤمن وأن يبحث عن الدين. قد تغضب أنك لا ترى الله مباشرة وأنه لم يظهر ويكلمك ليثبت وجوده، لكن آثاره موجوده ولا حصر لها، وهذا كافٍ لمعرفة وجوده في رأيي ورأي أغلب الناس، لكن لو قلت أن هذا لا يكفي فماذا تقول عن نظرية الأوتار؟ إن العلماء لم يجدوا أو يروا أي "وتر"! إنها نظرية، وحسب كلام بعض العلماء فإننا لن نستطيع أن نثبت أبداً صحة النظرية لأن الأوتار لن تُرى لا بالعين المجردة ولا بأعظم تقنيات البشر، ومع ذلك هي نظرية فيزيائية مُعتبرة ومدروسة يعتقد الكثير من الناس بعضهم ملحدون – ومنهم علماء – أنها صحيحة. مفارقة! أوتار لا يرونها ولكن يؤمنون بها، لماذا يؤمنون بوجودها وهم لم ولن يروها مباشرة أبداً؟ من آثارها! وفي نفس الوقت آثار الله لا يرون أنها تثبت وجوده لأنهم لم يروه مباشرة!
قل نفس الشئ عن الثقوب السوداء: لا تُرى، لكن آثارها تُرى، وهكذا صارت حقيقة وعلماً لا يتطرق إليه الشك!
إذا المسألة عبطية مع كل الملحدين تقريباً: تطبيق مبدأ "أؤمن بوجود شئ أرى آثاره فقط لكن لا أراه هو نفسه" عبطية تماماً، يطبقونها على مواقف لكن ينكرون صحتها ويسخرون منها في مواقف أخرى، كما يفعلون مع وجود الله.
هل فكرت في هذا من قبل؟
كلامك الذي بعده والذي ختمتَه بالتالي: " علي الرّغم من أنّه ليس بحاجةِ إلي كلّ ذلك."، هذا بيت القصيد: الله ليس بحاجة لهذا. الله لا يحتاجني ولا يحتاجك. إنه لا يفعل شيئاً قسراً، وإنما يفعله بإرادته، لحكم. لو أنني عبدته ألف سنة ما نفعه هذا، ولو أنك ألحدت وشتمته وكفرت به ألف سنة لم يضره هذا. أنت تخلط المشاعر بالحقائق لتعترض على الحقائق، فكأنك مثلاً تشتم جداراً يعترض طريقك لأنه يعيق مشيك ويجعلك تلتف حوله، فتقضي نصف ساعة كل يوم تسبه وتلعنه ثم تمضي لحاجتك، وكأن هذا سيزيله، أو ينفعك، لكن ليس سبب شتمك إلا التنفيس عن الغضب، وهذا ما تفعله مع الله، فأنت غاضب أنك لم تره، غاضب أنه يسمح بوجود الشر، غاضب أنه يأمرك بأشياء لكن ليس مباشرة وإنما عبر رسل وكتب ("وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا")، وهكذا، وهذه لها أسباب، لكن لا تظن أن مجرد غضبك دليل كافٍ على صحة معتقداتك.
"أن يعذّبني -فقط- لانّي أريد أن أعرف وأن أفهم"
لن يعذبك للسؤال الاسترشادي، لكن أنت لا تسأل للاسترشاد. انظر للفرق مثلاً بين طالب جامعة يسأل في أول يوم عن أسباب سياسات الجامعة التي يعترض على بعضها ولا يفهم بعضها، فيسأل باحترام وهدوء وبالطرق الرسمية السليمة، ثم انظر لطالب آخر يصرخ على المحاضرين وعلى الطاقم الإداري ويصفهم كلهم بالغباء والدونية ويعلن أنه أفضل منهم وأن قوانينهم غبية وسياساتهم حمقاء ويتحداهم أن يثبتوا له صحتها إلخ. أي الطالبين هو الذي ستأتيه العقوبة؟
"وإذا كان الإيمان الذي يرغب به إلهك هو ذاك الإيمان والتصديق بدون دليل , فهل الإيمان الغيبيّ بدون دليل ماديّ يتناسب مع العقاب - كما سبق وذكرت – "
الادلة على وجود الله كثيرة، منها الكون نفسه (بيج بانج مثالاً)، منها الحياة، منها الحمض النووي، منها المخ البشري، منها تحويل نطفة إلى كائن حي، منها أشياء كثيرة جداً، فهذه كلها أدلة، وكلامك أنه يرغب أن تؤمن به بلا دليل غير صحيح، بل القرآن ملئ بالتحديات العلمية وطلب أن تتأمل في كل شئ وأن تشغل عقلك وتفكيرك، "قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ"، "قل سيروا في الارض فانظروا كيف بدأ الخلق"، "وفي أنفسكم أفلا تبصرون"، تتفكرون، يتدبرون، تتذكرون، أولي النهى، أولو الألباب، إلخ.
"العلم قائم علي التجارب لا شيء سوي التجربة الماديّة المجرّدة , التجربة التي يعاد اختبارها لتؤكّد مدي صحّتها"
إذاً الثقوب السوداء غير موجودة. لا نراها، فقط نرى آثارها، وبناءً على منطقك، الآثار لا تكفي، ويجب رؤية الشئ مباشرة.
الكوارك غير موجودة.
العقل غير الواعي غير موجود. بل الطب النفسي كله خرافة! هل "ترى" اضطراب ما بعد الصدمات؟ هل "تبصر" الوسواس القهري؟ هل ترى أثراً مادياً للاكتئاب؟ إذاً هذه الأمراض كلها أكاذيب لأنها لا تخضع للتجربة العلمية التي تؤكد صحتها، على الأقل ليس بمستوى تجارب الفيزياء مثلاً.
الساعة البيولوجية غير موجودة.
الكثير من الميكانيكا الكمية غير صحيحة.
نظرية الأوتار هراء.
نظرية الجاذبية الكمية الحَلَقية Loop quantum gravity؟ خزعبلات!
وهكذا. هذه اشياء لا تُرى ولا يرى إلا آثارها، ولا يمكن تجربتها التجربة العلمية الموضوعية التقليدية، إذاً حسب كلام الملحدين فهي هراء.
" فما أدراك انّ كائنات فضائيّة ذات حضارة تفوق حضارتنا قد صنعتنا في المعمل"
و من أين أتت تلك الكائنات؟ أمثلة كهذه تصنع حلقة مفرغة، ولا بد في النهاية من أن نصل لكائن موجود ولم يوجده أحد، وإلا ليس لديك إلا انكفاء لانهائي Infinite regress.
" بالنسبة للحياة , فالحقيقة انّ " كريغ فنتر " وفريقه نجح في إيجادأوّل شكل من أشكال الحياة الاصطناعيّة في العالم"
أعرفها وقرأت كلام بعض العلماء القائمين عليها. هذه التجربة من أعظم الأدلة على وجود الله وعلى استحالة وجود الحياة بدونه. لنتأمل:
1) التجربة احتاجت ذكاءً بشرياً لتتحقق. ليس شخصاً واحداً ذكياً فقط، بل تطلبت التجربة مجموعة ضخمة من أعظم العقول العلمية التي تكاتفت وطوّعت علمها لتتم التجربة.
2) تم تجميع الجينوم في 4 مراحل: 1 كيلوبايت (كب)، 10 كب، 100 كب، وأخيراً المرحلة الكاملة. كم حجم الجينوم بالضبط؟ طوله 1,1 ميغابايت من قواعد الحمض النووي الزوجية، أي مليون ومائة ألف زوج قاعدي. هل تدرك ضخامة هذا؟ لاحظ أن هذا فقط لبكتيريا بسيطة!
3) من أين أتى العلماء بهذه الكمية الهائلة من الحمض النووي؟ اشتروها من شركة اسمها Blue Heron بمبلغ لا يقل عن مليون دولار. مرة أخرى، كل هذا لخلية بكتيرية وليس كائناً كاملاً. انظر لمدى الذكاء الذي احتاجه هذا المشروع...فقط لخلية مرضية تصيب الماعز. هل تتخيل ما يتطلبه صنع الحياة نفسها؟ أو المخ البشري؟
4) في الخطوة الأخيرة من عملية تجميع الجينوم وضعوا الحمض النووي في خميرة لإحداث عملية التأشيب المتماثل homologous recombination، لأن الخميرة لها دور في ربط قطع الحمض النووي المتشابكة. لاحظ أنهم احتاجوا الخميرة هنا، مادة لم يصنعوها.
5) والآن النقطة الهامة: ماذا فعلوا بالجينوم؟ زرعوه في خلية مايكوبلازما مايكويديس ، خلية حية! العملية كلها اعتمدت على خلية حية أصلاً ليضعوا فيها الجينوم! الحياة لا تأتي إلا من حياة. الحياة أوجدها الله من العدم، وكل جهود هؤلاء العلماء عديمة الفائدة تماماً بدون تلك الخلية الحية. " إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له". الآلهة الزائفة، ومنهم هؤلاء العلماء الذين تقدسهم وتدعوهم من دون الله، لا يستطيعون أن يخلقوا خلية بكتيرية حية، انس الذباب!
6) ما هو تسلسل الحمض النووي؟ هل تظنهم وضعوها عشوائياً؟ لا، الـDNA sequence مطابق لتلك الخلية الحية. إذاً رضخوا رغم أنوفهم أن يحاكوا تصميم الله لتلك الخلية. الحمض النووي لا يوجد عشوائياً بل له ترتيب معين هو الذي يصنع خصائص الكائن. إذاً: "سرقوا" تصميم الحمض النووي من الله، ثم اضطروا أن "يستعيروا" من الله خلية حية ليزرعوا فيها الجينوم. احتاجوا غشاء membrane الخلية وهو شئ جوهري. احتاجوا أجهزة الخلية التي تعمل على تخليق البروتين ونسخ الحمض النووي.
7) أصلاً لا يمكن صنع خلية من العدم إلا من قِبَل كائن خارق مثل الله، فالخلايا الحية لا تأتي إلا من طريقين: انقسام خلية سابقة، أو اندماج خليتين جنسيتين. أول الخلايا الحية احتاجت كائناً يصنعها من لا شئ.
ذكرني هذا بقصة أشعب، لما سافر من أحد الناس، وكان هذا الرجل يقوم بكل شيء حتى تعب وضجر، وفي طريق العودة نزلا للغداء، فأما أشعب فتمدد على الأرض، وأما صاحبه فوضع الفرش وأنزل المتاع ثم التفت لأشعب وقال: قم اجمع الحطب وأنا أقطع اللحم .
قال أشعب: أنا والله متعب من طول ركوب الدابة .. فقام الرجل وجمع الحطب … ثم قال: قم أشعل الحطب .
فقال: يؤذيني الدخان في صدري إن اقتربت منه .. فأشعلها الرجل .
ثم قال: ساعدني أقطع اللحم .
فقال: أخشى أن تصيب السكين يدي! فقطع الرجل اللحم.
ثم قال: ضع اللحم في القدر واطبخ الطعام .
فقال: يتعبني كثرة النظر إلى الطعام قبل نضوجه .
فتولى الرجل الطبخ والنفخ .. حتى جهز الطعام وقد تعب .. فاضطجع على الأرض .. وقال: قم جهز سفرة الطعام .. وضع الطعام في الصحن .
فقال أشعب: جسمي ثقيل ولا أنشط لذلك .
فقام الرجل وجهز الطعام ، ووضعه على السفرة .
ثم قال: يا أشعب قم شاركني في أكل الطعام .
فقال أشعب: قد استحيت والله من كثرة اعتذاري ، وها أنا أطيعك الآن .. ثم قام وأكل .
هذا كمثالك عن هؤلاء العلماء، فتركوا كل شئ على الله سبحانه: تصميم الحمض النووي، صنع خلية حية، تجهيز الخلية الحية بأجهزة استمرار الحياة، إلخ. ثم أتوا في آخر مرحلة "فأكلوا" الطعام جاهزاً ونالوا منك الثناء والإعجاب!
ما أحسن البساطة!!!
ما أجمل البساطة. كم هي مريحة للنفس .. وأيضاً للرأس!
إنها البساطة البديهية يملكها الطفل الصغير والعالِم الكبير. ما هي هذه البساطة؟ ببساطة .. إنها العقل.
العقل الذي يخبرني أن الشئ لا يأتي من نفسه بل لا بد له من مصدر. أرى خريطة وأوقن أن هناك من صممها ورسمها، أنها لا يمكن أن تتشكل من نفسها. علبة فضية جديدة على المنضدة؟ لا أحد غيري هنا؟ إذاً لا شك أن ثمة من وضعها. لا أعرف من هو أو هي، لا أعرف لونه أو شكله أو عمره، لكن أعرف أنه لا يوجد إلا احتمالان: إما أنا وضعتُها أو غيري، وبما أنه ليس أنا فلا شك أنه غيري.
هذه البساطة الرائعة هي الفطرة التي يولد بها وينشأ عليها الإنسان، إلى أن يكبر البعض وتتلوث عقولهم بسموم فكرية تضع مكان تلك البساطة البديهية نفايات جميلة. جميلة من الخارج، فهي تلبس لباس العلم والمنطق لكن هي فعلاً نفايات وفيها تناقضات وأخطاء.
كم أعشق هذه البساطة! لقد طرأ هذا في بالي لما قرأت كلامك بالأعلى. تذكّرتُ تلك المرحلة المكروبة المكروهة في حياتي. شكوك، أسئلة، أسئلة كثيرا جداً، منها أشياء شبيهة بما طالبتني أن أثبته لك، ويا للهول، إلى أي درجة من الحيرة وصلتَ لها يا شاكي؟ انظر لتلك الأشياء التي تسأل عنها، فأولاً كنت تؤمن أن الله واحد وأن دينه الإسلام، ثم الآن تظن أنه غير موجود وحتى لو كان موجوداً فما جنسه وما دليل وحدانيته وما الدليل على رسله وماذا عن كذا وكذا وكذا إلخ! عالم من التفاصيل التي لا تسمن ولا تغني من جوع، فما الفائدة أن تعرف جنسه مثلاً؟ أو أن هناك فصلاً بين الخالق وبين الإله؟ ذكرتني بالظلمات التي عاش فيها المعتزلة لما غرقوا في مثل هذه التفاهات حتى كفر بعضهم وبعضهم كان أن يُجنَّ. من دين بديهي سهل الفهم إلى عالَم من الحيرة والاضطراب باسم العلم والعلم من هذا براء.
أردت أن أبدأ بإجابة بعض هذه الأسئلة لكن ما الفائدة؟ فور أن أجيبك ستأتي بأسئلة أخرى عبطية تفصيلية، مثلاً: طيب، الآن أصدق أن هناك خالق لكن لعله خلقنا وتركنا؟ وإذا تجاوزناها تسأل: بعض صفاته أثبتها لي، كالإحياء بعد الإماتة! ثم: كيف أتأكد أن هناك ملكاً نزل بالوحي على الرسول عليه الصلاة والسلام؟ وهكذا. سيل من الأسئلة. هذه أسئلة ليست آتية من عقل مسترشد، ولا من شخص يريد تضييع الوقت، بل تأتي من عقل اختلت بوصلته وصار لا يدري كيف يذهب للطريق. عقلك وصل لدرجة من البارانويا الفكرية والتشكيك المَرَضي لا تفيد معه الإجابة على تلك الأسئلة ولا على أضعافها، بل لعلك تشك أحياناً في الوجود نفسه! هل أنت موجود فعلاً؟ لعلنا جزء من تجربة أدمغة في وعاء Brains in a vat؟ هل وحدة الأنا Solipsism هي محطتك التالية في قطار الحيرة هذا؟ لا أريد مضايقتك بهذه الأسئلة بل أنا صادق فيها. لهذا تبسمتُ لما قرأت كلامك في أحد الردود عن استعدادك لتغيير معتقداتك إذا أقنعتك أنا أو غيري، وكأن المسألة بهذه البساطة! لا يمكن. أنت لا تتكلم عن تغييرك للونك المفضل مثلاً، تتكلم عن قبولك أن تؤمن بأشياء كبيرة، وكأن المسألة أبيض أو أسود، ترى الأبيض فتغيّر معتقادك فوراً. لا. أنت ستؤمن بالله في النهاية (أوقن بهذا، لأن عقلك أعلى من الإلحاد كما أرى) لكن لا تخدعني وتخدع نفسك بكلامك هذا: إيمانك بالله ورسوله سيأتي ببطء وببعض الألم النفسي، أو ربما الكثير منه. ليست لحظة "أها!" تعود بعدها لدينك، بل مسألة بطيئة معقدة، لا سيما أنك ربطت المشاعر والآلام بمسألة دينك واعتقاداتك .. الإيمان والإلحاد مسائل شخصية جداً لك، مرتبطة بالغضب والحيرة والألم والمرارة والخوف ومشاعر أخرى كثيرة، شئ بهذا الحجم لا يتغير فوراً كما تتوهم، بل كما تركت الدين ببطء فسترجع إليه ببطء. هذه مسألة هامة أردت توضيحها.
الآن، قبل أي شئ، قبل أن نتكلم عن الدين الصحيح أو الغيبيات، قبل أن أجيب على أسئلتك الماضية (وبعض أسئلتك جيدة في الحقيقة)، أريد أن أسألك السؤال الهام: ما هي الأسباب التي دعتك لنفي وجود الله؟
أزال المؤلف هذا التعليق.
أزال المؤلف هذا التعليق.
إرسال تعليق