face like

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

الصفحات

‏إظهار الرسائل ذات التسميات آخر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات آخر. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 1 مارس 2023

لماذا نترك أثرًا في حياةٍ نرفضها؟

0 تعليق


- لا أفهم لماذا يُحارَب التدخين وشركات صناعة التبغ، بينما يحارب فقط الإرهاب ولا تحارب شركات صناعة الإرهاب (المعتقدات) ..، مع العلم أنه حتى محاربة التدخين ليست مبررة، فهو شأن شخصي، ويمكن للآخرين اجتناب مضاره، بينما الإرهاب ليس شأنًا شخصيًا ولا يمكن للآخرين اجتناب مضاره – فلا مضار له إلا على الآخرين! كيف يتم تغريم بشر بمليارات الدولارات بسبب تمثيلهم لشركة أنتجت ما قتل إنسان، بينما لا يتم تغريم بشر مثلهم يُمثلون أُمَّة تُنتج ما يقتل آلاف البشر كل يوم؟ - كل تضحية بالنفس هي نوع من الانتحار، هي نزعة فطرية للموت – للتخلص من إرهاق الوعي – كالنزوع للنوم للتخلص من إرهاق اليقظة .. شعارات التضحيات ومبرراتها مجرد أقنعة ومحفزات .. ما يجعل الانتحار التقليدي مرفوضًا هو فقط كونه سافر الوجه جاحظ العينين خالٍ من المجاملة، وهذه هي مأساة كل حقيقة، فالحقائق مرفوضة لخلوها من الغموض والكذب الذي هو أساس كل قيمة وكل أمل في الحياة .الذين يُضحُّون بأرواحهم لا يرون نتائج تضحياتهم، والذين يأتون من بعدهم يرون عبث تضحيات السابقين ولا يرون عبث تضحياتهم هم، لذلك هو مستمر مسلسل عبث التضحيات بالأرواح من أجل لا شيء .. إذا تكررت الحياة وعُرِضت نتائج التضحيات، فإن الذين انتحروا بلا مواربة – فقط تحت عنوان تخليص الذات من عبث الحياة – هؤلاء وحدهم من سيعيدون الكَرَّة! - الطاعة التقليدية للوالدين مثل العبادة التقليدية للآلهة، كلاهما قمع للفطرة ودفع للمنطق بالاتجاه المعاكس .. الصواب أن يعتذر الآباء للأبناء والآلهة للأحياء عن ظلمهم لهم بالحياة، لكن لعل استحالة وجود اعتذار يناسب حجم المأساة هو ما دفع البشر إلى قلب الآية، فَسنُّوا سُنةً تُناقِض الفطرة، إذ ألزموا المظلوم بشكر الظالم، مفترضين أن في تمرده الحتمي من العزاء ما يعوضه، فالتمرد يولد لدى البلهاء داخل سجنهم شعورًا زائفًا بأنهم قد انتقموا لأنفسهم بأن ناموا مراتٍ على جنوبهم وليس على ظهورهم دائمًا كما أمرهم سجانهم! - جادّاً لا من باب التهكم أقول: إنني أشهد بأن في عنق كل من يحترم نفسه، واجب امتنان للحركات الإسلامية، لتذكيرها لنا على الدوام بوجوب مغادرة الحياة باعتبارها عبثية بشعة كريهة لا تليق بمن يحترمون أنفسهم .. من في العالم اليوم لا يعلم ببشاعة سلوك الإسلاميين في كل مكان ضد حياة وحرية وكرامة الإنسان؟ .. ويتم ذلك باسم الحق والأخلاق .. ليست الحياة كريهة بسبب وجود الإسلاميين فيها، بل هي دائمًا كانت كذلك، لكننا نغفل عن هذا أحيانًا، وأحيانًا أخرى نبدو كمن يتحجج غريزيًا بمسئوليات اجتماعية وواجبات إنسانية تطيل مدة بقائنا في الحياة أكثر مما ينبغي، وما تلك الذرائع وغيرها سوى أضغاث أفكار ودلالات جهل وضعف ..، فحاجة أبنائنا لنا كانت عدم إنجابهم وليس التباكي عليهم بعد وقوع الجريمة ..، وإصلاح البشرية لا يتحقق إلا أن تفرضه الطبيعة فرضًا لا باتفاق البشر، فالعبث سمة الحياة والبشر كغيرهم من الكائنات، فلا مبرر للحياة إذن سوى الغباء أو العبث ..، ولعل أسوأ مبررات الحياة هو الاعتقاد بأنها إجبارية لا اختيارية، فهذا يُفرغها من كل معنى ممكن، إذ يجعل الإنسان فيها شيئًا من الأشياء لا حيّاً من الأحياء .. لذلك أقول إن الإسلاميين رُسُل الطبيعة لتذكير الغافلين، كي لا يلوم الكريم إلا نفسه حين يُهان في حياة قوامها المهانة والعبث ..، ما يُميِّز الإسلاميين هو تحطيمهم للمنطق دون مواربة – تحطيمه لكونه صواب لا لكونه خطأ .. تحطيمه بقصد تحطيمه لا بزعم إصلاح الحياة كما يدعي غيرهم! إن الحياة إما أن تَقتل أو تُقتل أو أن تعيش صاغرًا .. مغادرة الحياة ليست جبنًا من مواجهة أعداء ولا هروبًا من أداء واجب، لكن أن تَقتل أو تُقتل هو سلوك حيواني لا يليق بالإنسان، وهو ما يفعله البشر منذ أن وُجِدوا على الأرض ودون جدوى ..، أن تقتل غيرك هو أمرٌ أسهل من أن تقتل نفسك، لكن نسبة أن تكون مخطئًا بقتلك لغيرك لا يمكن أن تكون صفرًا، أما أن تقتل نفسك فيمكن أن تكون ..، لذلك كان قتل الذات دائمًا أصعب من قتل الغير، ولذلك كان الانتحار دائمًا سلوك النبلاء والصادقين، فهو خالٍ من الطمع والرياء، وخالٍ من كل شك وتوهم .. واقعيًا ومنطقيًا لا يمكن وصف المنتحر إلا بأنه شجاع، وليس كل المنتحرين فاشلين – فمنهم أنجح الناجحين، ودينيًا ينبغي تحريم وصف الانتحار بأنه فشل في الحياة، فإدانة المصنوع بالفشل تعود على الصانع "الخالق" .. فإذا كان ولا بد من وصف الانتحار، فينبغي وصفه بأنه نقد ورفض وتحدٍ من الحياة لإرادة الوجود .. لكن يبدو جليًا وجود من يهوون ممارسة الغباء بيننا، ولديهم المقدرة على ذلك، ومنهم من يبدعون- لعل الجبن والضعف والجهالة والأوهام أسبابهم، لعلهم معذورون! - سلوك العالم المتقدم حيال ما يجري على الأرض اليوم، لم يعد وصفه بالمتحضِّر والمتمدن ممكنًا، إنه سلوك الجبناء والأغبياء والعابثين بكل بساطة ووضوح! - نحتاج إلى جنون رحيم على غرار الموت الرحيم، فالعقل عند وجوب الجنون كما الحياة عند وجوب الموت! - ليس أسهل ولا ألذ من العبث، خاصة أنه لا يحتاج إلى سبب ولا تفكير .. هكذا بهذه البساطة يجد الإنسان نفسه عاقلاً ومتورطًا في الحياة بمسئولياتها وتساؤلاتها، وهو عبارة عن نتيجة عشوائية لعبث غيره وعدم درايتهم وعدم اكتراثهم بعواقب ما يفعلون .. هكذا بهذه اللا مسئولية أنجبونا وكررنا نحن الخطأ .. كأن الكل ينتقم من أبويه بإنجابه لبنيه .. يعشق الرجال والنساء بعضهم فيُنجبون حاضنات مآسٍ! أن يولد الإنسان فذلك مجرد عبث بالنسبة للوالدين، لكنها أم الكوارث بالنسبة له – كل المآسي مجتمعة في حدث .. ولادة الإنسان مثل الفقر، كل ما يعقبها نتاج لها، لا معنى للبحث عن أسباب أخرى، ولا توجد تفسيرات منطقية لمآسٍ ناجمة عن عبث وعشوائية .. إذا أُغلِق باب النقاش حول إمكانية الرجوع إلى ما قبل الحياة، فالخيار المتبقي هو القفز مباشرة إلى ما بعدها .. الحياة مجرد ميدان لسخرية الإنسان من نفسه وعبثه مع غيره .. أي إساءة يتلقاها المرء خلال حياته لا يصح أن توصف بغير المزاح، ولا ينبغي أن تثير فيه غير الضحك .. أليست مزحة أن يُساء إلى إنسان قابع في جهنم، برميه بحفنات من جمرها على وجهه وعلى قفاه؟ وهل يمكن أن يُساء إلى إنسان قابع في الحياة، سوى برميه على وجهه وقفاه بحفنات من مكونات الحياة؟ الإساءة هي إدخال الأول إلى جهنم والثاني إلى الحياة، وليس ما يترتب على الدخول .. ردُّ العبثِ بعبثٍ مثله عبثٌ مثله .. رد الإساءة يكون برفضها، بمغادرة مكانها، بقطع طريق عودتها – لا بتبادل شتائم العبث في موطنه ومع أهله .. رد الإساءة كبير بكِبر حجمها، لذلك ينتحر الكُرماء ولذلك لا يقوى على الانتحار كل من شاء! - كل ما نفعله لأجل الحياة لا يكون إلا تقليدًا لآخرين .. كل مَن كوَّن رأيه الخاص كَفَّ عن فعل شيء يربطه بالحياة التقليدية ..، هذا الرأي الخاص هو الفلسفة .. عادةً تقود الفلسفة الإنسان إلى ترك الخيار للحياة تفعل به ما تشاء، لتنقلب بذلك الأدوار، فتبدو الحياة حريصة على بقاء الإنسان – لا العكس كما هو سائد ومعتاد .. - الفلسفة ليست خيارًا خاضعًا لإرادة الإنسان .. كل إنسان يتفلسف مثلما أنه قد وُلِد .. الفلسفة مسار حياة باتجاه معين أو إلى نهاية محددة .. الفلسفة التي توصف بأنها لا منتهية هي تلك التي ترسم مسارًا واحدًا ومصيرًا واحدًا لكل البشر، والممتنع فيها أو اللا منتهي هو جمع البشر وليس ثمرة الفلسفة .. الفلسفة شأن فردي بحكم الواقع لا بحكم الفكرة .. - أتباع بعض الديانات يختلقون الذرائع لقتل البشر بينما يُسمُّون أنفسهم رُسُل الحقيقة والسلام، ويعتقدون ذلك .. ما يبدو لنا مفارقة وجهلًا وهمجية في هذا السلوك، قد يكون عين المنطق والعلم والإنصاف بالنسبة للحقيقة من منظور قوانين الطبيعة والوجود .. كيف ذلك؟ في كل الأحوال الحياة تخلو من المنطق والمبررات ولا تليق بمن يحترم نفسه – إذا كنا جادين وقادرين على ممارسة الصدق الصارم مع أنفسنا .. لكن استتباب السلام وسيادة القانون، قد يزيفان المشهد ويُخفيان عنا حقيقة الحياة التي نعلمها، حتى يتوهم الكل بأن الحياة منطقية ومبررة، وتضعف بذلك دوافع مغادرتها، ويجد المنطقيون أنفسهم يمارسون الحياة كغيرهم – لا عن قناعة لكن لفقدانهم حماسة المغادرة .. إجلاء هذا الوهم هو ما تطلب وجود رُسُل السلام لقتل السلام، كي لا ينخدع بالحياة من لا ينبغي خداعهم .. - للمذاهب الدينية اليوم، وظائف أساسية ثلاث، هي أهم وأوضح ما يمكن ملاحظته على الواقع: فرض طاعة من لا يمتلكون ما يُبرر طاعتهم .. فرض قتل من يمتنعون عن ارتكاب ما يُبرر قتلهم .. فرض كراهية من لا يفعلون إلا ما يوجب محبتهم! - امتثالك للتعاليم الدينية يعني أن تجد لك طريقة عاجلة للموت - غير الانتحار، أو أن تجد سبيلاً للجنون لتُرفَع عنك أقلام السيد وسياط العبيد! - الاعتقاد هو كأن تُصدِّق بأنك مؤتمنٌ على حقيبة تحوي نفائس دون أن تراها ..، والإيمان هو ألا تُفكِّر بفتحها لتتأكد من محتواها حتى لو قالت لك كل المؤشرات بأنها فارغة .. ما يجهله هذا المؤتمَن الحريص على أمانته المفترضة، هو أنه تجوز محاسبته على فقدان النفائس حتى لو كانت الحقيبة فارغة أصلاً، لأن اتفاقية الاعتقاد لا تنص على المحافظة على الحقيبة بغض النظر عن محتواها، إنما تنص على الشهادة والإقرار باحتوائها على نفائس! - أجمل علاقة تربطنا بالحياة تكون في المرحلة التي لا نعرفها خلالها - تلك التي تسبق العقل والوعي - ربما لأنها الأقرب إلى أصلنا .. الغيبوبة، الموت، اللا وجود، وهي العلاقة الوحيدة التي يمكننا تبريرها باعتبارنا غير مسئولين عنها! - لست قلقًا بشأن نسيانها، فحيثما ذهبت وجدت ما ومن يُذكِّرني بأسباب رفض الحياة واعتزال البشر! - السؤال لماذا وُلِدت، الجواب لكي تموت، وكل ما بينهما مجرد أنواع مختلفة من الحشو لملء الفراغ! - قِلةٌ من البشر تربطهم علاقة جيدة بالحياة مدة إقامتهم المؤقتة فيها أو إقامتها المؤقتة فيهم – شواذ قاعدة .. أما سوادهم فهم بين مرفوضٍ من الحياة ورافضٍ لها! - من حيث المبدأ، كل عاقل لا بد أن يرفض الحياة، فالمنطق يمنعنا من قبول ما نُقحم فيه دون استشارتنا ولا نعلم له مغزى، لكن غالبية البشر يواصلون الحياة حتى النهاية لأسباب مختلفة ..، فالأحرار المُنعَّمون ليسوا مضطرين للمغادرة قبل أن يتشبعوا بالاستمتاع بما وجدوا أنفسهم فيه من عبث ممتع، وكثيرون منهم غادروا مختارين وتركوا المُتع بعد أن تشبعوا فكرًا أو ثراءً .. المتورطون في حياة غيرهم مضطرون للتمديد قدر إمكانهم ..، وهناك المرعوبون من فكرة الموت بسبب ضعفهم وسطحيتهم، فهؤلاء لا خيار لهم سوى انتظاره ليقتحمهم رغمًا عنهم كما اقتحمتهم قبله الحياة ..، وأما الأكثرية فهم الذين يَحملون الحياة لا يمارسونها - لا يشعرون بها بقدر ما يخوضونها نيابة عن غيرهم لا أصالةً عن أنفسهم - الذين يعتقدون أنهم مأمورون بالحياة لا مُزوَّدون بها! - لماذا كانت الحياة؟ لأنها أحد احتمالات الوجود الكثيرة! - لماذا كان الموت؟ لأن التغير هو أساس الوجود، وهو الذي أوجد الحياة، فكان لا بد للتغير من أن يوجِد الموت كآخر تغير في عملية الحياة! - لولا خيار الانتحار، لأصبحت أسطورة الألم الذي لا يُطاق حقيقة ماثلة حتى قبل أو دون حدوث ألم! - إذا قرأنا فلسفة الحياة والموت في ضوء الرؤية الدينية للكون، فإن الفكرة والغاية الأقدر على إقناعنا، هي فقط ممارسة الإله للموت خارجه - باعتبار أن الموت هو الشيء الوحيد الذي لا يمكن للإله ممارسته على نفسه! - دينيًا، لا ينبغي استبعاد فكرة أن تكون خطيئة الإنسان هي فقط تشبثه بالحياة، حيث لا يوجد مبرر منطقي للحياة سوى خوض تجربة الموت، وربما كان التعجيل بالموت فضيلة! - الداء أن نولد والشفاء أن نموت والحياة دواؤنا المُر! - داء البؤساء غير مبرر فجاء دواؤهم الأشد مرارةً! - أن نولد يعني أن يتم تلقيحنا بالموت .. منا من يتحمل آلام حمل موته، ومنا من يُفضِّل إجهاضه! - ما يربطنا بالحياة هي جهالة نُسميها حب المعرفة! - حب المعرفة مثل اعتناق المعتقدات، قد يصلح لملء فراغات الحياة لكن ليس لتبريرها! - الحقيقة تتغير في نظر الإنسان الفرد مع تغير مراحل حياته، وكذلك تتغير الحقيقة بتغير الأجيال والعصور .. القول بأن هناك دائمًا ما لا نعرفه عن حقيقة الوجود، يعني أن كل ما ينقضي من أحداث يُختم بختم العبث .. الماضي مجرد بنية تحتية وتمهيد للمستقبل دائمًا .. لا يظهر مذهب ديني إلا بطعنه في حقيقة مذهب سابق .. أحدث نسخة من الحقيقة سيدركها آخر جيل من البشر! - لسنا من يقرر الوقوف أو عدم الوقوف عند بوابات الحقيقة، بل هي التي تستوقف بعض البشر دون غيرهم! - إذا لم نجد خارج السجن ما يستحق لهفتنا للخروج، فذلك لا يُبرر لنا إنكار فضل من ساعدنا على الخروج! - لم أفهم ماذا كان يقصد شيوران بهجره للفلسفة ودعوته لرفضها وقوله بأن لا فائدة منها أو لا قيمة لها! هل الفلسفة سوى وجهة النظر؟ ألا يعني الكف عن الفلسفة الكف عن الكتابة والكلام؟ الكف عن الفلسفة يعني المعاناة في صمت! فهل توقف شيوران يومًا عن إبداء وجهة نظره في الإنسان والوجود والعالم والحياة؟ - الوظيفة الأساسية للفلسفة هي أن نعرف بواسطتها المحطات الوهمية في طريق الحياة، فلا نتوقف عندها! - ليست الفلسفة عاجزة عن توجيهنا إلى طريق الوجود الخالي من الإشارات الخادعة، بل نحن العاجزون عن سلوكه! كل منا ينأى بنفسه عن أن يكون الأول أو الوحيد السالك لدرب النجاة الصامت .. إننا وبسبب ضعفنا نفضِّل درب الهلاك الصاخب بضجيج الضحايا على درب النجاة الموحش بصمته فقط! ربما لهذا السبب قال شيوران بأنه لا حاجة بنا للفلسفة! - التعليم الموجه هو تحويل للإنسان من انبثاق طبيعي إلى صناعة بشرية - من كيان أساسي إلى كيان فرعي! - التعليم الطبيعي لا يتجاوز تعلم القراءة والكتابة! - لا يقلقني وجود المجرمين في الحياة، فالمجرم حيوان مفترس، مقابلته تكون عادةً مرة واحدة تنتهي بموت أحدنا، ويمكن اجتناب هذه المقابلة دائمًا .. لكن يقلقني وجود الأغبياء، فالغبي لا يقتلك لكنه يجرحك كلما قابلك، وأنت لا تستطيع وخزه لتجعله يشعر بجُرمه فهو لا يشعر، ولا يمكنك إلا مقابلته دائمًا – نظرًا لتوفره في كل مكان باعتباره أليفًا! - من الوهم الاعتقاد بأن البشر عاجزون عن التفاهم، فهو ممكن حتى بتقليد الحيوانات، لكنه مرفوض لأنه يُسفِّه تفاضلهم الزائف الذي يُبرر تنافسهم العبثي! - الحيوانات لا ترتكب فعل القتل إلا من أجل الحياة .. وتلك دلالة على التوافق التلقائي بين الحياة واللا عقل! يتفرد الكائن العاقل بقتل جنسه لأجل الموت .. هذا التفرد يُخبرنا بطبيعة العلاقة الوجودية بين العقل والحياة، بوصفها علاقة رفضٍ متبادلٍ ميدانها الإنسان! - كل ما يُنجزه الإنسان يمكن إدراجه تحت عنوان: محاولات اللحاق بالحيوان .. فالطبيعة زودت الحيوانات بكل ما تحتاجه مباشرة، بينما زودت البشر بإمكانية تقليدها لصنع ما يحتاجونه .. لذلك نجح البشر نسبيًا في صنع ما هيأتهم الطبيعة لصنعه وسبقتهم الحيوانات لفعله، وفشلوا كليًا فيما افترضوه لأنفسهم من خصوصية الكرامة والرسالة! - تقديس الحياة يستوجب تقديس الدعارة عندما تكون سبيلاً وحيدًا للحياة - ولطالما كانت كذلك وهي باقية! - الحياة أشبه بزوج أو زوجة قبيحة الخلقة، تقبيلها يتطلب كف البصر ومباشرتها تستوجب إطفاء النور وإشعال الخيال، بانتظار ظروف مناسبة للطلاق! - تحقيق نجاح في الحياة مثل تصحيح خطأ لغوي في مقالة خاطئة ..، كلما ازداد عدد التصحيحات ازداد الخطأ وضوحًا! - الحياة خطأ وجودي، صححته الطبيعة بالموت! - إذا كان هناك من سيُحاسَبون على حياتهم، فلا شك أن هناك من سيُعتَذَر لهم عنها! - كرامة الإنسان مثل إيمانه، لا يُمثلها في الواقع سوى مكانها الذي يظهر شاغرًا كلما تطلب الموقف وجودها! - لا أحد يكون المتسول وبإمكانه أن يكون المتصدق! - كثرة الكلام عن الأخلاق مجرد نعي لها عند المتكلمين، مثل كثرة كلام الفقراء عن المال، والضعفاء عن القوة! - الزواج نظرية ناجحة لإفشال حياة الرجل، وفاشلة لإنجاح حياة المرأة! - هنالك صنف من النساء نادر الوجود، أولئك اللائي يُدركن كأغلب الرجال أن الزواج مثل الحياة يتطلب جهودًا مضنية وتضحيات مؤلمة فقط للحفاظ عليه! - الزواج خطأ مفتعل، أفرغ حياة البشر من نكهتها الطبيعية، حوَّلها من رحلة ممتعة إلى إقامة مملة! - جُل البشر يفهمون الحياة ويمارسونها على أنها فن تجاوز المِحَن حتى الموت .. ولو سألوا أنفسهم: لماذا؟ لتوقفوا عند أول مِحنة! - البشر تكبروا على الطبيعة، وفشلوا في إيجاد مبرر غيرها لحياتهم، مما اضطرهم لتشريع العبث خلف الكواليس ومنعه أمامها! - دعوة إنسان للإيمان بمعتقد ما، تعني دعوته للشعور بما لا يشعر به ..، وتكفيره يعني تكذيبه – كي لا نقول يعني محاسبته ومعاقبته على شعوره اللا إرادي! - لا يمكن الفصل بين الإسلام والإرهاب، طالما بقي المسلمون يخشون على دينهم حرية العقيدة، ويُخفونه في دهاليز الرِدَّة! - اتفاق فقهاء المسلمين على تشريع حد الرِدَّة، يمنح المتشددين منهم الحق في تمثيل الإسلام دون غيرهم! - الوسطية في الدين وجهة نظر لا واقعية، وحل تلفيقي لمأزق التطرف الحتمي! - الوسطية الطبيعية ممكنة فقط عبر العودة إلى الطبيعة، .. أي .. اعتبار الاعتقاد حقًا – لا واجبًا .. وتقديس حق الاعتقاد – لا تقديس المعتقدات! بسبب لعنة التكفير المنبثقة عن فلسفة حد الرِدَّة، لا غرابة في أن يخسر العرب إسلامهم وعروبتهم معًا، يوجد اليوم ِمن غير العرب مَن بات يُكفِّر العرب، سيعود العرب إلى عروبتهم كُفارًا بعد أن تكون قد ماتت، و لن يذكرهم العالم إلا بكونهم سبب لعنة الإرهاب! - يصبح البشر جنسًا واحدًا، فقط عندما يصبح انتماء كل فرد منهم إلى كوب الأرض لا إلى جزء من الأرض! - عندما تتمكن من كسر حاجز التعصب لديك، سترى أن في قومك ما تبغضه وفي غيرهم ما تحبه، وحينها تعرف سر اللعبة، ولن تكون ضحيتها بعد ذلك! - علاقة الإنسان بالمعتقدات علاقة المسحور بالسحر، والواهم بالوهم! - إذا اعتقدتَ بقدرة صخرةٍ صماء على شفائك، فإنها ستفعل، أو بالأحرى فإن شفاءك سيحصل، أو بالأصح فإن إحساسك سيتجاهل الألم تكيفًا مع حاجتك ورغبتك! - كُتُب التاريخ تختزل قرونًا من الزمان وأجيالاً من البشر في حرف "ثم"، فتبدو أحداث دهر كما لو كانت أجزاءً لقصة واحدة وقصيرة! - كُتُب التاريخ تُقلِّص التفاصيل وتُضخِّم النتائج .. وتُخفي ملايين البشر وتُبرز أفرادًا بلا عيوبهم .. كل ذلك لإيهام الغافلين بحكاية أبطال أسطوريين وأمجاد خرافية صنعها أسلافهم – ليسعوا هم عبثًا لصنعها! - أهم من أن تكون وجهة نظرك صحيحة ومُقنِعة، أن يكون مُجادلك مثلك باحث عن الحقيقة لا مدعي امتلاكها! - المرفوض فطريًا وحده الذي يحتاج إلى قوة تفرضه، ويزول بزوالها! - الالتزام بالدين والقانون لا يعني الوقوف عندهما، بل يعني تخطِّيهما دون لمسهما، حيث إن الوقوف عندهما يعني توقف الحياة - هذا ما يقتضيه الواقع وهذا ما يفعله المتدينون ومحبو الحياة! - البشر ليسوا بحاجة للدين لتنظيم حياتهم، فغرائزهم وحاجاتهم المشتركة كفيلة بذلك، لكنهم بحاجة للدين لافتعال التميز وتبرير استغفالهم واستعبادهم لبعضهم، ولم يُفلح يومًا دين من الأديان في غير ذلك! - ما يحتاجه الناس فعلاً، لا يحتاج إلى دعاية وفرض، يحتاج فقط أن يكون موجودًا، وليكن تحت التراب! - أمام الخطر الداهم، يتساوى الإنسان والحيوان، كلاهما يتخلى عن أقرب الأقارب لينجو بنفسه! - التحضّر الإنساني والإيمان الديني لم يمنعا البشر من الصراع غير الشريف على السلطة والثروة، .. لماذا؟ لأن الظاهر شيء والجوهر شيء آخر .. الظاهر تحضّر وإيمان، بينما الجوهر شعور حقيقي بأنه لا معنى للحياة إلا ما يحققه البشر على حساب بعضهم! لماذا لا يكون الصراع شريفًا؟ لأن الصراع الشريف لا يُفضِّل أحدًا على آخر، بل يمنح ذات الحق لكل الأطراف، حيث لا يوجد طرف يفتقد لكل الشروط ولا يوجد طرف يُلبي كل الشروط! - لم ينجح البشر يومًا في جعل أخلاقهم المفتعلة واقعًا طبيعيًا في حياتهم، كانت دائمًا حدود وهمية لا يتوقفون عندها ولا يتذكرونها إلا بالحراسة المشددة حولها! - عندما تصبح الأخلاق صفة بشرية حقيقية، لن يقبل أحد على نفسه أن يتقدم ليحكم غيره، وستكون كل الصراعات معكوسة - دفاع عن الآخر ضد الذات! - رجم امرأة واحدة حتى الموت، يُثبت أن شيوع النساء أكثر أخلاقيةً وتكريمًا للإنسان من منظومة الزواج! - عندما يكون للمرأة حسابها الخاص بها في الحياة، لتكتب سيرة حياتها بنفسها وتضع صورتها كما تحب أن يراها الآخرون، تصبح أقدر وأحرص من الرجل على فهم وحماية الشرف – باعتباره هو منتهك الشرف! - لا شيء يمكن أن ينجزه عبدٌ لنفسه سوى النيل من سيده - حتى ولو على حساب العبد، فالهدف إذلال السيد لا تكريم العبد، ولعل هذا ما تفعله النساء المستعبدات! - التعاطف والترابط الاجتماعي غريزة عند كل الأحياء، تكاد تموت عند البشر وحدهم، لأنهم أرادوا فصلها عن الطبيعة وتحويلها إلى إنجاز ديني أو واجب أخلاقي! - الحياة الطبيعية هي حياة اللحظة التي تمارسها الحيوانات والنباتات بالفطرة، وليست حياة الزمن التي يتوهمها البشر بسبب خدعة الذاكرة .. حياة الزمن هي حياة المبادئ، والمبادئ هي تلك الأوهام التي تتلاشى عند المآزق والمغانم الكبيرة والمؤكدة! - عدم مرور الإنسان باختبار حقيقي، يجعله يتوهم بأن مبدئيته حقيقة! - إنسان مزاجي يعني إنسان طبيعي بلا قناع – تغيراته الطبيعية يمكن ملاحظتها بسهولة ولحظة حدوثها! - غير المزاجيين هم أناس مزاجيون، يرتدون أقنعة سميكة، تعيق غيرهم عن ملاحظة مزاجيتهم! - حياة جل البشر مجرد قرابين لمعتقداتهم، الكل يبحث عن هدف يُقنعه بتفجير نفسه - جسديًا أو أخلاقيًا! - بسبب قيمة وهمية ضاعت على البشر فرصة حياة طبيعية ذات قيمة حقيقية واقعية! - واضعو معايير الأخلاق مثل واضعي القوانين، لا بد أن يكونوا خارج دائرة تطبيقها! - بعد أن ينتهي كل شيء، ستتوقف كل المآسي والآلام، وتختفي منظمات حقوق الإنسان، لكن ليس قبل ذلك! - الشكل الموحد للبشر خدع الفلاسفة فافترضوا أن كل البشر يفكرون مثلهم، وأفكار الفلاسفة الجميلة عن البشرية أوهمت البشر بأن الفلاسفة مثلهم! - لا يزال جل البشر يجهلون أو يرفضون الإقرار بحقيقة أن الفلاسفة مجرد شواذ للقاعدة البشرية! - عموم البشر يفتقدون للذات الفلسفية الحاملة للشك، ولذلك هم مستوردون جيدون للقناعات المعلبة الجاهزة! - الإنسانية ليست صفة بشرية مثل الحياة على الأرض ؛ الإنسانية شيء أنجزه بعض البشر مثلما أنجز غيرهم الوصول إلى القمر – إن كان أيٌّ منهما قد حدث! - الزواج مسرحية هزلية ممنوع فيها الضحك، تؤدي فيها المرأة دور العبد المُكرَّم، والرجل دور السيد الذليل! - خطؤنا غير مقصود، لكننا مدينون لأبنائنا باعتذار! - من أدخل غيره سجن الحياة، فإن أقل ما يتوجب عليه فعله تكفيرًا عن خطيئته، أن يفتح لهم باب الخروج، ويتحمل وزر انتحارهم كما اقترف إثم إنجابهم! - من أصبح أبًا لم يعد صالحًا لأكثر من ذلك – مجرد مُربي ضحايا أو جلادين، حري به أن يخجل ويندم ويرحل حالما أَدرك جُرمه وأصلح منه ما استطاع، قبل أن يرى من خطيئته ما لا يمكنه تحمله ولا إصلاحه! - أن تنصح أحدهم بعدم الانتحار، يعني أن تعطيه طرقًا متعددة لإضاعة الوقت وتجرع الآلام، بانتظار الموت بطريقة أخرى، هي أشد إيلامًا عادةً! - شروط الموت أصعب من شروط الحياة، إذا تحققت فليس من الحكمة تفويتها، فالحياة بعدها مجازفة! - موت اختياري أمرٌ يمكن تحمله، لكن حياة إجبارية أمرٌ أكبر من طاقة الإنسان! - لو أن أول عاقل تزوج، تكلم وقال الحقيقة وأجاد الوصف، لما تزوج بعده عاقل، .. وكذلك أول أب! - إذا أبدى أحدهم إعجابه بنا أو حبه لنا، فإنه يجدر بنا التريث وكتمان الشعور وعدم الاستعجال بالسرور، فغالبًا ما يكون السبب هو غباءه أو حاجته، وليس فهمه لنا وجدارتنا بإعجابه أو حبه كما نتوهم عادةً! - لا تنفك الحياة تهمس بأذن محاميها: سأفضحك يومًا! - تقبيح البشر للممارسات الجنسية هو تقبيح للحياة، فالمتعة الجنسية وحدها القادرة على تبرير الحياة حتى في الجنة! - الفرق بين قوانين البشر الأخلاقية وقانون الغاب، هو أن قانون الغاب لا يتجاهل ضعف الحيوانات الضعيفة، ولا يُحمِّلها مسئولية ضعفها، فلا يفرض عليها الحياة وفق معايير الحيوانات القوية - لا يُجبرها على الرياء! - فلسفة الحياة هي الحقيقة اللا منطقية – اللعبة الجادة، لهذا السبب يرفضها المبدعون وينتحرون عادةً، لأنهم محكومون فطريًا لا اختياريًا بالحقيقة المنطقية! - الحياة أشبه بمونديال رياضي، مجرد ألعاب ولاعبين، لكن لا بد من وجود حُكام حقيقيين، وبطاقات صفراء وحمراء حقيقية، وتخطيط دقيق للملاعب، ومُدد زمنية محددة للمباريات، .. الخ، .. كل هذا الجِد والتعب من أجل أن تكون الألعاب ألعابًا حقيقية ..، الفائز لا يكسب سوى لعبة، والخاسر لا يخسر سوى لعبة، لكن الفوز والخسارة يبدوان حقيقيين ..، هذا هو السهل الممتنع عند المبدعين في علاقتهم بلعبة الحياة الحقيقية! - كأنما الحياة مؤسسة، عموم البشر مجرد عمال فيها، تهمهم فقط رواتبهم، لا تهمهم قانونية المؤسسة من عدمها، بينما يؤدي المبدعون دور محاميي المؤسسة! - تبدو مفارقة الحياة قد كُتِبت بلغة لا يُجيد قراءتها غير المبدعين، ولا يمكنهم إلا قراءتها، فكان إبداعهم أشبه باللعنة عليهم! ليس فهم فلسفة الحياة ومفارقاتها معضلة، المعضلة في ضرورة مع استحالة التوفيق بين رفضها وممارستها! كل البشر – تقريبًا – يُمارسون الكذب وكل يوم ..، لكن كلهم – بدون تقريبًا – يرفضون وصفهم بالكاذبين! يمكن اعتبار عموم البشر محظوظين بعدم توقفهم عند هذه المفارقات السافرة التي تُمثِّل مذاق الحياة، لكن لا يمكن وصف سلوكهم هذا بالصواب العقلاني! جُل ما يكتبه وما يفعله المبدعون طوال حياتهم، هي صور مختلفة تُعبِّر عن محاولاتهم لتبرير وعقلنة فكرة الحياة أو فكرة اللعبة الجادة هذه، بقصد استساغتها من أجل قبولها منطقيًا .. وهو ما لا يتحقق لهم أبدًا! - يمكننا معرفة قيمة الزواج من خلال كونه متاحًا للكل، وقيمة التكاثر من خلال كونه رمزًا لتفاخر الفقراء ومجال نجاحهم الوحيد ..، وكذلك نعرف قيمة الحياة! - نحن في الأصل نُحب كل البشر، لكن بعضهم يمنحنا الفرصة للتعبير عن حبنا له وبعضهم لا يمنحنا فرصة، وبعضهم يُجبرنا على البوح بحبنا له وبعضهم يُجبرنا على كتمان الحب! - نحن ضحايا لقوة الذاكرة وضعف الإحساس لدينا .. ولادة إنسان وموت إنسان هي مجرد حالة مُكبَّرة لولادة خلية وموت خلية داخل أجسامنا .. عدم إحساسنا بموت الخلايا داخلنا يحرمنا الكثير .. انعدام هذا الإحساس يحرمنا خوض تجربة الموت أثناء الحياة والوعي .. عندما نتمكن من الإحساس بموت الخلايا داخلنا، نصبح في حالة خوض مستمر لتجربة الموت والحياة، ويصبح موتنا التقليدي مجرد موت جماعي للخلايا، فلا يعود الموت معضلة أو لغزًا كما يبدو الآن لجُل البشر! إحساسنا المتواصل بالحياة هو إحساس بوجود أحدث أو آخر خلايا استجدت فينا دائمًا ..، أي هو إحساس بحياة الخلايا المتجددة في كل لحظة .. الحياة لحظية وليست خطية كما نتصور .. الشيء الوحيد الخطي أو المتصل فينا هي الذاكرة .. عندما نفقد الذاكرة لا يعود الموت يشغلنا أو يخيفنا، ذلك لأنه لا يعود للماضي والمستقبل حضور في وعينا ولا تأثير علينا، فتصبح مخاوفنا وقناعاتنا لحظية فقط ، وهذا في الحقيقة هو ما ينبغي أن يكون عليه الحال دائمًا، فالحياة حالة من حالات الوجود، والوجود يعني تغير لحظي مستمر لا مكان فيه لماضٍ ولا لمستقبل - مجرد حاضر متجدد باستمرار! نحن البشر وحدنا دون غيرنا من الكائنات، صرنا نتاج ثقافات وضحايا معتقدات ولم نعد أبناء طبيعة .. نحن إذن ضحايا لقوة الذاكرة وضعف الإحساس لدينا، فهل نتمكن يومًا من الإحساس بموت الخلايا فينا، ونخوض بذلك تجربة الموت، ويموت بذلك اللغز؟ أو نتحكم بذاكرتنا فلا نتذكر إلا ما نريد، أو نجعل ذاكرتنا لحظية فقط، فلا يُحزننا خيال ماضٍ لا وجود له في الكون، ولا يخيفنا وهم مستقبل لا يمكنه أن يتجاوز في الحقيقة هذه اللحظة التي نحن فيها دائمًا؟ - مأساة الإرهابيين أو المتطرفين دينيًا، تكمن في أنهم مرفوضون بسبب صِدقهم مع غيرهم ومع دِينهم! - إذا امتدحت معتقدك بما يخالف حاضره وماضيه، فأنت تجهله أو أنك تتحدث عن حُلمك لا عن معتقدك! - الوسطية في الدِين تعني استعمال الدين لا تطبيقه، ولذلك هي فاشلة دائمًا! - الدِين يأمر الأقوياء من أتباعه صراحةً، باستعباد أو قتل الضعفاء الأبرياء من أتباعه ومن غيرهم، فهو قائم على الإكراه أساسًا وما كان ليستمر لولا ذلك، إذن فالصواب هو أن يُستعبد أو يُقتل الضعفاء الأبرياء، أو أن يُعاد النظر في الدِين، أما الحديث عن الوسطية فليس صوابًا، بل هو مجرد تحايل على البشر والدين! - لا تكون الحياة إلا ناقصة، ولا يكون الموت إلا كاملاً، لذلك ينتحر كل من يعشق الكمال، ويموت كل من تقترب خبرته في الحياة من الاكتمال! - نحن نفتعل أسبابًا للحياة ونصنع لها دعائم اجتماعية، لأننا نعرف ونشعر في قرارة أنفسنا بأنها تفتقد للمبرر! - إذا عاش الحذر بين الأصدقاء، ماتت الصداقة! - إذا دخل الكذب بين الأزواج، أصبح زواجهم مجرد كذبة تنتظر مناسبة تفضحها! - إذا فقدت قدرتك على الصمت والوحدة، فهذا يعني أنك قد قلت سابقًا ما لا ينبغي قوله وفعلت ما لا ينبغي فعله، وما هوسك بالكلام والاختلاط الآن سوى محاولات لمحو ما قد كان، وهو ما لن يحصل أبدًا، لكن جهودك لن تذهب سُدًى، فهي حتمًا ستفاقم الأمور يومًا بعد يوم، وسيعلم بأمرك من لم يكن يعلم! - لا تدَّعِ السعادة وأنت التعيس ولا الحزن وأنت السعيد، فإنك إن كنت ستحاسب فعلى الكذب وحده ولا شيء غيره، فكل ما عدا الكذب تحصيل حاصل! - شعورك بالألم مع كل خطأ عابر تفعله، هو دليل توهم لديك بأن مجاملات الناس لك تعكس حقيقة مشاعرهم تجاهك، فتحرص أنت عليها بإيذاء نفسك دون مبرر! - كل هدف تنجزه لتوهم نفسك بأنه مبرر لحياتك، تفعل ذلك وأنت تعلم بأن هناك الآلاف غيرك متأهبين لإنجازه، ينتظرون غيابك لتبرير حياتهم بهدفك، وكلكم تعلمون أن إنجازه وعدم إنجازه سيان، فلا يوجد هدف عام للوجود البشري، ولا مغزى ولا قيمة لحياة الأفراد! - السؤال المنطقي والطبيعي هو لماذا وُلِدت وليس لماذا أموت، فالاستثناء هي الحياة وليس الموت! - ليس دقيقًا القول بأننا لا نعرف شيئًا عن الموت، فالموت ببساطة هو ما كنا عليه قبل الحياة ..، نحن تمامًا كالمعادن، بل نحن ضربٌ من المعادن، نتواجد في الطبيعة على شكل جزيئات منفصلة في مناجمنا، يتم استخراجنا وتصنيعنا واستعمالنا بحسب خبرة وحاجة من يستخرجنا ومن يستعملنا، ثم تنتهي صلاحيتنا، فمنا ما يتم تحنيطه للاحتفاظ به مُصنَّعًا .. أي منعه من العودة سريعًا إلى حالته الأولى، ومنا ما يُرمى ليعود بشكل أسرع إلى حالة سكونه الأولى، ومنا ما يُعاد تدويره وتصنيعه؛ فلاشيء ولا أحد يتشكل ويخرج إلى الوجود بهيئته النهائية من تلقاء نفسه ليكون مسئولاً عن وجوده، أو ليُبرر اعتداده بنفسه وتمسكه بوجوده وحياته! - الجزع من الموت لصالح الحياة سببه اختيارية الحياة وجبرية الموت، لا أفضلية الحياة على الموت! - نتساءل، أيهما أنسب أن يوصف بالمرض: كآبة العارف أم سعادة السطحي؟ أيهما أنسب أن يوصف بالهروب: انتحار الرافض للعبث أم حياة الخائف من الموت؟ - انتحار الرجل المتزوج، عادة يعني فقط تحديد تاريخ الدفن، أما قرار الموت فيكون قد اتخذه يوم أن أصبح زوجًا، ونفَّذه يوم أن أصبح أبًا! - الأبناء هم جهل الآباء مُجسَّمًا! - إذا انتحر إنسان عربي مسلم على الطريقة البشرية التقليدية، فهذا ينبغي أن يُحسب له ويشاد به باعتباره سلوكًا بشريًا – على الأقل .. - العروبة حالة مَرَضية عِرقية، لعلها تَشوُّه جيني، المصابون بها يعتقدون أن المنطق مجرد كلمة تقال لا صدى لها في الواقع ولا ينبغي أن يكون لها، وأن الحق هو ما يُحقق مصالحهم هم دون غيرهم، وأن كل العالم يعرف ذلك ومقتنع به .. تكمن خطورة هذه الحالة في قدرتها على الانتقال لغير العرب عبر المعتقدات الدينية .. عند تحليل سلوك البشر في علاقتهم بالحياة والموت وبالعالم والوجود وبالمنطق والواقع، ينبغي استثناء الإنسان المسلم عامة والعربي خاصة، لأنه ببساطة يحمل مبررات كل سلوك ممكن، فلتفسير وتبرير أي سلوك، يكفي إثبات أن فاعله إنسان وعربي ومسلم في الوقت ذاته .. في الحقيقة، الإنسان العربي المسلم مجرد سلوك في صورة إنسان، ولا معنى لسؤال السلوك عن ذاته، ولا قيمة لتحليله دون معرفة فاعله، والفاعل مجهول دائمًا، فليس الفاعل هو الدين ولا العِرق ولا الثقافة ولا التربية والتعليم ولا العادات، ولا يوجد فاعل آخر! المسلمون ينتحرون بتفجير أنفسهم في بعضهم، ويَقتلون بعضهم ذبحًا لمجرد اختلافات مذهبية فقهية اجتهادية ..؛ وهذا سلوك لا يمكن تفسيره إلا بُغضًا للإنسانية وتسفيهًا للحياة ونزوعًا لقتلها ؛ بينما باقي العالم يهدد المسلمين بمحاكمات إنسانية عادلة لا تتجاوز عقوبتها السجن المؤبد لمن تثبت عليه جريمة قتل عمد ودون سبب! عدم توقف العالم عند هذه المفارقة الإنسانية - هذا الاختلاف العربي الإسلامي عن بقية البشر- في النظرة إلى الموت والحياة والإنسانية، هو أهم أسباب تفشي ظاهرة الإرهاب وسهولة تجنيد الإرهابيين، وهو ما يؤخر يقظة العرب والمسلمين! الموضوع ليس سلوك قلة من المتطرفين، بل هو سلوك عربي إسلامي عام، بدليل عدم وجود مظاهر رفض لهذا السلوك في الشارع العربي المسلم، هذا الشارع الذي خرق الأعراف والمواثيق والقوانين وحطَّم السفارات وأحرق الممتلكات رفضًا لصور مسيئة لرسول الإسلام نُشِرت في صحيفة أجنبية ..؛ هذا يعني أن الشعور العربي والإسلامي لا يرى في ذبح البشر وتفجيرهم أمرًا غريبًا، أي أنهم يتقبلون هذا السلوك ويباركونه، أو أنهم أجهل وأبعد عن البشرية من أن يشعروا ببشاعة هذا السلوك .. وهذا يعني أن العرب والمسلمين يحملون جينًا خاصًا يؤدي إلى فقدان الحس الإنساني وإلى رفض المنطق البشري!

 أن تكون كاتبًا يعني أن تعيش الموت وتموت الحياة! الكتابة شكل من أشكال الحياة، يتطلب استمرارها عدم الغفلة لحظة واحدة عن التوهم بأن وهمًا ما قد يتحقق! - لعل الصيغة الدقيقة والتامة لسؤال العنوان، وهو سؤال مطروح بالفعل، هي: نحن الذين نزعم بأن الحياة لا تُمثِّل لنا سوى لحظة ضجر طويلة .. لماذا لا نغادرها بصمت؟ .. لماذا نخاطب عالمًا نرفضه؟ لماذا نبذل جهدًا لنترك أثرًا في وجودٍ فضَّلنا عليه العدم؟ في الحقيقة الصورة الكاملة للمسألة أكبر من أن تُختزل في سؤال بهذه البساطة ..، لكن لا غرابة، فوضوح النتائج عادةً ما يُخفي صعوبة بلوغها وطول الطريق! لسنا مغرمين بترك أثر من بَعدنا، لكننا في الواقع لسنا سوى أثر لغيرنا، ولا مناص للأثر من أن يترك أثرًا! كان وجودنا مجرد خطأ ارتكبه غيرنا، وليست بعض آثارنا التي نتركها سوى تكرار لذات الخطأ .. خطابنا موجه لأنفسنا ولبعضنا وللقادمين منا – لا لعالمٍ نعرفه ويجهلنا، ونجد لجهله بنا بدل العذر ألفًا! ليس الكلام والكتابة والأفكار سوى إفرازات حتمية للحياة، ولسنا سوى أقلام الحياة وألسنتها وتجلياتها، فما نحن إلا الحياة تفعل بذاتها ما تشاء! يمضي الإنسان عادةً مرحلة من حياته تحت قيادة غيره خاضعًا لتوجيههم، بحكم عامل السن والعادات الاجتماعية والظروف الاقتصادية وغيرها .. هذه المرحلة من الحياة ليست كبيرة لكنها الأهم، حيث فيها توضع الأسس، وتُتخذ قرارات مصيرية عن غير خبرة، وعليها يعتمد ما بعدها ..، أهمها المعتقد الديني والتخصص العلمي والزواج وإنجاب الأبناء .. جُل من استيقظوا وجدوا حياتهم قد أُفرِغت من مغزاها سلفًا .. كثير من الفلاسفة والمفكرين ساعدتهم البيئة والثقافة على النجاة من محاذير هذه المرحلة، فأمضوا حياتهم أحرارًا غير مكبلين، وكفى بذلك مبررًا ومساعدًا على الاستمرار في الحياة برغبة وبدونها بمغزى وبدونه .. في الحقيقة نحن الواقعيين لا نزعم، لا ندَّعي، لا نكابر، لا نخادع أنفسنا ولا ننافق غيرنا، بل نحن نعي ونعني تمامًا ما نقول حين نقول بأننا لا نرى في الحياة سوى صرخة سأم! ما نقوله وما نفعله في كل يوم، لا نعتبره أكثر من ندم وعقاب لأنفسنا على ما كان منا قبله! لكن .. كان لا بد لنا من أن نمارس الحياة كي نرفضها! تبدأ الحياة لا إرادية ثم تتحول إلى مسئولية ثم اختيارية! مجازًا نفصل ذواتنا عن الحياة، لنقول إن الحياة قد عجزت عن إغرائنا .. الحقيقة هي أن الحياة قد عجزت عن تبرير ذاتها فينا، فما نحن سوى الحياة! 

 المشوار الفكري لا ينطلق إلا بسبب خطأ ، ولا يبدأ إلا بخطأ، وليس الصواب سوى توقفه في النهاية! لولا وجود المآسي والآلام في الحياة، وشكاوى البشر وتذمرهم من غياب الحقيقة، .. أي لولا وجود خطأ ، ما كان وجود المفكرين والفلاسفة! لكن ثمة خطأ لا مناص لأي مفكر من الوقوع فيه أو بالأحرى الانطلاق منه، وهو الاعتقاد بأن كل البشر يبحثون عن ذات الحقيقة، ويطلبون ذات الصواب، وأن مقياسهم للحقيقة والصواب مشترك، وهو المنطق والواقع .. البشر لا يبحثون عن حقيقة يجهلونها، هذه هي الحقيقة التي يجهلها كل مفكر بدايةً وبالضرورة، ولا يُدركها عادةً إلا متأخرًا .. في الواقع البشر يبحثون عن حقائق وليس عن حقيقة واحدة، فكل فرد وكل جماعة بشرية، عادةً يبحثون عن الحقيقة التي تعني أو تساوي برهانًا يؤكد صحة تصوراتهم وتخيلاتهم، وليس حقيقة قد تُحطم أحلامهم، وتساويهم بباقي البشر! 
 تتعدد مبررات التمسك بالحياة وطلب الموت، وتختلف من إنسان لآخر – مؤمن وغير مؤمن، غني مستمتع وفقير يحيا على أمل الغِنى، عالم وجاهل، .. الخ، لكن بالنتيجة لا يمكن لأي من هؤلاء المختلفين نزع صفة العبث عن هذه الحياة! هناك من يرى بأن حب الحياة هو شعور تلقائي لا إرادي يمكن تسميته بالمرض الحياتي - مرتبط بكنه الحياة، وتحمله كل الكائنات الحية أساسًا، وهو يحمل في باطنه رغبة في الموت لا في الحياة، حيث إنه يدفع الأحياء إلى التلذذ بالألم والشقاء والإرهاق، وهو ما يمكن رصده عند الإنسان من خلال رفضه للراحة - متمثلاً في كرهه للفراغ وقلقه السريع منه، ما يدفعه دائمًا للبحث عن أي شيء يبذل به جهدًا حتى لو كان ما سيفعله خالٍ سلفًا من المغزى والغاية والمبرر كخلو الحياة ذاتها! منا من يرى في الحياة مجرد خطأ وقعنا به عن غير إرادة منا، لجهالةٍ وربما سوء نية لدى من أوقعنا فيه؛ خطأ كان يمكن ألا يحدث، لكن حدث ما هو أسوأ، حيث كرر أغلبنا ذات الخطأ وأوقع غيره فيما وقع فيه هو .. الخطأ يُصبح مُركبًا ومضاعفًا إذا أورث المخطئ ثقافته لضحاياه، فعلى الأقل ينبغي ترك الأبناء يعبثون مبكرًا لعلهم لا يُكررون الخطأ .. إن مجرد إطالة مدة بقاء الجاني رفقة المجني عليهم يورثهم ثقافته، بينما انتحار الجاني قد يورث المجني عليهم ثقافة إصلاح الخطأ! بعضنا يرى في الحياة صوابًا ونعمة لا ينغصها سوى الموت .. ومنا من لا يقوى على مجرد الحديث عن الحياة لولا اطمئنانه بوجود الموت في نهايتها وفي يده .. لسنا متفقين على تمييز ما يُعرف اصطلاحًا بالصواب والخطأ – في أمور كثيرة، فالكل يرى نفسه مظلومًا، والكل يرى الصواب فيما يفعله هو، ودائمًا يرى أخطاءً غير مبررة فيما يفعله غيره، وليست رؤيتنا للحياة والموت بمنأى عن هذا الاختلاف الطبيعي اللا إرادي العبثي! 
- لو كان لمفهوم الزمن وجود، لكان: ما حدث في الأزل لم يحدث بعد، وما سيحدث في الأبد لن يحدث أبدًا! الوجود يقبع بين بداية لم تبدأ ونهاية لن تنتهي! لمعرفة مغزى الحياة نحتاج أن نتذكر أمرًا لم يحدث!
 - بتدخلنا أو بدونه، كل مشكلة مآلها إلى حل .. كل ما نقوم به هي مفاضلات بين نتائج متساوية، كالمفاضلة بين حياة زائلة وموت حتمي!
 - صراعات البشر هي صراعات وهمية حول حلول لا صراعات حقيقية بسبب مشاكل كما يتوهمون! - كل لعبة ستنتهي كما انتهت من قبل، وسيصل الجميع إلى ذات النقطة ويجنون ذات المجد الذي هو اللاشيء! - شعارات الدين والوطنية هي مجرد وسائل لبلوغ السلطة للخروج من مرتبة مواطن – سواء عَلِم رافعو هذه الشعارات بهذه الحقيقة أو أنها تقودهم من وراء الوعي! - حياة المواطن المحكوم بالقانون هي درجة على سُلَّم الوجود البشري، كل من يتجاوزها يرفض العودة لها، لأنها كعودة الحر عبدًا بعد تحرره! - لا يوجد مواطن إلا ولديه نظرية لحل مشاكل وطنه .. ومصلحة الوطن في نظر كل مواطن هي مصلحته الشخصية مُكبَّرة .. - ما يريده منك الآخرون دائمًا هو ما تريده أنت منهم دائمًا، لذلك لن يُرضيك أحد ولن يرضى عنك أحد بالصورة التي تنتظرها! - لا يزال جل البشر يرددون ذات الأقوال ويكررون ذات الأفعال عبر كل الأجيال، لأن شيئًا لم يتحقق بعد، ولأن البديل هي الحقيقة والحقيقة هي الواقع دائمًا! - تتودد الحياة لمن يسخرون منها وتسخر ممن يتوددون لها! - أصدقاء الحزن لا يُخشى عليهم من شيء غير السعادة! - لا فرق بين أن يتزوج المرء وبين أن يُجن، سوى أن الأول جنون بشهادة العقل! - أن تبغض الموت يعني أنك تعرفه – عشته يومًا أو أنك تعيشه الآن، لكن لا معنى لبغضك شيئًا تجهله! - أن ترفض الحياة يعني أنك قد مللتها! - أن تحب الحياة يعني أنك لم تحصل عليها بعد! - أحلام ما بعد الموت امتداد لأحلام ما قبله .. كلها أوهام ممكنة! - عند درجة الإدراك – أي ما بعد المعرفة – تصبح الأشياء شفافة، .. لا تعود قابلة للرصد! - تجريد الأشياء من قيمتها يعني تجريد أنفسنا من دورها الوجودي! - لماذا لا ندرك الحقيقة النهائية لأي شيء؟ لأن الحقيقة طاقة، والإدراك طاقة مثلها، فإذا التقتا اندمجتا أو سحقت إحداهما الأخرى، فلا يحصل الإدراك أو لا يلتقي الإدراك بالحقيقة أبدًا! - بحثنا لا ينبغي أن يكون عن الحقيقة ذاتها، بل عن المسافة الحرجة التي تفصلنا عنها بما يجعل شعورنا بها موجودًا – لا يقيننا بوجودها متحققًا

الأربعاء، 28 سبتمبر 2022

الحياة موت بطيء والانتحار حياة سريعة!

3 تعليق


منطقيًا، لا مبرر لبُغض الموت، فكيف بتقبيح الانتحار!
ما مبرر انتقاد الخروج المفتعل، والدخول قبله مفتعل؟
جل البشر يستقبحون الانتحار، لا لأنه موت، لكن لأنه
موت مفتعل ..، موت يصنعه الإنسان وليس الطبيعة ..
والحقيقة أن المنتحرين كذلك إنما يستقبحون الحياة
ويستهينون بها لذات السبب، فقد تبيَّن لهم أن الحياة
مفتعلة – يصنعها الإنسان وليس الطبيعة - وقد اتضح
ذلك جليًا للكل في العصور الأخيرة، إذ أصبحت الحياة
صناعة بشرية خَلقًا وممارسة، نشوءًا وتطورًا، ولم
يعد للطبيعة ما يمثلها في حياة وكيان الإنسان ..، ولعله
يكفي التذكير بأنه قد صار الإنسان اليوم هو من يقرر
أجناس وأعداد البشر الجدد على الأرض، ومصائرهم!
فكيف يكون الإنسان حرًا في صناعة حياة غيره، بينما
لا يكون حرًا في صناعة موته هو، وهو الأمر الذي
يمكن أن يصنعه حيوان أو حشرة أو غفلة .. الخ!
إن البشر بحاجة لتوحيد معاييرهم بخصوص الحياة
والموت وعلاقتهم بالطبيعة، لكي يكون رفضهم
وقبولهم طبيعيًا ومنطقيا، وليكونوا هم ذاتهم طبيعيون!
علاقة الإنسان التقليدية بفكرتي الحياة والموت، نابعة
من علاقته المجهولة بالجزء الخفي من الطبيعة ..
لكن الجزء الخفي من الطبيعة لم يعد خفيًا كما كان،
بينما ظلت علاقة الإنسان بفكرتي الحياة والموت على
حالها التقليدي، وهي مسألة وقت وستتغير كذلك 

 وظيفة رجل الأمن، هي الوظيفة الوحيدة المضمون
بقاؤها حتى آخر الزمان ..
تشريعات البشر موضوعة ضد فطرتهم، لذلك سيكونون
بحاجة دائمة لرجال الأمن، وسيبقى رجال الأمن في
حالة عمل متواصل إلى أن يفنى البشر أو تتغير
تشريعاتهم ..
تشريعات البشر يضعها ويقوم على رعايتها أناسٌ
لا تُطبَّق عليهم، باعتبارهم هم من يُشرف على تنفيذها!
فلسفة التشريعات تقوم على تقديس الحياة من جهة،
وحرمان جُل البشر من أمور ضرورية للحياة من جهة
أخرى، مما يضطر المحرومون إلى التمسك بالحياة من
جهة، وتجاهل التشريعات وتجاوزها من جهة أخرى -
تحت ضغط فطرتهم البشرية وحاجاتهم الحياتية،
فيظهرون وكأنهم مذنبون ومجرمون، فيكتب عنهم
الكاتب ويقرأ القارئ ويتحرك الشرطي ويتكلم عنهم
السياسي ويدافع المحامي ويحكم القاضي .. الخ ..
الكل في النهاية مشغول ويعتقد أن حياته مبررة ..
وبذلك تدور عجلة الاقتصاد، وتبدو الحياة مبررة،
وتستمر كما خطط لها واضعو التشريعات المستفيدون
مرحليًا من استمرار الحياة على حساب الغافلين ..
جل القوم واهمون، لكن المحرومين الممنوعين
من الموت عقائديًا والممنوعين من الحياة واقعيًا،
وحدهم من يدفع الثمن الباهظ بلا أدنى مبرر سوى
الغفلة! 

لماذا نكتب عن الانتحار؟ ولماذا نبرره؟
لأننا عشنا بداية خديعة كبرى، أهدرت حياتنا بلا هدف،
ونراها مستمرة، جعلت الوجود البشري مجرد مهزلة!
عندما انتبهنا، وأحسسنا بشدة الألم وهول الفاجعة،
رأينا أنه من واجبنا تنبيه غيرنا من أمثالنا، حتى
لا يكونوا ضحايا لنهاية الخديعة كما كانوا ضحايا
لبدايتها، ونحن لا نخاطب الواهمين والسطحيين!
إنه وبعد مستوى معين من الوعي والإدراك، تصبح
الكرامة جزءًا حقيقيًا من كيان الإنسان، وليس مجرد
شعار أو قناعة عابرة يمكن تغييرها، .. أي أن كرامة
الإنسان تصبح مقدمة على حياته!
ولأن الوجود بلا غاية هو أمر لا منطقي ولا معنى له ..
ولأن حياة جل البشر خالية من الكرامة ..
لذلك لا نرى مبررًا لتجريم الانتحار، عندما يكون البديل
هو حياة بلا كرامة، أو وجود بلا غاية!
القول بأن الانتحار مُحرَّم إسلاميًا، هو قول مدحوض ،
فليس الانتحار شِركًا، وكل ما دون الشِرك مغفور ..
ولا ينتحر الإنسان إلا لأنه لم يعد يطيق الحياة، والله
لا يكلف نفسًا إلا وسعها ..
والكلام في هذا الشأن يطول وكله لصالح الانتحار ..
والذين يُرعِبون الناس من فكرة الانتحار، ويدفعونهم
لتحمل ألم وظلم وذل الحياة، هم الذين عليهم مراجعة
أفكارهم ومعتقداتهم ..، إنا نراهم يقترفون إثمًا عظيمًا
بأقوالهم وأفكارهم وفتاواهم ..؛
فكرامة الإنسان مقدمة على حياته في كل الأعراف
والأديان والمعتقدات، ولا معنى ولا قيمة لحياة إنسان
يمارسها مُكرَهًا دونما رغبة- يمارسها فقط اعتقادًا منه
أنها مفروضة، وخوفًا مما بعدها ..؛
إن في ذلك تقوُّلٌ على الحقيقة كبير، فما حاجة الله بحياة
إنسان هو يرفضها – بغض النظر عن السبب، والموت
خبط عشواء، لا يخضع لمنطق، ولا يفرق بين مؤمن
وغير مؤمن، ولا بين ظالم ومظلوم - من حيث عبثية
أسبابه ووحشية وسائله ومآسي نتائجه أغلب الأحيان!
- ليس صحيحًا نعت المنتحر بأنه هارب من مواجهة
الحياة، فهو أساسًا لم يدخلها منافسًا ومتحديًا، بل هو
إنسان كريم، لا يمكنه البقاء في مكان لا كرامة فيه،
ولا شك أن قلب المنتحر خالٍ من الخوف من الموت،
ذلك الرعب الذي يملأ قلوب الآخرين المتشبثين بالحياة!
وليس صحيحًا القول بأن الوحدة هي سبب الانتحار،
وبأن الوحدة بحد ذاتها مرض – مثل الاكتئاب!
الوحدة والانطواء والحزن، عادة يكون سببها رفض
الفرد للمجتمع بسبب الكذب والخداع والنفاق والعبثية
والسطحية التي يتطلبها التواصل مع المجتمع!
والرافضون لسلوك المجتمع، لا بد أن تكون لديهم
خصوصية، ولا بد أن تكون لديهم بدائل كالكتابة،
لتعويض التواصل مع الناس، كما أنه لا يمكن للإنسان
أن ينقطع نهائيًا عن الناس، فلا بد أن يكون له تواصل
بدرجة أو أخرى وبصورة أو أخرى ..
فإذا كانت الوحدة سببًا للانتحار، فالسؤال ينبغي أن
يكون عن سبب الوحدة، لا عن نتيجتها ..
ما الذي يمكن أن يقدمه الطبيب النفسي للمكتئب؟
مجرد مهدئات ..، أي مخدرات لتخفيض الوعي، لكي
تكتفي قوة الإدراك لدى المكتئب باجترار المعرفة
المتوفرة لديه، فلا يتوق إلى آفاق معرفية أبعد!
إن للانتحار مبرراته المنطقية المشروعة ..
مبررات الانتحار ليست هي الفقر والظلم والألم ..،
فالفقراء والمظلومون والمتألمون، ليسوا بحاجة لتبرير
انتحارهم، بل هم بحاجة لتبرير حياتهم، وهم مجرمون
مذنبون قطعًا ببقائهم أحياء أو أنهم غافلون!
إن من أهم مبررات الانتحار هو انعدام مبرر الوجود!
مثلاً ..
إنسان يبني حياته على خديعة كبرى من الناحية
العقائدية والاجتماعية والتاريخية والفلسفية .. الخ!
ثم يستيقظ بعد فوات الأوان ..
بعد أن يكون قد كبَّل نفسه بزواج وأبناء بسبب الخديعة،
ولم يتبقَ له في الحياة سوى سنوات الحسرة والندم ..
حينها حتى لو كان وجوده مبررًا، فإن استمرار حياته
لا يكون ممكنًا!
إن جل البشر مخدوعون، لكنهم أقل إدراكًا وشجاعة من
أن يلتفتوا ليروا الخديعة، ولذلك هم ماضون في الحياة،
حاملين على رؤوسهم مبررات الانتحار!

الخميس، 16 يونيو 2022

يحتاج الأمر إلى تبرير عندما لا يكون مُبرَّرًا!

0 تعليق

ليست الحياة هي التي تُبرر سلوك البشر، بل البشر

هم الذين يفتعلون سلوكيات لتبرير الحياة!
 - محاربة الانتحار والإجهاض والموت الرحيم، أمثلة

على رفض البشر لسلوك فطري لديهم، وفرض أجندات

ثقافية اجتماعية عقائدية لتبرير الحياة! 
 - مفاهيم حقوق الإنسان، حقوق المرأة، حقوق الطفل،

جرائم ضد الإنسانية، .. الخ ..، كلها مجرد سلوكيات

لفظية تقدس الحياة سعيًا لتبريرها!

لا معنى للقول بوجود ظُلم أو جريمة ضحيتها إنسان

وجلادها إنسان ومحاميها إنسان!

لا معنى لتصنيف الإرهابي كإنسان، ثم إجازة قتله باسم

الإنسانية أو دفاعًا عنها!

يمكن أن يوجد ظلم أو جريمة ضحيتها خروف وجلادها

ذئب ومحاميها كلب ..

لكن لا يوجد ظلم أو جريمة ضحيتها فيل وجلادها فيل

ومحاميها فيل .. 
 - الخلط المستمر بين الجد والهزل في سلوك البشر،

هو أوضح تعبير تلقائي عن عدم شعورهم بأي مغزى

لحياتهم وعدم قناعتهم بأي غاية مفترضة من وجودهم!

- المسحورون بسراب المعتقدات لا يمكنهم النظر في

عين الواقع، ذلك لأن الواقع مخالف لكل معتقد

بالضرورة، فما المعتقدات سوى توهم لأحلام خيالية

وتجاهل لمخاوف محدقة! 
 - احتكار أي شيء يمنحه قيمة، حتى لو كان غير ذي

قيمة في الحقيقة!

- احتكار أقلية من البشر لملذاتها الرغوية (من الرغوة)،

مَنَحَ الحياة قيمة فوق حقيقية في نظر المستمتعين

والمحرومين على حد سواء، مما جعل الحياة دافعًا

للجشع ومصدرًا للوهم، وجعل الموت يبدو قبيحًا دونما

دليل ولا مبرر! 
 - نزع القدسية الزائفة عنها يمنح الحياة قيمة مختلفة-

قيمتها الحقيقية!

- نزع القبح الزائف عنه، يجعل الموت بديلاً إراديًا

جميلاً لحياة قبيحة!

إذا كان مفهوم الإنسان حقيقة، أو إذا أُريد له أن يُصبح

واقعًا، فينبغي الفصل بين الإنسان والبشر، أو بين

الضحية وجلادها ..

لكن لن يحصل الفصل، لأن الهدف من سلوكيات البشر

ونظرياتهم ليس إظهار الحقيقة وإحقاق الحق، إنما

الهدف دائمًا هو اختلاق مبررات وإيجاد وقود لاستمرار

الحياة بصورتها المغلوطة لصالح الأقلية على حساب

الأغلبية، ودائمًا الوسيلة هي خلط المفاهيم عن عمد،

لأن إجابة كل الأسئلة تعني إجابة سؤال الحياة، وهذا

يعني إفراغ الحياة من معناها التقليدي الزائف!

إفراغ الحياة من معناها التقليدي لا يعني أنه سيتوجب

على كل البشر الانتحار، بل يعني أنه لن يكون البشر

مخدوعين بمعنى وقيمة عامة للحياة لا حقيقة ولا وجود

لها في الواقع، إنما سيكون معنى الحياة وقيمتها هي

ما تمثله حياة كل فرد لصاحبها بالفعل لا بالاعتقاد

والتمني!

- عندما تتوزع قيمتها بين البشر بالتساوي، لن تكون

الحياة دافعًا لجشع الأقلية ومصدرًا لألم الأكثرية كما هي

الآن!

-عندما يصبح الانتحار سلوكًا بشريًا جماعيًا واقعيًا،

بديلاً لحياة الذل والاستغلال والوهم والبؤس، حينها

ستظهر ثقافة شراء الحياة البشرية مقابل الكرامة،

وستتوزع قيمة الحياة بين البشر بالتساوي، وهذا

هو أسمى وأنبل هدف يمكن أن يضحي لأجله البشر،

إذ سيختلفون به عن غيرهم، ويغيرون مسار وصيرورة

وجودهم، من وجود بشري إلى وجود إنساني – من

وجود حيواني عاقل إلى وجود بشري كريم، فيؤسسون

قاعدة وجودية تُبرر إنجاب أجيال قادمة، وتمنح

القادمين سببًا منطقيًا للترحم على أجدادهم والتفاخر

بهم بدل لعنهم المستحق الآن ..،

- كثيرة هي المناسبات والعناوين التي يضحي لأجلها

البشر بأرواحهم الآن وليس بينها ما يستحق التضحية،

ولعل هذا الهدف وحده الذي يستحق التضحية ويستحق

أن يكون مبررًا لوجودهم!

إن المساواة الحقيقية قائمة بين الحياة والموت، وليس

بين حياة المنعمين وحياة البائسين ..

الحياة والموت هما رمزا الوجود البشري – باعتبار أو

بافتراض أن الكائن البشري هو الوحيد المدرك للموت

والحامل للشعور بالذل والكرامة في الحياة ..

- إذا لم تتحقق المساواة بين البشر عمليًا فلا قيمة ولا

معنى للتفريق نظريًا بينهم وبين غيرهم من الكائنات!

- المساواة بين البشر لا تتحقق بتكافؤ الفرص، لأن

القدرات والمهارات العقلية والبدنية ليست متساوية

لدى كل البشر ..

- المساواة العملية بين البشر تتحقق بالمساواة ثقافيًا

بين مفهوم الحياة الكريمة والموت، وتفضيل الموت

على الحياة الذليلة ..

- لا هدف أجمل وأثمن وأنبل من فعل ينقذ صاحبه من

حياة الذل والألم، ويضع اسمه على قائمة المؤسسين

لمبدأ المساواة الحقيقية بين البشر، ومبدأ التفريق

العملي الواقعي بين الإنسان والحيوان! 

 مفهوم الحكمة ..

- ليست الحكمة هي الانتصار للحق، وليس الهدف من

الحكمة هو إظهار الحقيقة ..

- الحكمة هي الخضوع للواقع، والهدف منها هو

المحافظة على الحياة وحسب ..

- الحِكمة باختصار هي إتقان وممارسة الخداع والنفاق

والتغابي والهروب، كبديل للمواجهة المباشرة للواقع

والحقيقة!

- الحياة تقوم على الخطأ واللا منطق، وانعدامهما يعني

انعدامها!

- عند البحث في أي مسألة تتعلق بالحياة على الأرض،

فإن الهدف من البحث لا يتعدى محاولة لمعرفة نوع

وحجم الخطأ ومصدره في تلك المسألة، وليس بحثًا عن

المنطق أو الصواب ..

- غافل من أنفق حياته في تعريف البشر بالمنطق

والصواب ..

- واهم من ظن أن المتخاصمين يجهلون الحل المنطقي

لخلافهم! 

- لطالما كان الكلام سببًا للخلاف بين متفاهمين!

- كثيرًا ما كان الصمت سبيلاً للتفاهم بين مختلفين!

- جُل مناسبات البشر عبارة عن أحداث مفتعلة

لممارسة الكلام!

- أن نصمت بذات الفهم أهم وأفيد من أن نتكلم بذات

اللغة!

- عند التواصل الصامت يتم التركيز على الفهم كهدف

فيحصل التفاهم، بينما عند التواصل الناطق يتم

التركيز عادة على عدم التفاهم حَذَرًا أو سوء ظن، فلا

يحصل الفهم!

- التفاهم لا يعني تطابق الفهم، فتطابق الفهم لا يكون

إلا بين المرء ونسخة منه .. هذه حقيقة يجهلها جلنا!

- التفاهم يعني فقط تبادل الشعور بالأمان!

- الاعتقاد بأن تطابق الأفهام ممكن، وأن سبيله الكلام،

هو اعتقاد خاطئ جعل الصمت أقدر على تحقيق التفاهم

من الكلام!

- يمكن اعتبار القدرة على الكلام، مصيبة ابتلي بها

البشر أكثر منها ميزة، فأدمغة البشر لا تستعمل ذات

المعايير ولا ذات المراجع لتحليل الكلام المسموع،

ناهيك عن غياب الثقة، وبذلك كثيرًا ما كان الكلام

سببًا في نشوب خلافات من غير سبب، ووقودًا لتأجيج

خلافات كانت محدودة!

- تجاهل وجودك واترك جسدك للحياة تستهلكه

بطريقتها، وستشعر بالوهم المُسمَّى سعادة!

- أقصر طريق لرفض الحياة هو الجدية في طلب

الحقيقة!

الأربعاء، 27 يناير 2021

وهم الإرادة .. رسول أوهامنا المزمنة!

0 تعليق






وجود بشر يحتاجون بالفعل إلى من يقتدون به سلوكًا

وقناعةً واعتقادًا، هو دليل عدم أهليتهم للمسئولية،

وبالتالي انعدام الإرادة لديهم، فلو كانوا أهلاً لاختيار من

يقتدون به لما احتاجوا له!

فهل حقًا يمتلك الكائن البشري إرادة، بما يجعله مسئولاً

عن سلوكه وقراراته، ويمنحه قيمة خاصة؟

أم أن ما يميز البشر عن غيرهم هو فقط وعيهم بما

يفعلون؟

وعي البشر بما يفعلون هو حقيقة، لكنه دليل ذاكرة

تؤهلهم للاختيار والمفاضلة – لا دليل إرادة تؤهلهم

للمسئولية، فهو مجرد وعي آني لا مستقبلي، بدليل

حصول الفشل والندم عادةً!

لا شك أن اعتقاد البشر بوجود إرادة لديهم، مصدره

عدم معرفتهم لآلية صُنع القرارات فيهم!

ماذا يقصد المسلمون بمفهوم الجهاد لنشر الدين

بالسيف، ومفهوم حد الرِدَّة – مثلاً؟

هل يقصدون أن البشر لديهم إرادة دخول النار، وأن

الإسلام أمر بكسر أو سلب إرادة البشر لإدخالهم الجنة؟

وهل تصح محاسبة مسلوب الإرادة – عقابًا أو ثوابًا؟

أم هل يصح افتراض إرادة لدى الإنسان بدخول النار؟

أم يقصدون أنه لا إرادة أساسًا لدى البشر، وأن سلوك

البشر تفرضه عليهم القوة والحاجة؟

وهل هناك معنى لإيمان أو كفر من لا إرادة لديهم؟

وما المقصود بمراقبة سلوك عوام المسلمين بواسطة

خواصهم، وتوجيههم باستمرار من المهد إلى اللحد؟

هل المقصود هو تصنيع بشر مسلمين وإيمان شكلي؟

إذا كان الأمر كذلك – وهو ما يقوله الواقع-، إذن يكون

المقصود من الدين الإسلامي هو تحويل البشر إلى

ملائكة بشرية أرضية بواسطة بعض البشر، وليس

تبليغ البشر وامتحانهم – كما يزعمون!

في كل الأحوال من الواضح تمامًا أنه لا قيمة ولا معنى

إطلاقًا لإيمان تحت الإكراه – دخولاً أو ممارسة – سواء

بسلب الإرادة أو بانعدامها!

لكن لا شك أن ذلك الوهم المُسمَّى إرادة – سواء عند

السالب أو المسلوب -، هو الداء الكامن خلف كل هذه

المفارقات التي لا معنى لها سوى جهل البشر بأنفسهم،

وبحثهم عن إرادتهم المزعومة على حساب بعضهم!

إن ظاهر سلوك البشر يوحي بإرادة كاذبة، يُدرك كل

إنسان أنه لا أصل لها في نفسه!

الموظف الذي لا يلتزم عادةً بتوقيت عمله، هو كذلك

لأنه يميل لا إراديًا لأن يكون غير ذلك لا لأنه أراد ذلك!

مقارنة البشر ببعضهم تحت ذات الظروف، خطأ شأنه

شأن إخضاع حيوانات مختلفة لذات الاختبار!

- حقيقة الإرادة عند البشر، هي أنها نتيجة – لا قرار!

عند بحثهم عن تفسير لسلوك الانتحار، اكتشف البشر

أن إرادة بعضهم تُملى عليهم – وإن بدا أنهم يمتلكونها،

وفي الحقيقة كل أفعال البشر مجرد انتحارات صغيرة!

المسلمون يُبطلون الطلاق إذا صدر تحت ظروف خاصة،

وفي الواقع لا يحدث طلاق إلا تحت ظروف خاصة!

الإرادة – حتى بافتراض وجودها -، هي ليست قوة

يمكن قياسها، وليست عضوًا ماديًا من أعضاء الجسد

يمكن معاينتها ومعرفة متى تعمل ومتى تتعطل!

منح فرصة للمسلم بالتراجع عن قرار طلاق حصل

في ظروف اعتيادية، هو إقرار بأنه لا قيمة للإرادة

المزعومة، إذ أنها لا تعني إدراك البشر لعواقب سلوكهم

وتحت كل الظروف، مما استوجب تخويفهم بتحديد عدد

مرات الطلاق، ما يعني أن التخويف يصنع الإرادة، ..

.. أي أن إرادة الإنسان تُصنع خارجه!

مأساة البشر ليست في أنهم لا يعون من الحقيقة إلا ما

برز منها على السطح وفرض نفسه عليهم، .. مأساتهم

في إلزامهم لأنفسهم بتكهناتهم لما خفي منها دون مبرر!

ما لا يكتشفه البشر من موجبات السلوك يتجاهلون

وجودها، ويعتبرون السلوك حرًا اختياريًا إراديًا، هكذا

وُجِد مفهوم الإرادة، والفعل العمد، والمسئولية، .. الخ،

إلى أن افترض البشر لأنفسهم قيمة كونية حملت معها

مسئوليات ومآسٍ جسيمة لا أساس ولا مبرر لها، فقط

استنادًا إلى امتلاكهم إرادة مزعومة – وهمية!

لو كانت آلية صنع كل القرارات لديهم، واضحة وكبيرة

بحجم ووضوح عوامل قرار الانتحار، لرآها كل البشر،

ولأدركوا أنه لا يوجد لديهم شيء اسمه إرادة، ولتغير

بذلك مشهد الوجود البشري من الأساس، وهو ما ينبغي

أن يكون، وهو ما سيكون حتمًا!

البشر ما زالوا مثل سائق يسير ليلًا بأضواء التوقف،

لا يرى ما أمامه حتى يصطدم به ..؛

فلو ينظر البشر أمامهم – لا بأضواء العبقرية الكاشفة،

بل فقط بأضواء العفوية الصادقة، لكن بقصد أن يروا

ما أمامهم كما هو، لا بقصد أن يتخيلوا ويعتقدوا ما

أمامهم كما يريدون ؛ إذا حصل ذلك فلن يكونوا بحاجة

لانتظار تتابع واكتمال المراحل لبلوغ أمورٍ محتومة،

وبلوغها ممكن في كل مرحلة، وببلوغها تنتهي مآسٍ

قائمة لا مبرر لقيامها!

لا معنى لإرادة بدون مسئولية، ولا مسئولية تنشأ عن

إرادة عمياء!

كثيرًا ما يندم البشر على أفعالٍ أتوها بمحض إرادتهم

المفترضة وفي ظروف اعتيادية، ما يعني أن الإرادة

المزعومة لا تعني إدراك الإنسان لعواقب ما يفعل، وهذا

يعني أن السلوك مجرد قرارات تلقائية تفرزها معطيات

وظروف، ليس من المنطق أن تترتب عليها مسئولية!

سلوك الجماد يُصنع داخل ذراته وبينها، وسلوك الكائن

الحي يُصنع داخل خلاياه وبينها!

الكائن البشري ذو الكيان الصانع لإرادته، المستقل

عنها، المسيطر عليها من خارجها، هو كائن خيالي

يحمل صفات الإله، لا يمكن أن يكون له وجود!

لكي يمتلك الكائن إرادة، ينبغي أن يكون قد أوجد نفسه

بنفسه!

وعي الكائن البشري وإدراكه وتذكره لما يفعل، لا يعني

أنه الفاعل من خارج الفعل، إنما هو يتجسد في الفعل!

علاقة الكائن البشري بإرادته، هي علاقة أعضائه

ببعضها وعلاقة جسده بما حوله- علاقة تفاعلية تكاملية!

لا بد أن يشعر الإنسان بالبرد لكي تتكون لديه حاجة ثم

إرادة للتدفئة، ثم لا بد أن تتوفر لديه إمكانية ذاتية

وخارجية لصنع التدفئة لكي يصنعها!

الإنسان مجرد وعاء تتفاعل مكوناته مع محيطها!

ما يبدو أو ما يُسمَّى بالإرادة لدى بعض البشر أكثر من

غيرهم، متمثلة في إصرارهم على إحداث أمر ما بأي

ثمن وبأي جهد - إحداث تدفئة مثلاً، هي إرادة اسمية

شكلية، تُعبِّر عن عوامل خارجية وداخلية – ليس

الإنسان فيها سوى إطار خارجي ..، فإذا صحَّ اعتبارها

إرادة، إذن تقابلها لدى الآخرين إرادة تَحمُّل البرد -

لقناعتهم بعدم بضرورة التدفئة مقابل ذلك الجهد والثمن؛

لكن الحقيقة ليس الأمر تفعيل إرادة هنا وتعطيلها هناك،

إنما هو في الحالتين خضوع تلقائي لقناعات لا إرادية!

القناعات تصنع قرارات البشر، والبشر لا يصنعون

قناعاتهم!

بعض البشر يعجز عن إحداث التدفئة ويموت بردًا،

وليس بعد الموت من محفِّز للإرادة لو كان لها وجود ؛

وليس من المنطق أن يُحسب على العاجز عجزه!

إرادة البشر ليست حقيقية، هي مجرد وصف مجازي

لظاهرة سلوكية حتمية، تمثل حصيلة تلاقي عوامل

خارجية قاهرة ومساعدة بمعطيات داخلية تعمل ذاتيًا!

مفهوم الإرادة ليس له أساس فلسفي ومنطقي، فأساسه

عقائدي ثقافي اجتماعي تحفيزي – جماعي لا فردي!

الفرد يُدرك في قرارة نفسه أنه مُكرهٌ في كل قراراته،

ولا حضور ولا سيطرة لإرادة حقيقية له فيها!

الانتحار فعل فردي عادةً، والبشر لا يعتبرون فعل

الانتحار ناجمًا عن إرادة – غالبًا، إنما يبحثون له عن

دوافع ومسببات يُحمِّلونها مسئولية القرار والفعل من

وراء الإرادة ؛ .. لماذا؟

لأن بهم حاجة لتكريس فكرة تطمئنهم - بغض النظر عن

حقيقتها من عدمها -، وهي فكرة أن حب الحياة يمثل

إرادة مشتركة بين كل البشر، وأن ذلك دليل وجود شيء

اسمه إرادة يُثبت قدسية الحياة وخصوصية البشر ؛

فإذا تم اعتبار الانتحار سلوكًا ناجمًا عن إرادة، وهو

ضد الحياة، إذن الحياة ليست مقدَّسة كما يحبونها أن

تكون، أو أن البشر يختلفون في أمور وجودية أساسية،

أو أن حبهم للحياة ليس وليد إرادة لديهم، ونزع الإرادة

منهم يعني سقوط المسئولية عنهم، وبالنتيجة ضياع

حلم الخصوصية والقيمة الكونية المفترضة للبشر ..؛

كل هذه حقائق، لكن البشر قد اعتادوا وتوارثوا ثقافة

محاربتها والنفور منها ومحاولة دحضها أو إخفائها

وتجريم الاقتراب منها، ما جعلهم يستعملون المنطق

واللا منطق في سبيل فرض ثقافة وجود الإرادة وثقافة

قدسية الحياة!

لهذا السبب، نرى دعاة الحياة أو عبيدها من البشر،

يحاولون نزع صفة الإرادة عن الانتحار، أو نزع صفة

الإنسانية عن المنتحر ..، وكل ذلك مجرد عبث سيتوقف

يومًا ويزول معه وهم الإرادة المزمن! 
 ماذا عن الأعمال التطوعية، أليست دليل إرادة؟

كلا ليست كذلك، وتسميتها بالتطوعية، هو إقرار ودليل

على أن كل ما عداها إجباري!

حتى بافتراض أن الأعمال التطوعية نتاج إرادة، فهي

لا تمثل شيئًا يُذكر في حياة البشر، وهي بذلك مجرد

إثبات أن كل ممارسات البشر لا إرادية ..؛ لكن حتى

ما يُعرف بالأعمال التطوعية هي ليست إرادية ..؛

عمل إجباري يعني أن الظروف التي أجبرت الإنسان

على فعله ظاهرة قاهرة معلومة!

عمل تطوعي يعني فقط أن دوافعه ومسبباته ليست

مادية وليست قاهرة آنيًا، لكنه ليس بدون قوة خلفه

تدفع الإنسان إلى فعله! 
 كيف يتشكل الإنسان وإرادته المزعومة؟

يتولى الوالدان مهمة إظهار كائن بشري إلى حيِّز

الوجود، بمواصفات مجهولة ..؛

تستلمه طبيعة هي أقوى تأثيرًا وأعقد وأكبر من أن

يُحيط بها البشر علمًا – ناهيك عن التحكم بها ..؛

تصطدم عوامل البيئة الخارجية بمواصفات الوليد

الداخلية، فتتشكل آلية صنع السلوك لديه ..

تُعاقِب الحكومات الأهل على سلوك أبنائهم، اعتقادًا من

الجميع بأن الأهل هم المسئولون عن صناعتها ..؛

يلوم الأهل رفاق السوء اعتقادًا منهم بأنهم حرَّفوها ..؛

يلجأ الأهل إلى رجال الدين وعلماء النفس والاجتماع

لإصلاح سلوك الأبناء، لعلمهم بقدرة هؤلاء على صنعها

وتوجيهها، وتوهمًا منهم بوجود معيار للصواب ..؛

وما كل هذا اللغط والهرج والمرج سوى إثبات أن إرادة

البشر تُصنع خارجهم، ولا صحة لامتلاكهم لها ..؛

إن بشرًا يحيك حاذقهم إرادة غافلهم، ويفرض قويهم

إرادة ضعيفهم، ويطمس كبيرهم إرادة صغيرهم،

ويصنع ذكيهم إرادة غبيهم، .. الخ؛

بشر يصنعون إرادة بعضهم، ثم يعتبرونها مستقلة ..؛

بشر تصنعهم ظروف وتُملي عليهم قراراتهم، وبعضهم

ظروف لبعضهم الآخر ..؛

بشرٌ تصنع الحاجة والخوف والجهل والطمع قناعاتهم،

وقناعاتهم تصنع قراراتهم ..؛

بشر تقودهم غرائز لا يوقفها سوى خوف من عواقب ..؛

بشر هذه هي حقيقة كنههم، أنى تكون لهم إرادة تبرر

مسئوليتهم عن سلوكهم

الثلاثاء، 5 يناير 2021

مَنْ هُم أهل الذِكر ومَنْ الذين لا يعلمون؟

0 تعليق

 

فاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ!
هذا النص من القرآن، يُستدل به عادة، للإشارة إلى أمورٍ ثلاثة:

الأمر الأول: أن المجتهدين والفقهاء والأئمة والخطباء المسلمين، هم أهل الذكر المعنيين في هذا النص، وأنه ينبغي سؤالهم وطاعتهم في أمور الدين ومعاملات البشر!

الأمر الثاني: أن مفهوم "الذِكر" – هنا، يُشير إلى القرآن ذاته، أو هو العِلم الذي لا يمكن بدونه فهم القرآن وتفسيره؛ وأنه عِلمٌ لا ينبغي لأحدٍ من الناس، إلا لأولئك الذين يمتلكون قدرات ذهنية فكرية خاصة خارقة، منحها الله لهم ويسر لهم السبيل دون سواهم!
وهنا في الحقيقة تبرز مفارقة كبيرة، وهي أنه حتى لو كان الأمر كذلك، فإن الاختلاف الجذري والجوهري بين الفقهاء والمذاهب والطوائف (سلفي، صوفي، إخواني، شيعي، ..الخ)، يستوجب أن يكون الإنسان العادي أفقه من كل الفقهاء، لكي يُحدد أيهم الصائب، أو أيهم المؤيد من عند الله..، فالفقهاء لا يحملون علامات أو براهين تميز المهتدي منهم من الضال – لكي يهتدي بهم الضال العادي..،
ولعل هذا هو السبب الذي جعل جُل المسلمين يتجاهلون كل المذاهب عمليًا، وهو ذات السبب الذي جعل بعض المذاهب – كالسلفيين – يضطرون لاستخدام القوة والعنف والإرهاب، لتركيع البشر لمذهبهم لا لله!
وهو ذاته الذي جعل الإخوان يسعون للسلطة لابتزاز البشر بُغية تركيعهم لمذهبهم لا لله!
فجميعهم لا يحملون آية، ولا يملكون دليلاً ولا حُجَّة تُقنع البشر..، فإذا مُنِح البشر حرية الاختيار والمفاضلة بين المذاهب والطوائف، فستسقط كل المذاهب والطوائف بين عشية وضحاها..، ولذلك انقلبت الآية فأصبحت المذاهب والطوائف هي التي تذهب للبشر، وتفرض عليهم فقهها وأفكار منظريها بالقوة والخداع وباستغلال الحاجة المادية للبشر..، ما أحال المذاهب إلى مشاريع مادية دنيوية ربحية تنافسية، وليست مجال فكري وسبيل روحي لإيصال رسالة إلهية وإخلاء ذمة بشرية!
الأمر الثالث: إشارة إلى غالبية المسلمين باعتبارهم لا يعلمون ما يعلمه أهل الذكر، وأن عليهم الاتباع والطاعة العمياء لاجتهادات وفتاوى أهل الذكر – وذلك حتى إذا أفتوا واجتهدوا بما يُخالف العقل والمنطق! .. انتهى.
ومما يوجب التوقف ويُثير التساؤل هنا، هو أنه لا وجود لهذه الإشارات الثلاث في النص القرآني – موضع الاستدلال، بالمعنى المستدل لأجله والشائع بين المسلمين..، وأن الفقهاء لا شك يُدركون ذلك، والسؤال هو:
لماذا لم يُحدد الفقهاء لعموم المسلمين، التفسير الصحيح والقصد من هذا النص، ولماذا لم يُفتوا بعدم جواز الاستدلال به في غير محله؟
إنه وحتى على افتراض أن فقهاء اليوم أو بعضهم، لا يستدلون بالتفسير الخاطئ لهذا النص، إلا أن هذا التفسير بالأساس لا شك أنه صادر عن فقيه، وينبغي أن يُصححه فقيه مثله..، فالسكوت عليه اليوم لا يختلف عن الإفتاء به أو إشاعته بالأمس!
ليس من السهل اتهام كل الفقهاء بابتداع هذا التفسير الخاطئ أو بالتستر عليه، على أساس أن السبب هو عدم وجود صفة رسمية للفقاء، تمنحهم الحق في فرض آرائهم على الناس، وعدم وجود نص آخر يحث الناس أو يأمرهم بطاعة الفقهاء!
فمن هم أهل الذِّكر، ومن هم الذين لا يعلمون، بحسب النص، وليس بحسب ما هو شائع ومستعمل في الثقافة العربية، وفي الفقه الإسلامي؟
وما هو الذِّكر؟ وهل من علاقة خاصة بين مفهوم "أهل الذِّكر"، والفقهاء!
هنا نص قرآني يقول بأن القرآن مُيسَّر للذِّكر – وليس هو الذِّكر:
{وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ }القمر17.
وهنا نص قرآني آخر يقول، إن القرآن يُحدِث الذِكر وليس هو الذِكر ذاته: {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً }طه113 .
هنا نص قرآني يقول إن عدم القدرة على فهم القرآن هي عقوبة خاصة بالذين لا يؤمنون بالآخرة، وليس بالعرب أو بالناس أجمعين: {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً }الإسراء45 . {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً} الإسراء46.
فإذا كان القرآن غامضاً وفهمه عصياً حتى على العرب المسلمين؛ فما ذنب الأعاجم من غير العرب وغير المسلمين؟
وما السبيل لمن أراد منهم دخول الإسلام؟
أي الطوائف عليه أن يتّبع، وأنّى له أن يختار الطائفة أو الفرقة الناجية؟
أقول.. إن هذا النص القرآني واضح وصريح و يسير غير عسير (… فاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ !)،
وعلى افتراض صحة السياق الذي يُستعمل له، وأن أهل الذكر هم الفقهاء، فإن المستدلين به يتجاهلون أمرين أساسيين بارزين في هذا النص، وهما:
(أ)- إن الخطاب ليس موجهاً لأهل الذكر، حتى يمنعوا غيرهم من تفسير القرآن والتحاور به وحوله!
بل إن الخطاب موجه للذين لا يعلمون، فهم المطالبون بالبحث أو السؤال عما يجهلون!
إذاً، فالذين يعتقدون بأنهم هم أهل الذكر، ليس من حقهم أن يُقرّروا بأن غيرهم لا يعلمون؛ أي أن الله قد شرّع بهذا النص، أن الإنسان أدرى بنفسه وأحق وأجدر من غيره في أن يُقرّر ما إن كان يعلم أو لا يعلم!
فهو مسئولٌ عن ادعائه العلم، كما أنه مُطالبٌ بالسؤال عما يجهل، وهو مسئولٌ عن اختياره لمن يسأل!
فالذين لا يعلمون إذاً، هم المسئولون وهم المطالبون بالإعلان عن أنفسهم، والمطالبون بالبحث عن أهل الذكر، وليس العكس!
(ب)- إن الخطاب جاء بصيغة التشكيك في حقيقة أنهم لا يعلمون! .. (… إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ !)،
أي أن الأمر ليس غامضاً وليس عسيراً عليكم حتى تجهلونه!
وفي ذلك إشارة إلى أنه عليهم الإقرار أولاً وربما إثبات أنهم لا يعلمون، ثم إن لهم بعد ذلك أن يسألوا أهل الذكر!
وفي هذا التشكيك، إشارة واضحة وقوية على أن الأمر الذي يعلمه أهل الذكر، هو أمرٌ مُتاحٌ في متناول الجميع إن شاءوا معرفته، وأنه ليس علماً خاصاً بأهل الذكر، وأن الذين لا يعلمون ربما كانوا يدّعون عدم العلم وليست حقيقة أنهم لا يعلمون، وإنما ادعوا عدم علمهم بالأمر للتشكيك في صدق الرسول!
( … فاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ !) ..
أما الأمر الأهم فهو يكمن في خطأ السياق الذي يُستدل فيه بهذا النص، ويتضح ذلك عند قراءة النص كاملاً ..
يقول القرآن: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }النحل43. {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} الأنبياء7.
فلا اختلاف ولا خلاف على أن المقصود بأهل الذكر هنا هم أتباع الديانات والكتب التي سبقت الإسلام والقرآن، كأهل الكتاب من اليهود والنصارى، وغيرهم من أتباع الديانات والرُسل السابقين، والمقصود بالذين لا يعلمون هم أولئك الذين لم يُصدّقوا الرسول، والذين لم يتقبلوا فكرة أن يكون الرسول بشراً مثلهم! أي أولئك الذين يعتقدون بأن الرُسُل ينبغي أن يكونوا ملائكة، ولا يصح باعتقادهم أن يُخاطب الله بشراً ويبعثه رسولاً!
الخطاب إذاً، موجه للمشككين في رسالة الرسول، وليس للمسلمين.
وأهل الذكر هم أتباع الرُسُل والكتب والديانات السابقة، وليسوا المسلمين من أتباع محمد .
فالخطاب كان في وجود الرسول، حيث لم يكن المسلمون في حاجة لسؤال أحدٍ والرسول بينهم!
وموضوع الخطاب محدد، وهو أن بشرية الرسول هو أمرٌ طبيعي لا غرابة فيه، وهو معلوم لدى أتباع الرُسل كلهم!
فالنص القرآني واضح الدلالة، فلا يصح الاستدلال به إلا عند مخاطبة المشككين والمكذبين برسالة الرُسُل؛
حيث قال لهم القرآن، إن عليهم أن يسألوا أتباع الديانات السابقة، ليعلموا أن كل الرُسُل السابقين كانوا رجالاً بشراً، ولم يكونوا ملائكة! {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }النحل43.
فهل يجوز مُخاطبة المسلمين اليوم – المؤمنين برسالة محمد -، بما خاطب به القرآن المكذبين المشككين في رسالته : فاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ!
ويبقى السبب الحقيقي، والدافع الأساس، والمستفيد الرئيس من وراء قتل المنطق لدى الإنسان العربي باسم العروبة، وشل تفكير المسلم وتعطيل عقله باسم الإسلام، وإقناعه بأن عين الصواب وذروة سنام الإيمان هو أن يُصدّق ما لا يفهمه وما لا يُقنعه، وأن يقول ويفعل ما لا يقبله عقله!
يبقى هذا الأمر سراً غامضاً، وخيالاً مُرعباً لمن أراد من العرب والمسلمين فهم الحقيقة .. إلى ما شاء الله !
فالاحتمالات كثيرة، لكن تبقى جذور هذه المأساة خفيّة، وجذوة سؤالها حيّة، والإجابة عليها عصيّة، والبحث عن الحكمة والحقيقة هو لب القضية

الخميس، 28 نوفمبر 2019

الذات الفاعلة والآخر المختلف!(3).

0 تعليق



لماذا تنتشر مظاهر الفوضى والعبث، بمجرد غياب
 السلطة السياسية في أي مجتمع بشري..، على الرُغم من وجود مفترض للوازع الديني والأخلاقي الذاتي- المستقل عن السلطة السياسية!
الجواب: لأن غياب السلطة السياسية، يعني انتفاء الحاجة للتمثيل والتزييف عند البُسطاء والضعفاء- وهم الغالبية دائمًا!
فسلوكهم الظاهري الموحد، الذي تفرضه عليهم القوانين والتشريعات والأعراف بواسطة السلطة..، لا يعكس طبيعتهم الحقيقية إنما يطمس اختلافاتهم الطبيعية!
وأما مظاهر الالتزام الديني والأخلاقي، فهي في جُلها عبارة عن مُسكِّن وبديل احتياطي، يلجأ إليه الإنسان عادة، عند الضعف وغياب الحرية!
بالطبع، ليس المقصود هنا، القول بأن الفوضى هي السلوك الطبيعي للبشر!
فالإنسان مضطر للحياة الاجتماعية – ليس حُبًا فيها بالضرورة- إنما لأنه غير مُهيأ للحياة الفردية!
والحياة الاجتماعية تتطلب مراعاة مصالح الآخرين، وهو ما يعني ضرورة الاتفاق على حد أدنى من الانضباط العام!
لماذا إذن، ممارسة الفوضى بمجرد انهيار السلطة؟
إن الانفجار الفوضوي البشري الشرس، الذي يعقب انهيار كل سلطة عادة، هو ردة فعل عنيفة لكنها طبيعية وحتمية، فهي تعكس إعلان الآخر المقهور عن تحرره، وإعلان الذوات المغمورة عن وجودها!
هو تصريف مفاجئ لمخزون كبير ومتراكم من الكبت والتزييف الإجباري!
ولذلك نلاحظ تسارعًا وتنافسًا في ممارسة الفوضى لحظة سقوط السلطة، وذلك يعكس الخوف من رجوعها قبل تفريغ الشحنة!
وليس بالضرورة أن تكون السلطة – أشخاص الرئيس والحكومة – هي المقصودة مباشرة بردة فعل البُسطاء والضعفاء الفوضوية، إنما المقصود كل ما هو مرفوض لديهم من تشريعات وعوائق خلقت الفوارق بينهم وبين الأقوياء والحُذاق – في وجود السلطة!
وربما كان السبب لكل ذلك هو تلك القوانين والتشريعات والأعراف التي تتعامل مع البشر في المستويات الدنيا، كقطعان متساوية – لا كأفراد مختلفين!

البشر يُقرُّون باختلاف الحيوانات عن بعضها، ويتجاهلون اختلافاتهم!
حقوق الحيوان، تعني توفير البيئة الطبيعية لكل صنف من أصناف الحيوان!
والواقع أن الإنسان يُعاني من غياب البيئة الطبيعية أكثر من معاناة الحيوان!
فالبشر بحاجة لإعلان عالمي لطبيعة الإنسان، وليس لحقوق الإنسان!
الاختلافات الطبيعية بين الحيوانات خارجية، ولذلك كان أساس حقوق الحيوانات هو توفير بيئة طبيعية خارجية، تعكس اختلافاتها الخارجية!
ولأن الاختلافات الطبيعية بين البشر داخلية، فإنه لا قيمة للحديث عن حقوق الإنسان ما لم يكن أساسها توفير بيئة طبيعية تعكس اختلافات البشر الداخلية! 
 تساهل أو إذعان القادرين على عدم الإذعان، للثقافات والأعراف والمعتقدات، التي تتجاهل اختلافات البشر الطبيعية، وتختزل سلوكهم في نمطٍ واحد، تفرضه على الكل، وتمنحه صفة السلوك السَوِي، لتُحرِّم أو تمنع أو تُسفِّه كل سلوك يُخالفه..،
هذا التساهل أو الإذعان لا يمكن فهمه كقناعة لدى العارفين، ولا ضعف لدى القادرين!
إنه إنما يعكس جهلاً أو رغبة، في دفع الضعفاء والبُسطاء لممارسة الكذب والخداع والنفاق..،
فهؤلاء مضطرون لمحاكاة السلوك المفروض،.. أي تزوير المستند المطلوب لنيل الحد الأدنى من الاحترام- فيتظاهرون بتبني السلوك الذي يتجاهل اختلافاتهم ويصطدم بفطرتهم!
وتكون النتيجة أو كانت، ظهور مجتمعات من الكاذبين والمنافقين والمخادعين، المجبرين على رفع شعار: السلوك البشري السَوِي المُوحَّد- طالما وُجِدت قوة تفرضه!
فقد صار لزامًا على الإنسان أن يكون استثنائيًا لكي يعترف له الآخرون بأنه مختلف عنهم، وبأنهم يجهلونه..، وهو ما من شأنه حصوله على قيمة ذاتية وخصوصية يحترمها الآخرون، وتفرض عليه هو احترام ذاته..، وهو الأمر الذي لو تحقق بشكل طبيعي لكل إنسان، لما كان استقرار المجتمعات رهنًا بوجود سلطة سياسية!
إنه ومن حيث المبدأ، لا فرق بين شجار الأطفال وملاكمة الكبار ومصارعة الثيران والتنافس على السلطة؛ فكل ما يجري في ميادين التنافس البشري بشري، هو بالأساس وبالنتيجة محاولات من كل الأطراف لانتزاع اعتراف بوجود اختلاف يجهله الآخرون..، وذلك في مقابل وضع قائم يرفض الإقرار بوجود الاختلاف أو يُسفِّه المختلف!
كان التنافس سيكون طبيعيًا، لو أنه استمر كما كان بين الإنسان والجوع؛ بين الإنسان والطبيعة؛ بين الإنسان والمرض؛ بين الإنسان والجفاف، بين الإنسان والجهل..، الخ..، أي أنه تنافس في مجالات مختلفة ولغاية واحدة.. هي مصلحة وراحة الإنسان!
وكان التطرف عندها سيكون مطلبًا إنسانيًا، لأنه يعني بلوغ أقصى ما يمكن بلوغه مما ينفع الإنسان!
وكانت الوسطية- التي يطلبها البشر اليوم وقد استحال حدوثها- ستكون مرفوضة- باعتبارها كسلاً وتخاذلاً!
بيد أن الأمر لا يستحق التجاهل، ولا يتطلب كل هذا الجُهد وكل هذه السلوكيات التنافسية البدائية، إنه يتطلب فقط سن تشريعات، تؤسس لإقرار الجميع بأن المجتمع البشري هو مجموع أفراد مختلفين لا إراديًا، وأنه لكل فرد منهم ما يميزه ويجعله مختلفًا عن سواه ومجهولاً لهم- بما يوجب احترام خصوصيته!
أما عندما يتطلب الأمر من كل إنسان أن يكون قادرًا على تجاوز الواقع واستحضار الحقيقة (صُنع معجزة)، لكي ينتزع من الآخرين الإقرار بالواقع- لا بالحقيقة!
فالحقيقة هنا لا تُدرك، إنما تُستحضر ليُدرك من خلالها الواقع!
الواقع هو وجود الاختلاف بين البشر، أما الحقيقة فهي ما وراء هذا الاختلاف..، وهو ما لا يمكن إدراكه، أو ربما لا حاجة بالبشر لإدراكه- قياسًا إلى التكلفة!
عندما يكون الأمر على هذه الحال، وهو كذلك، فهذا يعني أن الإقرار بالاختلافات الطبيعية بين البشر، أصبح ميزة لا يتمتع بها غير القادرين على انتزاعها!
بينما يتم التعامل مع الغالبية العظمى من البشر كمستنسخين- لا يمكن أو لا يحق لهم أن يكونوا مختلفين، وبذلك تُسنُّ القوانين والتشريعات- التي تحكم عامة الناس- على مقاس فرد افتراضي، له مواصفات محددة!
هذا الأمر يترتب عليه بالضرورة خرق تلك القوانين والتشريعات بواسطة المختلفين عن ذلك الفرد الافتراضي!
والمختلفون هنا، يمكن أن يكونوا كل البشر!
هذا الأساس الخاطئ، جعل من القوانين والتشريعات وسيلة لصنع إنسان وليس سبيلاً للتعامل مع الإنسان!
إن الصواب والطبيعي هو أن لا نكون بحاجة لإثبات الواقع..؛ لكن إصرار المتنفذين من البشر على تجاهل وتجاوز الواقع، جعل من إثبات المثبت ضرورة!
إن الواقع عبارة عن مرآة تعكس حقيقة – أي أنه مرآة تُثبت وجود حقيقة- لكن لا تُحقق إدراكها!
البشر يتوارثون اعتقادًا خاطئًا، مفاده أن الآخر لا يمكن أن يكون إلا أحد احتمالات بشرية معدودة ومحصورة ومعروفة! 
.
لماذا نستغرب سلوك الآخر عندما يخالف توقعاتنا؟
لأننا نعتقد أننا نعلم كل المعطيات والخلفيات التي تصنع سلوك الآخر، ولذلك نعتقد أن سلوك الآخر لا بد وأن يكون في متناول تخيلاتنا وحساباتنا..، وإذا خالف توقعاتنا وجب انتقاده أو عقابه..، فلكي تكون توقعاتنا صحيحة، كان لا بد أن نفترض أن سلوك الآخر المخالف لتوقعاتنا هو انحراف متعمد!
نحن كذلك، لأن وعينا – سواء عن قصد أو عن جهل- قد تم توجيهه وتصنيعه ليكون أقل من أن يستوعب وجود ذات أخرى مستقلة ومختلفة عن ذاتنا!
فنحن نقر للآخر بالوجود المادي المنفصل عنا-فحسب!
نحن لا نعترف باستقلال الآخرين عنا كذوات نجهلها، بل ككائنات نعرفها ويمكننا أو يحق لنا أو من واجبنا احتواؤها!
نحن نعرف الآخر من خلال صورة نرسمها له في أذهاننا، وليس من خلال وجوده وسلوكه الفعلي في الواقع!
نحن نرسم للآخر صورة في أذهاننا بمجرد أن يدخل مجال الإدراك لدينا- عن طريق المجتمع، التعليم، الإعلام، الثقافة، التاريخ، ..الخ؛
ثم نقوم بتضمين تلك الصورة كل المواصفات التي نعتقد مسبقًا أنه ينبغي أن يحملها الآخر ولا يمكن له الخروج عنها؛
ثم نتخذ من تلك الصورة مقياسًا للأصل!
وبالتالي فإن رفضنا لسلوك الآخر، هو تعبير عن رفضنا للواقع، وعن خيبة أملنا في الحقيقة التي ظهرت بغير ما كُنا نتوقع ونرغب!
هذا السلوك من الأنا تجاه الآخر، يمكن اعتباره حالة مَرَضية بشرية متوارثة؛
حيث يتوارث البشر اعتقادًا خاطئًا، مفاده أن الآخر عبارة عن واحد من احتمالات بشرية معدودة ومحصورة ومعروفة!
لذلك توجب على الآخر أن يكون استثنائيًا، لكي نُقر له بوجود مستقل ومختلف عنا!
فصار لزامًا على الآخر أن يكون سيدًا، رئيسًا، مَلِكًا، عالِمًا، غنيًا، مشهورًا، ..الخ، لكي تعترف له الأنا بأنه مختلف عنها وأنها تجهله!
إثبات الذات للآخرين يكون بإثبات الاختلاف عنهم!
والواقع أن الأنا تشعر بأن أي قيمة تُعطيها لأي آخر، إنما تكون على حسابها ومن رصيدها؛ لذلك كان سعي الأنا دائمًا باتجاه التقليل من شأن وقيمة الآخر؛ وكان سعي الآخر دائمًا باتجاه فرض التنافس لانتزاع نصيبه من القيمة المفترضة والمتنازع عليها عمليًا!
ولذات السبب، نحن نمنُّ على الأحباب والأصدقاء بما نُقرُّ به لهم من قيمة- ممثلة في مكانتهم لدينا؛ ونفخر بمكانتنا لديهم- لأنها تُمثِّل لنا إقرارًا منهم بجزء من قيمتنا المُجزَّأة- التي نبحث عن أشلائها في كل مكان وبأي وسيلة!
ولذات الأسباب، نحن ندَّعي معرفتنا بالآخر، ونرفض الإقرار بأنه مجهول لنا، ذلك لأن الإقرار بجهلنا به هو إقرار ضمني بأن له قيمة ووجود مستقل عنا، وفي ذلك إقرار بنقص فينا، ولذلك نرفضه!
لو أن إدراكنا للوجود البشري، توقف عند اتفاقنا على وجود ظاهري يتكون من: أنا وآخرين؛
لكانت علاقة الأنا بالآخر طبيعية، وليست اصطناعية كما هي الآن!
وذلك باعتبار أن الإدراك الظاهري للوجود هو الحقيقة الوحيدة المؤكدة حتى الآن!
لكن الأمر تجاوز إدراك الأنا لوجود الآخر، إلى اعتقاد الأنا بمعرفة ماهية الآخر..،
وبسبب هذا الاعتقاد الخاطئ..، شهدت العلاقات البشرية إخفاقات وصدامات ومظالم- ما تزال قائمة!
ومن أهم النتائج المترتبة على هذا الاعتقاد الخاطئ، والتي نلمسها في الواقع:
1- ظهور ثقافة الوصاية الفكرية..،
وكان ذلك نتيجة حتمية لاعتقاد الأنا بمعرفة الآخر؛
حيث إنه قد نتج عن هذا الاعتقاد، حق الأنا في التكهن بسلوك الآخر، فأصبح كل سلوك من الآخر مخالفًا لتكهنات الأنا، هو بمثابة انحراف متعمد ومرفوض- في نظر الأنا!
2- تشريع الصدام بين الأنا والآخر..،
الصدام في حدود تضارب المصالح المعلومة، هو أمر طبيعي وجزء من القانون العام للوجود، لكن ومع اكتشاف عناصر القوة وامتلاكها، لم تعد الأنا القوية تكتف بانتقاد سلوك الآخر الضعيف- المخالف لتكهناتها، ولم تعد تكتف بصدام المصالح الطبيعي..؛
فإحساس الأنا بالقدرة على توجيه الآخر وتحديد سلوكه، أشعرها بأن لها الحق في تصويب الآخر، واتخذت من ذاتها ومصالحها معيارًا لما ينبغي أن يكون، فأصبح التصويب يُعادل الإخضاع، فكان تشريع الصدام وتبريره!
3- ظهور مفهوم الـ ( نحن ) إلى حيِّز الوجود الثقافي والاجتماعي- على الرغم من استحالة وجوده في الواقع!
حيث إن مفهوم الـ(نحن) يُشير إلى مجموع (الأنا)، وتلك مغالطة، إذ لا يمكن جمع الأنا، ولا يمكن أن يوجد أكثر من أنا واحدة، فكل ما هو موجود عبارة عن أنا واحدة- وكل ما عداها هم آخرون بالنسبة لها!
من الواقع، يمكننا القول بأن البشر يتوزعون ثقافيًا بين ثلاث نظريات افتراضية- في علاقة الأنا بالآخر:
- نظرية تعتبر الآخر موجودًا ماديًا، ومعلوم الهوية!
- نظرية تعتبر الآخر موجودًا ماديًا، لكنه مجهول الهوية!
- نظرية تعتبر الوجود المادي للآخر مجرد فرضية، وبالتالي فهو مجهول الهوية حُكمًا

الأربعاء، 6 نوفمبر 2019

الذات الفاعلة والآخر المختلف!(2).

0 تعليق



نظرية لا تُفسِّر الوجود إلا بطمس بعض معالمه، لا يصح اعتبارها نظرية لكل الوجود!
ودستور لا يستوعب البشر إلا بسحق بعضهم، لا يصح اعتباره دستورًا لكل البشر!
فلو أن نظرية علمية، اشترطت استثناء الحديد من  معادلاتها، لكي تتعامل مع المعادن..، فإنها في أحسن الأحوال ستحصل على وصف: نظرية قاصرة أو ناقصة!
أو أن نظرية اشترطت استثناء المشتري، لكي تضع معادلة لفهم ووصف الكواكب..، فهي نظرية قاصرة أو ناقصة!
كذلك لو أن أحدهم جاء بدستور، وادَّعى أنه يصلح لكل البشر وأنه صالح لكل زمان ومكان، ثم اشترط قتل أو إكراه أو سلب إرادة كل من لا يقتنع بهذا هذا الدستور..، فإن مثل هذا الدستور لن يحصل حتى على صفة " دستور قاصر أو ناقص"، لأن وصفه الصحيح هو أنه: دستور وهمي عبثي لا إنساني استبدادي إجرامي بربري همجي كاذب مزور فاشل!
- المنتحرون دون تردد، والذين تسيل دموعهم دون تكلف، عند اصطدامهم الفردي المباشر بالمأساة العامة..، هؤلاء يفرضون احترامهم بدرجة كبيرة لا يبلغها سواهم!
ذلك لأنهم يُجسِّدون الصورة النهائية للمشهد العام في مواقف فردية لحظية صادقة صادمة، متجاوزين مراحل العبث التي يتنافس حولها ويسعد بها الواهمون!
- المنتحرون هم أناسٌ صادقون مع أنفسهم، لكنهم لا يستطيعون البُكاء عند الحاجة إلى البكاء، لذلك يُريقون دماءهم بدل الدموع!
 تكملة الموضوع..
إن حدوث القلق الطبيعي التلقائي، مرهون بنضوج الوعي بشكل طبيعي، فإذا لم ينضج الوعي، امتنع حدوث القلق التلقائي، وهذه حالة طبيعية لا ينبغي تلويثها بفرض القلق من الخارج!
إن القلق يحدث عندما يشعر العاقل بأنه قادر على الفهم والفعل، ثم يصطدم بعجزه عن الفهم والفعل!
إن إقرارنا بوجود الاختلاف بين البشر، وبعدم مسئوليتهم عنه، يُلزمنا بمبدأ:
أنَّ ما يُحسب لإنسان لا يُحسب على غيره!
فما يُبرر مدحنا لبعض البشر، لا يبرر لنا ذم غيرهم!
إن ما استطاع جاليليو وكيبلر ودافنشي وآينشتاين وبوهر وستيفن هوكنج وأمثالهم، تصوره وفهمه وتحقيقه، هو مبرر لمدحهم، لكن من الطبيعي ألا يُعاب على غيرهم عدم قدرتهم على مجاراتهم، والأهم ألا يُكرَه بقية البشر على النفاق والرياء بالتظاهر بقدرتهم على تصور وفهم وتحقيق ما حققه أولئك العباقرة!
هذا ما ينبغي أن يكون عليه الحال في كل المجالات..، لكن مع الأسف ليس هذا هو الحال في مجال المعتقدات- مثلاً!
فالإنسان في هذا المجال، يُذم ويُهان، فقط لأنه لم يستطع مجاراة غيره، أو لأنه لم يستوعب ولم يقتنع بما قالوه!
ثم يُجبر ويُكره على الإقرار بأنه أقل قيمة منهم، أو يُكره على النفاق والتظاهر بأنه قد فهم واستوعب نظرياتهم واقتنع بها!
لنا أن نتصور كيف تكون حياة وسلوك إنسان بسيط، وهو مُكره على الإقرار والتظاهر بأنه قد استوعب واقتنع بكل ما قاله واستوعبه ستيفن هوكنج في الفيزياء النظرية، وما قاله واستوعبه بوهر في فيزياء ما تحت الذرية!
إن سلوك الإنسان المُكره على إظهار القلق، يكون كسلوك الحاسوب المُكره على تشغيل برنامج هو ليس معدًا لتشغيله، فيكون بحاجة لتدخل المشغل في كل خطوة، وفي النهاية يعجز الجهاز عن العمل تمامًا، ويُصبح أداة جامدة- تُستعمل ولا تعمل!
إن التربية والتلقين باسم التوعية، هي في الواقع قتل وتحريف متعمد للوعي الطبيعي، من أجل خلق قلق مزيف لدى الإنسان، يجعله بحاجة دائمة لتدخل أولئك الذين خلقوا لديه القلق المزيف، وهذا ما يفعله الدُعاة مع البُسطاء!
بينما القلق الطبيعي الناتج عن وعي طبيعي، يُحصِّن الإنسان ضد التزييف والتخويف، فلا يقبل إلا إجابة طبيعية مكتملة الأركان عن تساؤلاته، وهو يُفضِّل البقاء في دائرة الحيرة الصادقة على الخروج إلى فضاء الأحلام والاعتقاد!
إن الحقيقة المطلقة التي يستقيم بها الوجود، ربما أمكن استنباطها من حياة الحيوانات، حيث إنها لا تعرف القلق!
الحيوانات تعرف الخوف، والخوف غريزة مرتبطة بالحياة والوعي!
الخوف قلق لحظي، والقلق خوف مستمر!
القلقون ينظرون إلى بقية البشر- الذين يستمتعون بحياتهم- كأن ليس فيها ما يستوجب القلق- على أنهم سُذَّج بُسطاء، لكن ذلك لا ينفي حقيقة أن القلقين يحسدون البُسطاء على بساطتهم، والتي لا يمكن أن تكون إلا حقيقية، فالقلق إما أن يكون أو لا يكون، فهو ليس إراديًا وليس موضوعًا للمزاح!
إن القلق يمكن تصديره رغم أنه مُكلِف، بينما البساطة لا يمكن استيرادها رغم أنها مجانية!
القلق يأتي نتيجة طبيعية لنضوج الوعي، وقد ينشأ القلق بسبب موقف معين أو نتيجة انتباه مفاجئ!
بينما البساطة هي وضع ابتدائي قابل للتغير، لكنه غير قابل للاستعادة بعد التغير!
ولذلك فإن إصرار النخبة من البشر على تأصيل وعقلنة المبادئ، كان لا بد أن يُنتج لدى البُسطاء الكذب والنفاق؛
ذلك لأنه ولكي تسير الحياة لدى جُل البشر، فهي تستوجب البراغماتية واللا مبدئية – حيث إن الالتزام بالمبادئ يصطدم مع المصالح بالضرورة، وحيث إن النخبة من البشر قد افترضوا أن المبادئ عنصر أساسي من الإنسانية، فلم يكن أمام البُسطاء والضعفاء الغير قادرين على دفع فاتورة المبادئ، ومن أجل إثبات انتمائهم للإنسانية، سوى التظاهر بالمبدئية، فكان الكذب والنفاق!
وكذلك فإن ترسيخ الاعتقاد بوجود حقيقة مطلقة مستقلة، كان لا بد أن يُفضي إلى الموت أو إلى الجنون لدى الصادقين!
فإذا كان الإنسان على درجة كافية من الوعي، تؤهله لطرح السؤال، وتبنى مشروع البحث عن الحقيقة المطلقة، بذاته ولذاته، فإنه حتمًا سينتهي إلى الانتحار إذا لم يسبقه الجنون!
وإذا كان الانتحار موتًا ماديًا، فإن الجنون موت معنوي، فالنتيجة واحدة في كل الأحوال!
أما الذين ادَّعوا معرفة الحقيقة المطلقة كمشروع للآخرين، فهم مستثنون من قاعدة الانتحار والجنون، لأن حقيقتهم مصطنعة ومفصلة على مقاسهم؛ ومع ذلك فهم يُبررون ويُشرِّعون قتل الآخرين الذين يتعارض وجودهم مع حقيقتهم المزعومة ..،
وبالنتيجة فإن الحقيقة التي لا يستوعبها الإنسان إلا بالانتحار أو بالجنون؛ والحقيقة التي لا تستوعب البشر إلا بقتل بعضهم، هي حقائق وهمية يرفضها الوجود الطبيعي!
في المجتمعات البشرية الأكثر تمدنًا وتطورًا، بدأوا بإلغاء عقوبة الإعدام مهما يكن جُرم الإنسان؛ وهذا مؤشر على أنهم بلغوا من الوعي درجة، أدركوا معها أن الحقيقة تظل ناقصة ما لم تستوعب الجميع..، وهذه هي أقرب نقطة إلى الحقيقة المطلقة بلغها البشر حتى اليوم!
بحسب القانون الطبيعي، لا يوجد فرق من حيث النتيجة، بين قتل "س" من الناس بحكم القانون، وقتل "ص" على يد إنسان آخر!
الفرق الواقعي هو أن "س" قد قُتِل، لأن جماعة كبيرة قوية من البشر قد أجازوا قتله، بينما "ص" قد أجاز قتله واحد أو مجموعة صغيرة من البشر!
في الحالتين، يكون مبرر القتل هو رؤية بشرية محدودة- قد تكون خاطئة وقد تكون صائبة!
ما أردتُ قوله، هو أن قتل الإنسان للإنسان، ومهما كانت مبرراته وحيثياته، فهو في أحسن الأحوال إجراء تنظيمي للمحافظة على شكل معين للمجتمع البشري، وفق رؤية مجموعة من البشر، لكن لا علاقة له بالحقيقة المطلقة!
فاتفاق المعتقدات والأعراف البشرية، على أن الإنسان هو العنصر المركزي في الوجود، لا يصح معه تشريع قتله بأي حال من الأحوال!
إن الشريعة التي لا تقوم إلا على جثث بعض البشر، لا يصح اعتبارها شريعة لكل البشر!
كما أن النظرية التي تشترط إلغاء بعض عناصر الوجود، لا يصح اعتبارها نظرية لكل الوجود!
الوجود بشكل عام، والوجود البشري بشكل خاص، يبدو كمحاولة عملية فاشلة، لمحاكاة، حقيقة نظرية مفترضة!
الوجود انقسم على نفسه مرتين بسبب الإنسان:
الإنسان، هو أحد عناصر الوجود، تفوَّق بذكائه على بقية العناصر، فتمرَّد الجزء على الكل، حيث أصبح الإنسان يتعامل مع الوجود، كمراقب له لا كجزء منه ..، وبهذا يكون الوجود قد انقسم على نفسه – المرة الأولى!
ثم انقسم الإنسان على نفسه، عندما نصَّب الأكثر ذكاءً من البشر، أنفسهم، أوصياء على بقية البشر- الأقل ذكاءً ..، وبهذا يكون الوجود قد انقسم على نفسه للمرة الثانية!
إن بحث الإنسان الدائم عن الحقيقة، هو إقرار منه، بأنه جزء من مشهد مزيف، وفي أحسن الأحوال هو جزء شبه معلوم من مشهد غامض!
أقول بأن الإنسان جزء شبه معلوم، لأن غيره جزء شبه مجهول، فالإنسان يمتلك اللغة، ويستطيع التعبير عن ذاته دون حاجة لإخضاعه لتجربة معملية، لكنه يظل تعبيرًا ناقصًا إما بسبب نقص المعرفة، أو عدم الرغبة، أو ضعف اللغة، أو غياب المصداقية التامة!
أما غير الإنسان، فكلها أشياء لا نعرف عنها إلا ما استطعنا انتزاعه منها دون إرادتها، وبقدر معرفتنا بخصائصها، ولذلك فهي أقرب إلى المجهول منها إلى المعلوم!
هذا كله، يُعتبر واقعًا ماثلًا بالنسبة للبعض منا، لا يمكن تجاهله أو نسيانه!
والبعض الآخر من البشر- الذين لا يرون هذا الواقع الماثل-، لو أنهم تمكنوا من استحضار هذا الواقع على صورة حقيقة في أذهانهم، لما أصبح الاختلاف الطبيعي مصدرًا للخلاف المصطنع

الجمعة، 1 نوفمبر 2019

الذات الفاعلة والآخر المختلف!(1).

0 تعليق


الطبيعي هو التعامل المنطقي مع الواقع، وذلك باستعمال المعلوم لاكتشاف المجهول!
لكن ذلك لا يكفل السعادة ولا يعتد بالعواطف..، لذلك ظهرت نظريات الوهم!
الوهم هو افتراض مجهول على مقاس العواطف والأحلام، واستعماله لتجاهل المعلوم!
المعلوم هو الواقع، ولأن الإقرار بالواقع هو إقرار بوجود ما لا يُحقق أحلام الواهمين!
لذلك يتعامى الواهمون عن سذاجة النظريات التي يؤمنون بها، لأنها تُمثِّل لهم تحقيق المستحيل، وهو تجاوز الواقع!
نحن بحاجة إلى فقدان جزئي للوعي، لكي نتجاهل مأساة ونفتعل سعادة!
خرج البشر بفضل هذه النظريات من عالم الواقع الكئيب إلى عالم الحُلم السعيد، فنظروا إلى صورة الواقع في مرآة الوهم، فبدا لهم الضعيف قويًا، والذليل عزيزًا، والفقير غنيًا، والميت حيًا، …الخ!
ولذلك فإنه من الصعب- وربما من غير المعقول- محاولة إخراج الواهم من وهمه، لأنه يُعادل إخراج السعيد من سعادته!
إن الواقع مرفوض لأنه معلوم، والحقيقة المفترضة مقبولة لأنها مجهولة!
المعلوم.. لا مجال فيه للوهم والعاطفة والأماني، ومن هنا كان الواقع مرفوضًا!
المجهول.. مجال يتسع لكل ما يمكن أن يأتي به الخيال، ومن هنا كان قبول الحقيقة!
إن الحقيقة هي الواقع، في نظر الذين يصنعون الواقع!
والحقيقة هي نقيض الواقع، في نظر ضحايا الواقع!
والحقيقة هي النتيجة التي تُنصِف الجميع، في نظر الجميع!
أما الحقيقة المطلقة، فهي مفهوم يعكس القلق، والقلق هو سِمة الحياة الذكية- التي يُمثل الإنسان الواقعي المنطقي قمتها على الأرض!
يمكن اعتبار الوعي أو الذكاء نقمة على الإنسان، لأنه أنتج القلق، بطرحه لسؤال الحقيقة، وعجزه عن إيجاد الجواب!
كذلك فإن الوعي أو الذكاء قد أصبح عائقًا يمنع الإنسان من قبول الجواب ما لم يكن في صالحه، وذلك لأن الوعي أو الذكاء هو مخترع السؤال، ولا يرضى بأقل من المشاركة في صنع الجواب!
أمر آخر هام جدًا بشأن الذكاء، وهو أن البشر هم عبارة عن أوعية (جمع وعاء) مناسبة لعمل وتطور نوع من الذكاء الطبيعي، وبسبب تعدد هذه الأوعية، أصبح هذا الذكاء يُنافس ذاته، فبدا الذكاء وكأنه ينقلب على ذاته محاولاً وضع حد لتطوره، وذلك لأنه من طبيعة الذكاء رفضه الإقرار بالعجز، فأصبح الذكاء عند "س" من الناس، يرفض الإقرار بعجزه أمام الذكاء عند "ص" من الناس، فنشأت بذلك تشريعات قمع حرية التفكير والتعبير، ولعله من هنا بدأ الصراع على السلطة- من أجل تغليب فكر على فكر!
الإنسان يتميز عن غيره من الموجودات بنوعية الوعي، والوعي هو إطار مناسب لتجميع وتنظيم وحفظ المعلومات والبيانات، بصورة تسمح للذكاء باستخدامها لإنتاج الأفكار!
كل الموجودات الأخرى تمتلك نوعًا من الوعي، وقدرًا من الذكاء، لكنه نوع من الوعي عشوائي ومحدود، يُعيق ذكاءها من العمل والتطور!
الحقيقة المطلقة التي يمكن أن يجتمع حولها البشر، هي عنصر افتراضي، إذا أُضيف إلى معادلة الوجود، يتحول الواقع إلى حقائق لا تحتمل التساؤل!
صراع الإنسان مع البيئة وجهله بها ورفضه الإقرار بالعجز أمامها، هو الذي كان وراء طرحه للسؤال في الماضي، ولذلك جاء السؤال على مقاس جواب افتراضي يُحقق رغبات الإنسان ويُبعد مخاوفه، فأصبح هدفه من البحث هو الحصول على الجواب الذي يُريده، وليس الجواب الصحيح!
ويتضح ارتباط سؤال الحقيقة وجوابها بالبيئة، من اختلاف معتقدات البشر اليوم بحسب اختلاف ثقافاتهم ومستوى معيشتهم ( اختلاف البيئة)!
إن طلب الإنسان للحقيقة، هو تعبير عن قلق ناجم عن صراع بين الشعور بالقوة والإحساس بالعجز!
كل النظريات (المعتقدات) المطروحة حول الحقيقة المطلقة، لم تُعالج القلق الحقيقي، هي عالجت القلق لدى أولئك الذين يتصنعون القلق درءًا لمسبة الغباء!
الواقع يقول إن السواد الأعظم من البشر بُسطاء، لا يتجاوز اهتمامهم يوميات الحياة، لأن وعيهم محدود، لا يكفي لتطور الذكاء وطرح السؤال وإحداث القلق ذاتيًا!
هؤلاء لم يتساءلوا ولم يقلقوا من تلقاء أنفسهم، ولو أنهم تُرِكوا وشأنهم لما تساءلوا ولما عرف القلق لهم سبيلا!
لكن، جاءهم مَنْ أوعز لهم بأن عليهم أن يتساءلوا وأن يقلقوا، وبأن ذلك هو ما يُميز الإنسان عن سواه من الموجودات.
ولأن البُسطاء أعجز من أن يُدافعوا عن بساطتهم، فلم يجدوا بُدًّا من تقليد التساؤل وتَصَنُّع القلق!
ولأن التساؤل لم يكن من إنتاجهم، فكان من الطبيعي أن يكون جوابه كذلك مستوردًا!
ولذلك سَهُل إقناع البُسطاء، حيث لا يتطلب إقناعهم سوى جواب غامض يُربك ذكاءهم الذي عجز أصلاً عن طرح السؤال وإنتاج القلق!
توارث البُسطاء ثقافة استيراد القلق الجاهز والجواب المعلَّب، وتوارث الحُذاق وظيفة تصدير القلق والجواب، وبذلك وجد جُل البشر أنفسهم ملزمين بطاعة وتقديس كل من يدعي امتلاك سر الحقيقة، وهو في الواقع إما كاذب أو أنه ضحية وهم، لا يمتلك سوى مهارة المراوغة وفن التهرب من الجواب الصادق!
لكن بساطة البُسطاء لها وجهان، فهي التي سهَّلت على الآخرين إقناعهم، وهي ذاتها التي تُسهِّل على البُسطاء تجاهل وتجاوز ما تعهدوا للآخرين بالالتزام به، ولذلك يضطر الدُعاة إلى الاستمرار في مخاطبة البُسطاء ترهيبًا وترغيبًا.
إن البُسطاء لا يتصنعون البساطة، فهي طبيعتهم التي لا يتقنون سواها، لذلك وبمجرد غياب الداعية أو الخطيب، ما يلبث البُسطاء أن يعودوا إلى ممارسة حياتهم المَرِحة الخالية من التساؤل والقلق!
إن الذي يدعي امتلاك الجواب، يستطيع إقناع مَنْ يتصنع القلق، لكنه يعجز عن إقناع مَنْ يتملكه القلق!
ولأن من طبيعة الذكاء رفض الإقرار بالعجز ولو كان قائمًا، لذلك يرفض المُدعي الإقرار بضعف حُجَّته أمام المتسائل الحقيقي الباحث عن الحقيقة، فيلجأ إلى المراوغة بتخوينه أو اتهامه بالضلال، أو محاولة الإيهام بأن الإله لم يشأ هدايته – وكأنما يطلب منه مقاومة مشيئة الإله، .. إلى آخره من المراوغات التي لا تحجب عيوب المُدعي، بقدر ما تُثبت الصِدق والأمانة وقوة الحُجة لدى المتسائل- في بحثه عن الحقيقة!
ويُمعن المُدعون بمعرفة الحقيقة، في خداع أنفسهم ومراوغة الآخرين، حتى أنهم يقلبون المعادلة، فيتخذون من تصديق البُسطاء لهم، دليلاً على صحة نظرياتهم!
حيث يُفاخر المُدَّعي، بقوة حُجَّته التي أقنعت أعدادًا غفيرة من البُسطاء، اللاهثين خلف أي تفسير لهذا القلق المصطنع الذي وجدوه أمامهم كعادة متوارثة تستمد قداستها من تعصب الإنسان لأسلافه لا من علاقتها بالحقيقة!
إن قلق الذين يتصنعون القلق، لا يتعدى قناعتهم الآنية بضرورة اتخاذ قرار يواكب تسارع الزمن- قبل فوات الأوان- فمحدودية الأعمار في نظرهم لا تسمح بالانتظار!
ومن هنا نجد أن كل جماعة بشرية اعتنقت النظرية المتوفرة والمتوارثة لديها، وبسبب غياب البديل لا بسبب حضور البرهان!
إن حاجة البشر لنظرية مُبرهَنة تُعطي لحياتهم معنى، وعدم وجود نظرية مطلقة، أوجدا فراغًا فكريًا، جعل كل جماعة بشرية تتمسك بنظريتها، وتسعى لإثبات صحتها وتغليبها على ما سواها، وبذلك انطلقت الصراعات العقائدية!
من الطبيعي أن عدم وجود منافس لإنسان أو لنظرية ما في مجال ما، يجعلها تحتكر الحقيقة في ذلك المجال، مهما كانت عيوبها!
لكن مجرد وجود المنافس- مهما كان ضعفه-، سينتقص من حقيقة الطرف الآخر!
لذلك كانت الصراعات العقائدية نتيجة طبيعية وحتمية لوجود التنافس، وهدفها إلغاء المنافس!
لكن اختلاف البشر كان وما يزال كفيلًا بإيجاد أتباع لكل نظرية، وبالتالي إعطاء إمكانية وليس شرعية الوجود لكل المتنافسين!
ولأنه لا أحد يمتلك الحقيقة الخالية من العيوب، لذلك أصبح تركيز المتنافسين في مجال الحقيقة ينصب على تضخيم عيوب الآخر!
قالوا في مدح نظرية الديمقراطية مثلاً، أنها أسوأ نظام باستثناء جميع الأنظمة! وذلك لأنها تتفرد بمزايا حسنة لا يستطيع منافسوها إنكارها، لكنها ليست خالية من العيوب!
الصراعات العقائدية حولت النظريات إلى أيديولوجيات!
النظرية عبارة عن وجهة نظر تفترض الصواب، مطروحة للنقاش، تقبل النقد والتصحيح، تهدف إلى حل مشكلة!
بينما الأيديولوجية، هي وجهة نظر تعتقد الصواب، مطروحة للتنفيذ، لا تقبل النقد والتصحيح، تهدف إلى تغيير واقع!

الأربعاء، 7 مارس 2018

ما لا يمكن تخيله لا يمكن تصديقه!

0 تعليق


من الثّوابت الكونيّة الضّابطة للمنطق والفطرة البشرية:

أن كل ما لا يمكن تخيله لا يمكن حصول التصديق به،

وكل ما لا يحصل تصديقه لا يحصل الالتزام بمقتضياته!.
 لماذا توجد مراقبة ومحاسبة وعقوبات للمؤمنين، في

الحياة الدنيا؟

لأن المؤمنين عادةً لا يلتزمون بمقتضيات ما آمنوا به،

فيصبح إيمانهم مجرد ستار يُخفي حقيقتهم!

ولماذا لا يلتزم المؤمنون بمقتضيات الإيمان؟

لأن الإيمان بأي أمر لا يعني التصديق به، وكل علاقة

دون التصديق، فهي لا تُحقق التزامًا ذاتيًا لدى الإنسان!

بينما كل ما يُصدِّق به الإنسان، يلتزم بمقتضياته فطريًا

دون الحاجة لرقيب أو حسيب ..

لماذا لا يجرؤ البشر على تجرع السم عمدًا؟

لأنهم لا يؤمنون بأنه قاتل، بل يُصدِّقون بأنه قاتل!

وإذا قرر الإنسان تجرع السم، فلا تردعه مراقبة

ولا تهديدات ولا عقوبات، لأنه يكون مُدرِكًا لما يفعل!

كل ما يعتنقه الإنسان من وراء المنطق والفطرة، يظل

افتراضيًا في ذاكرته، فلا يجد صعوبة في تجاهله

وتجاوزه لأتفه الدوافع والأسباب!

المعتقدات الدينية تستعمل مفهوم الإيمان بالله لا مفهوم

التصديق بالله، لأن الإله لا يمكن تخيله ..، ولذا عادة ما

يكون التركيز على ذكر وتعظيم وتقديس الرُسُل أكثر من

التركيز على الإله ذاته، باعتبار أن الرُسُل يمكن تخيلهم،

وبالتالي يمكن التصديق بوجودهم، ومن خلال التصديق

بالرسل يأمل رجال الأديان في حصول عملية التصديق

بالله لدى البشر – وليس فقط الإيمان به ..،

لكن التصديق بالرُسُل لا يسد حاجة البشر الفطرية

لتخيل الإله ذاته، لكي يحصل التصديق بوجوده!

فالتصديق بأي أمر مرتبط شرطيًا بالقدرة على تخيله

هو مباشرة لا من خلال غيره ..، وهذا الشرط غير قابل

للتحقق في حال الإله العقائدي، ولذلك يتم الاكتفاء

بالإيمان، فلا يحصل الالتزام، وتلك نتيجة حتمية لعدم

التصديق!.
المؤمنون بالأديان وغير المؤمنين بها، الكل يُسلِّم

بوجود سر خفي خلف هذا الوجود الظاهر ..

والجميع متفقون تلقائيًا على وجوب أزلية هذا السر ..

لكن السؤال والاختلاف يدوران حول ماهية ذلك السر،

ومكان تواجده، وهل له غاية محددة، أم هو مجرد قوة

ذكية عمياء؟

المعتقدات الدينية المتعددة المتجددة، جميعها عبارة

عن نُسخ مختلفة لنظرية فلسفية واحدة، وُضِعت أساسًا

لتفسير ظاهرة الوجود والحياة، لكنها أخفقت في ذلك،

كما أخفقت كل النظريات العلمية حتى الآن ..

المعتقدات الدينية عجزت عن إجابة سؤال الإنسان حول

سر الوجود، فتركت الوجود والتفتت إلى الإنسان،

وتركت السؤال وتوجهت إلى السائل ..، فحمَّلت الإنسان

المسئولية عن ضعفه الطبيعي وجهله اللا إرادي بأسرار

الوجود، ووجدت أن أسهل جواب للسؤال هو قمع السائل

ومنعه من طرح السؤال ..

تحولت المعتقدات بذلك من نظريات فلسفية قابلة للنقاش

حولها، إلى ضوابط أخلاقية تفرض نفسها على البشر

بحجة القداسة، وتعدهم بحياة أفضل قبل الموت وبعده ..

واعتنقها جُل البشر طمعًا في وعودها، ورهبةً من

غموضها ..، لكنها أخفقت هنا أيضًا، فلم تحقق ما قبل

الموت ولم تبرهن على ما بعده ..، بل وأصبحت سببًا

للعداوات والمآسي، وأكثر من ذلك أصبحت وسيلة بيد

الحذاق للسيطرة على البُسطاء وتجنيدهم لمواجهة

خصوم الفكر والسياسة والاقتصاد والعِرق!

القواسم المشتركة بين المعتقدات كثيرة، منها أن كل

قوم يسخرون من معتقدات غيرهم ويرونها ساذجة!

المعتقدات تقوم على وضع قراءات ضبابية مراوغة

لكل شيء، لتستوعب بذلك كل جديد تكتشفه المعرفة

البشرية عبر تطورها الطبيعي، وتنسبه لها!

المعتقدات تقوم على تقديس أشخاص، والتعصب لهم

في كل ما يقولونه دون إعمال للفكر ..

ولهذا انحرفت كل المعتقدات دون استثناء، وتشرذم

وتصادم أتباعها بمجرد موت شخص الرسول!

ولا زال القائمون على كل المعتقدات يحرصون كل

الحرص على منع أتباعهم من إعمال الفكر ..

هل الخلل في البشر أم في المعتقدات؟ معلوم أنه لو لم يكن هناك خلل طبيعي في حياة البشر

ووجودهم، لما كانت هناك حاجة للمعتقدات ..

ولو لم يكن هناك خلل طبيعي في حياة الشعوب، لما كانت هناك حاجة لوجود سلطة تشريعية وتنفيذية لمعالجته، فإذا كان 80% من الشعب ملتزمين بالقانون، و20%

مجرمين مخربين خارجين عن القانون ..

فمن الذي من وظيفته وواجبه وبمقدوره حماية البلاد

من هؤلاء الـ 20% ؟

وما حاجة كل الدول بالشرطة والأجهزة الأمنية، لو كان

بإمكان الشعوب تأمين نفسها من الخارجين عن القانون-

من الداخل والخارج؟ فرجال الأديان يُحمِّلون البشر المسئولية عن عدم نجاح

الأديان، وفي ذات الوقت يُحرِّمون عليهم تفسير الكتب

الدينية بأنفسهم !.
 كيف أخفقت المعتقدات في تفسير ظاهرة الوجود؟

أخفقت من حيث أنها لم تستطع برهنة وإثبات الفكرة

التي تقوم عليها ..، فلم تُقنع بحُجتها المفكرين، ولم

تحل بها مشاكل الآخرين الذين اعتنقوها دون تفكير!

النظريات العقائدية، لكي يكون تفسيرها لظاهرة الوجود

تفسيرًا منطقيًا مقنعًا، ربما كان يتوجب عليها أن

تفترض أحد أمرين، وهو ما لم تفعله ..

كان عليها أن تفترض:
 - أن الإله غير كلي القدرة، فهذه فرضية يمكن أن تفسر

الوجود عقائديًا إلى حد كبير، لكنها تنزع عن الإله صفة

الإلوهية المطلقة ..

- أو أن تفترض أن الإله قد أوجد الوجود، وضَمَّنه

قوانين منطقية صارمة، ثم انفصل عنه بالكامل
، بحيث

أن الإله لا يعلم الآن ما الذي يجري في هذا الوجود ..،

أو أن الإله لم يخلق هذا الوجود بنفسه، إنما كان قد كلَّف

غيره بخلق هذا الوجود، وأن الإله لا يريد أن يعلم شيئًا

عما يجري الآن
، وسيرى النتائج لاحقًا ..

هذه الفرضية تسد الكثير من الفراغات المنطقية في

النظريات العقائدية ..

فبذلك يكون هناك معنى للحياة وغاية من الوجود ..،

لكن لا معنى للقول بأن الإله ينتظر اكتمال أحداث

الوجود، بينما كل الأحداث والنتائج معروفة لديه مسبقًا!

كما تجيب هذه الفرضية منطقيًا عن سؤال المظالم

والمآسي والآلام والأخطاء التي تحدث في الوجود!

كذلك تُفسِّر هذه الفرضية عدم استجابة الدعاء!

أيضًا هذه الفرضية ستفرض على البشر الالتزام

بما يؤمنون به، حيث لن يكون هناك من يدَّعي القدرة

على التكهن بالنتيجة – طالما أن الإله ذاته لا يعلمها

الآن ..

وبذلك يوضع الناس أمام مسئولياتهم وضمائرهم،

لا خلف فتاوى وتفاسير فقهائهم - كما هو حاصل الآن ..

وتتوقف بذلك ممارسة الوصاية على البشر باسم الله

والدين، حيث لا أحد يمكنه ادعاء قبول إيمانه هو،

ليكون قدوة أو مرجعية لغيره