face like

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

الصفحات

‏إظهار الرسائل ذات التسميات اسباب تركي للاسلام. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات اسباب تركي للاسلام. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 1 مارس 2023

لماذا نترك أثرًا في حياةٍ نرفضها؟

0 تعليق


- لا أفهم لماذا يُحارَب التدخين وشركات صناعة التبغ، بينما يحارب فقط الإرهاب ولا تحارب شركات صناعة الإرهاب (المعتقدات) ..، مع العلم أنه حتى محاربة التدخين ليست مبررة، فهو شأن شخصي، ويمكن للآخرين اجتناب مضاره، بينما الإرهاب ليس شأنًا شخصيًا ولا يمكن للآخرين اجتناب مضاره – فلا مضار له إلا على الآخرين! كيف يتم تغريم بشر بمليارات الدولارات بسبب تمثيلهم لشركة أنتجت ما قتل إنسان، بينما لا يتم تغريم بشر مثلهم يُمثلون أُمَّة تُنتج ما يقتل آلاف البشر كل يوم؟ - كل تضحية بالنفس هي نوع من الانتحار، هي نزعة فطرية للموت – للتخلص من إرهاق الوعي – كالنزوع للنوم للتخلص من إرهاق اليقظة .. شعارات التضحيات ومبرراتها مجرد أقنعة ومحفزات .. ما يجعل الانتحار التقليدي مرفوضًا هو فقط كونه سافر الوجه جاحظ العينين خالٍ من المجاملة، وهذه هي مأساة كل حقيقة، فالحقائق مرفوضة لخلوها من الغموض والكذب الذي هو أساس كل قيمة وكل أمل في الحياة .الذين يُضحُّون بأرواحهم لا يرون نتائج تضحياتهم، والذين يأتون من بعدهم يرون عبث تضحيات السابقين ولا يرون عبث تضحياتهم هم، لذلك هو مستمر مسلسل عبث التضحيات بالأرواح من أجل لا شيء .. إذا تكررت الحياة وعُرِضت نتائج التضحيات، فإن الذين انتحروا بلا مواربة – فقط تحت عنوان تخليص الذات من عبث الحياة – هؤلاء وحدهم من سيعيدون الكَرَّة! - الطاعة التقليدية للوالدين مثل العبادة التقليدية للآلهة، كلاهما قمع للفطرة ودفع للمنطق بالاتجاه المعاكس .. الصواب أن يعتذر الآباء للأبناء والآلهة للأحياء عن ظلمهم لهم بالحياة، لكن لعل استحالة وجود اعتذار يناسب حجم المأساة هو ما دفع البشر إلى قلب الآية، فَسنُّوا سُنةً تُناقِض الفطرة، إذ ألزموا المظلوم بشكر الظالم، مفترضين أن في تمرده الحتمي من العزاء ما يعوضه، فالتمرد يولد لدى البلهاء داخل سجنهم شعورًا زائفًا بأنهم قد انتقموا لأنفسهم بأن ناموا مراتٍ على جنوبهم وليس على ظهورهم دائمًا كما أمرهم سجانهم! - جادّاً لا من باب التهكم أقول: إنني أشهد بأن في عنق كل من يحترم نفسه، واجب امتنان للحركات الإسلامية، لتذكيرها لنا على الدوام بوجوب مغادرة الحياة باعتبارها عبثية بشعة كريهة لا تليق بمن يحترمون أنفسهم .. من في العالم اليوم لا يعلم ببشاعة سلوك الإسلاميين في كل مكان ضد حياة وحرية وكرامة الإنسان؟ .. ويتم ذلك باسم الحق والأخلاق .. ليست الحياة كريهة بسبب وجود الإسلاميين فيها، بل هي دائمًا كانت كذلك، لكننا نغفل عن هذا أحيانًا، وأحيانًا أخرى نبدو كمن يتحجج غريزيًا بمسئوليات اجتماعية وواجبات إنسانية تطيل مدة بقائنا في الحياة أكثر مما ينبغي، وما تلك الذرائع وغيرها سوى أضغاث أفكار ودلالات جهل وضعف ..، فحاجة أبنائنا لنا كانت عدم إنجابهم وليس التباكي عليهم بعد وقوع الجريمة ..، وإصلاح البشرية لا يتحقق إلا أن تفرضه الطبيعة فرضًا لا باتفاق البشر، فالعبث سمة الحياة والبشر كغيرهم من الكائنات، فلا مبرر للحياة إذن سوى الغباء أو العبث ..، ولعل أسوأ مبررات الحياة هو الاعتقاد بأنها إجبارية لا اختيارية، فهذا يُفرغها من كل معنى ممكن، إذ يجعل الإنسان فيها شيئًا من الأشياء لا حيّاً من الأحياء .. لذلك أقول إن الإسلاميين رُسُل الطبيعة لتذكير الغافلين، كي لا يلوم الكريم إلا نفسه حين يُهان في حياة قوامها المهانة والعبث ..، ما يُميِّز الإسلاميين هو تحطيمهم للمنطق دون مواربة – تحطيمه لكونه صواب لا لكونه خطأ .. تحطيمه بقصد تحطيمه لا بزعم إصلاح الحياة كما يدعي غيرهم! إن الحياة إما أن تَقتل أو تُقتل أو أن تعيش صاغرًا .. مغادرة الحياة ليست جبنًا من مواجهة أعداء ولا هروبًا من أداء واجب، لكن أن تَقتل أو تُقتل هو سلوك حيواني لا يليق بالإنسان، وهو ما يفعله البشر منذ أن وُجِدوا على الأرض ودون جدوى ..، أن تقتل غيرك هو أمرٌ أسهل من أن تقتل نفسك، لكن نسبة أن تكون مخطئًا بقتلك لغيرك لا يمكن أن تكون صفرًا، أما أن تقتل نفسك فيمكن أن تكون ..، لذلك كان قتل الذات دائمًا أصعب من قتل الغير، ولذلك كان الانتحار دائمًا سلوك النبلاء والصادقين، فهو خالٍ من الطمع والرياء، وخالٍ من كل شك وتوهم .. واقعيًا ومنطقيًا لا يمكن وصف المنتحر إلا بأنه شجاع، وليس كل المنتحرين فاشلين – فمنهم أنجح الناجحين، ودينيًا ينبغي تحريم وصف الانتحار بأنه فشل في الحياة، فإدانة المصنوع بالفشل تعود على الصانع "الخالق" .. فإذا كان ولا بد من وصف الانتحار، فينبغي وصفه بأنه نقد ورفض وتحدٍ من الحياة لإرادة الوجود .. لكن يبدو جليًا وجود من يهوون ممارسة الغباء بيننا، ولديهم المقدرة على ذلك، ومنهم من يبدعون- لعل الجبن والضعف والجهالة والأوهام أسبابهم، لعلهم معذورون! - سلوك العالم المتقدم حيال ما يجري على الأرض اليوم، لم يعد وصفه بالمتحضِّر والمتمدن ممكنًا، إنه سلوك الجبناء والأغبياء والعابثين بكل بساطة ووضوح! - نحتاج إلى جنون رحيم على غرار الموت الرحيم، فالعقل عند وجوب الجنون كما الحياة عند وجوب الموت! - ليس أسهل ولا ألذ من العبث، خاصة أنه لا يحتاج إلى سبب ولا تفكير .. هكذا بهذه البساطة يجد الإنسان نفسه عاقلاً ومتورطًا في الحياة بمسئولياتها وتساؤلاتها، وهو عبارة عن نتيجة عشوائية لعبث غيره وعدم درايتهم وعدم اكتراثهم بعواقب ما يفعلون .. هكذا بهذه اللا مسئولية أنجبونا وكررنا نحن الخطأ .. كأن الكل ينتقم من أبويه بإنجابه لبنيه .. يعشق الرجال والنساء بعضهم فيُنجبون حاضنات مآسٍ! أن يولد الإنسان فذلك مجرد عبث بالنسبة للوالدين، لكنها أم الكوارث بالنسبة له – كل المآسي مجتمعة في حدث .. ولادة الإنسان مثل الفقر، كل ما يعقبها نتاج لها، لا معنى للبحث عن أسباب أخرى، ولا توجد تفسيرات منطقية لمآسٍ ناجمة عن عبث وعشوائية .. إذا أُغلِق باب النقاش حول إمكانية الرجوع إلى ما قبل الحياة، فالخيار المتبقي هو القفز مباشرة إلى ما بعدها .. الحياة مجرد ميدان لسخرية الإنسان من نفسه وعبثه مع غيره .. أي إساءة يتلقاها المرء خلال حياته لا يصح أن توصف بغير المزاح، ولا ينبغي أن تثير فيه غير الضحك .. أليست مزحة أن يُساء إلى إنسان قابع في جهنم، برميه بحفنات من جمرها على وجهه وعلى قفاه؟ وهل يمكن أن يُساء إلى إنسان قابع في الحياة، سوى برميه على وجهه وقفاه بحفنات من مكونات الحياة؟ الإساءة هي إدخال الأول إلى جهنم والثاني إلى الحياة، وليس ما يترتب على الدخول .. ردُّ العبثِ بعبثٍ مثله عبثٌ مثله .. رد الإساءة يكون برفضها، بمغادرة مكانها، بقطع طريق عودتها – لا بتبادل شتائم العبث في موطنه ومع أهله .. رد الإساءة كبير بكِبر حجمها، لذلك ينتحر الكُرماء ولذلك لا يقوى على الانتحار كل من شاء! - كل ما نفعله لأجل الحياة لا يكون إلا تقليدًا لآخرين .. كل مَن كوَّن رأيه الخاص كَفَّ عن فعل شيء يربطه بالحياة التقليدية ..، هذا الرأي الخاص هو الفلسفة .. عادةً تقود الفلسفة الإنسان إلى ترك الخيار للحياة تفعل به ما تشاء، لتنقلب بذلك الأدوار، فتبدو الحياة حريصة على بقاء الإنسان – لا العكس كما هو سائد ومعتاد .. - الفلسفة ليست خيارًا خاضعًا لإرادة الإنسان .. كل إنسان يتفلسف مثلما أنه قد وُلِد .. الفلسفة مسار حياة باتجاه معين أو إلى نهاية محددة .. الفلسفة التي توصف بأنها لا منتهية هي تلك التي ترسم مسارًا واحدًا ومصيرًا واحدًا لكل البشر، والممتنع فيها أو اللا منتهي هو جمع البشر وليس ثمرة الفلسفة .. الفلسفة شأن فردي بحكم الواقع لا بحكم الفكرة .. - أتباع بعض الديانات يختلقون الذرائع لقتل البشر بينما يُسمُّون أنفسهم رُسُل الحقيقة والسلام، ويعتقدون ذلك .. ما يبدو لنا مفارقة وجهلًا وهمجية في هذا السلوك، قد يكون عين المنطق والعلم والإنصاف بالنسبة للحقيقة من منظور قوانين الطبيعة والوجود .. كيف ذلك؟ في كل الأحوال الحياة تخلو من المنطق والمبررات ولا تليق بمن يحترم نفسه – إذا كنا جادين وقادرين على ممارسة الصدق الصارم مع أنفسنا .. لكن استتباب السلام وسيادة القانون، قد يزيفان المشهد ويُخفيان عنا حقيقة الحياة التي نعلمها، حتى يتوهم الكل بأن الحياة منطقية ومبررة، وتضعف بذلك دوافع مغادرتها، ويجد المنطقيون أنفسهم يمارسون الحياة كغيرهم – لا عن قناعة لكن لفقدانهم حماسة المغادرة .. إجلاء هذا الوهم هو ما تطلب وجود رُسُل السلام لقتل السلام، كي لا ينخدع بالحياة من لا ينبغي خداعهم .. - للمذاهب الدينية اليوم، وظائف أساسية ثلاث، هي أهم وأوضح ما يمكن ملاحظته على الواقع: فرض طاعة من لا يمتلكون ما يُبرر طاعتهم .. فرض قتل من يمتنعون عن ارتكاب ما يُبرر قتلهم .. فرض كراهية من لا يفعلون إلا ما يوجب محبتهم! - امتثالك للتعاليم الدينية يعني أن تجد لك طريقة عاجلة للموت - غير الانتحار، أو أن تجد سبيلاً للجنون لتُرفَع عنك أقلام السيد وسياط العبيد! - الاعتقاد هو كأن تُصدِّق بأنك مؤتمنٌ على حقيبة تحوي نفائس دون أن تراها ..، والإيمان هو ألا تُفكِّر بفتحها لتتأكد من محتواها حتى لو قالت لك كل المؤشرات بأنها فارغة .. ما يجهله هذا المؤتمَن الحريص على أمانته المفترضة، هو أنه تجوز محاسبته على فقدان النفائس حتى لو كانت الحقيبة فارغة أصلاً، لأن اتفاقية الاعتقاد لا تنص على المحافظة على الحقيبة بغض النظر عن محتواها، إنما تنص على الشهادة والإقرار باحتوائها على نفائس! - أجمل علاقة تربطنا بالحياة تكون في المرحلة التي لا نعرفها خلالها - تلك التي تسبق العقل والوعي - ربما لأنها الأقرب إلى أصلنا .. الغيبوبة، الموت، اللا وجود، وهي العلاقة الوحيدة التي يمكننا تبريرها باعتبارنا غير مسئولين عنها! - لست قلقًا بشأن نسيانها، فحيثما ذهبت وجدت ما ومن يُذكِّرني بأسباب رفض الحياة واعتزال البشر! - السؤال لماذا وُلِدت، الجواب لكي تموت، وكل ما بينهما مجرد أنواع مختلفة من الحشو لملء الفراغ! - قِلةٌ من البشر تربطهم علاقة جيدة بالحياة مدة إقامتهم المؤقتة فيها أو إقامتها المؤقتة فيهم – شواذ قاعدة .. أما سوادهم فهم بين مرفوضٍ من الحياة ورافضٍ لها! - من حيث المبدأ، كل عاقل لا بد أن يرفض الحياة، فالمنطق يمنعنا من قبول ما نُقحم فيه دون استشارتنا ولا نعلم له مغزى، لكن غالبية البشر يواصلون الحياة حتى النهاية لأسباب مختلفة ..، فالأحرار المُنعَّمون ليسوا مضطرين للمغادرة قبل أن يتشبعوا بالاستمتاع بما وجدوا أنفسهم فيه من عبث ممتع، وكثيرون منهم غادروا مختارين وتركوا المُتع بعد أن تشبعوا فكرًا أو ثراءً .. المتورطون في حياة غيرهم مضطرون للتمديد قدر إمكانهم ..، وهناك المرعوبون من فكرة الموت بسبب ضعفهم وسطحيتهم، فهؤلاء لا خيار لهم سوى انتظاره ليقتحمهم رغمًا عنهم كما اقتحمتهم قبله الحياة ..، وأما الأكثرية فهم الذين يَحملون الحياة لا يمارسونها - لا يشعرون بها بقدر ما يخوضونها نيابة عن غيرهم لا أصالةً عن أنفسهم - الذين يعتقدون أنهم مأمورون بالحياة لا مُزوَّدون بها! - لماذا كانت الحياة؟ لأنها أحد احتمالات الوجود الكثيرة! - لماذا كان الموت؟ لأن التغير هو أساس الوجود، وهو الذي أوجد الحياة، فكان لا بد للتغير من أن يوجِد الموت كآخر تغير في عملية الحياة! - لولا خيار الانتحار، لأصبحت أسطورة الألم الذي لا يُطاق حقيقة ماثلة حتى قبل أو دون حدوث ألم! - إذا قرأنا فلسفة الحياة والموت في ضوء الرؤية الدينية للكون، فإن الفكرة والغاية الأقدر على إقناعنا، هي فقط ممارسة الإله للموت خارجه - باعتبار أن الموت هو الشيء الوحيد الذي لا يمكن للإله ممارسته على نفسه! - دينيًا، لا ينبغي استبعاد فكرة أن تكون خطيئة الإنسان هي فقط تشبثه بالحياة، حيث لا يوجد مبرر منطقي للحياة سوى خوض تجربة الموت، وربما كان التعجيل بالموت فضيلة! - الداء أن نولد والشفاء أن نموت والحياة دواؤنا المُر! - داء البؤساء غير مبرر فجاء دواؤهم الأشد مرارةً! - أن نولد يعني أن يتم تلقيحنا بالموت .. منا من يتحمل آلام حمل موته، ومنا من يُفضِّل إجهاضه! - ما يربطنا بالحياة هي جهالة نُسميها حب المعرفة! - حب المعرفة مثل اعتناق المعتقدات، قد يصلح لملء فراغات الحياة لكن ليس لتبريرها! - الحقيقة تتغير في نظر الإنسان الفرد مع تغير مراحل حياته، وكذلك تتغير الحقيقة بتغير الأجيال والعصور .. القول بأن هناك دائمًا ما لا نعرفه عن حقيقة الوجود، يعني أن كل ما ينقضي من أحداث يُختم بختم العبث .. الماضي مجرد بنية تحتية وتمهيد للمستقبل دائمًا .. لا يظهر مذهب ديني إلا بطعنه في حقيقة مذهب سابق .. أحدث نسخة من الحقيقة سيدركها آخر جيل من البشر! - لسنا من يقرر الوقوف أو عدم الوقوف عند بوابات الحقيقة، بل هي التي تستوقف بعض البشر دون غيرهم! - إذا لم نجد خارج السجن ما يستحق لهفتنا للخروج، فذلك لا يُبرر لنا إنكار فضل من ساعدنا على الخروج! - لم أفهم ماذا كان يقصد شيوران بهجره للفلسفة ودعوته لرفضها وقوله بأن لا فائدة منها أو لا قيمة لها! هل الفلسفة سوى وجهة النظر؟ ألا يعني الكف عن الفلسفة الكف عن الكتابة والكلام؟ الكف عن الفلسفة يعني المعاناة في صمت! فهل توقف شيوران يومًا عن إبداء وجهة نظره في الإنسان والوجود والعالم والحياة؟ - الوظيفة الأساسية للفلسفة هي أن نعرف بواسطتها المحطات الوهمية في طريق الحياة، فلا نتوقف عندها! - ليست الفلسفة عاجزة عن توجيهنا إلى طريق الوجود الخالي من الإشارات الخادعة، بل نحن العاجزون عن سلوكه! كل منا ينأى بنفسه عن أن يكون الأول أو الوحيد السالك لدرب النجاة الصامت .. إننا وبسبب ضعفنا نفضِّل درب الهلاك الصاخب بضجيج الضحايا على درب النجاة الموحش بصمته فقط! ربما لهذا السبب قال شيوران بأنه لا حاجة بنا للفلسفة! - التعليم الموجه هو تحويل للإنسان من انبثاق طبيعي إلى صناعة بشرية - من كيان أساسي إلى كيان فرعي! - التعليم الطبيعي لا يتجاوز تعلم القراءة والكتابة! - لا يقلقني وجود المجرمين في الحياة، فالمجرم حيوان مفترس، مقابلته تكون عادةً مرة واحدة تنتهي بموت أحدنا، ويمكن اجتناب هذه المقابلة دائمًا .. لكن يقلقني وجود الأغبياء، فالغبي لا يقتلك لكنه يجرحك كلما قابلك، وأنت لا تستطيع وخزه لتجعله يشعر بجُرمه فهو لا يشعر، ولا يمكنك إلا مقابلته دائمًا – نظرًا لتوفره في كل مكان باعتباره أليفًا! - من الوهم الاعتقاد بأن البشر عاجزون عن التفاهم، فهو ممكن حتى بتقليد الحيوانات، لكنه مرفوض لأنه يُسفِّه تفاضلهم الزائف الذي يُبرر تنافسهم العبثي! - الحيوانات لا ترتكب فعل القتل إلا من أجل الحياة .. وتلك دلالة على التوافق التلقائي بين الحياة واللا عقل! يتفرد الكائن العاقل بقتل جنسه لأجل الموت .. هذا التفرد يُخبرنا بطبيعة العلاقة الوجودية بين العقل والحياة، بوصفها علاقة رفضٍ متبادلٍ ميدانها الإنسان! - كل ما يُنجزه الإنسان يمكن إدراجه تحت عنوان: محاولات اللحاق بالحيوان .. فالطبيعة زودت الحيوانات بكل ما تحتاجه مباشرة، بينما زودت البشر بإمكانية تقليدها لصنع ما يحتاجونه .. لذلك نجح البشر نسبيًا في صنع ما هيأتهم الطبيعة لصنعه وسبقتهم الحيوانات لفعله، وفشلوا كليًا فيما افترضوه لأنفسهم من خصوصية الكرامة والرسالة! - تقديس الحياة يستوجب تقديس الدعارة عندما تكون سبيلاً وحيدًا للحياة - ولطالما كانت كذلك وهي باقية! - الحياة أشبه بزوج أو زوجة قبيحة الخلقة، تقبيلها يتطلب كف البصر ومباشرتها تستوجب إطفاء النور وإشعال الخيال، بانتظار ظروف مناسبة للطلاق! - تحقيق نجاح في الحياة مثل تصحيح خطأ لغوي في مقالة خاطئة ..، كلما ازداد عدد التصحيحات ازداد الخطأ وضوحًا! - الحياة خطأ وجودي، صححته الطبيعة بالموت! - إذا كان هناك من سيُحاسَبون على حياتهم، فلا شك أن هناك من سيُعتَذَر لهم عنها! - كرامة الإنسان مثل إيمانه، لا يُمثلها في الواقع سوى مكانها الذي يظهر شاغرًا كلما تطلب الموقف وجودها! - لا أحد يكون المتسول وبإمكانه أن يكون المتصدق! - كثرة الكلام عن الأخلاق مجرد نعي لها عند المتكلمين، مثل كثرة كلام الفقراء عن المال، والضعفاء عن القوة! - الزواج نظرية ناجحة لإفشال حياة الرجل، وفاشلة لإنجاح حياة المرأة! - هنالك صنف من النساء نادر الوجود، أولئك اللائي يُدركن كأغلب الرجال أن الزواج مثل الحياة يتطلب جهودًا مضنية وتضحيات مؤلمة فقط للحفاظ عليه! - الزواج خطأ مفتعل، أفرغ حياة البشر من نكهتها الطبيعية، حوَّلها من رحلة ممتعة إلى إقامة مملة! - جُل البشر يفهمون الحياة ويمارسونها على أنها فن تجاوز المِحَن حتى الموت .. ولو سألوا أنفسهم: لماذا؟ لتوقفوا عند أول مِحنة! - البشر تكبروا على الطبيعة، وفشلوا في إيجاد مبرر غيرها لحياتهم، مما اضطرهم لتشريع العبث خلف الكواليس ومنعه أمامها! - دعوة إنسان للإيمان بمعتقد ما، تعني دعوته للشعور بما لا يشعر به ..، وتكفيره يعني تكذيبه – كي لا نقول يعني محاسبته ومعاقبته على شعوره اللا إرادي! - لا يمكن الفصل بين الإسلام والإرهاب، طالما بقي المسلمون يخشون على دينهم حرية العقيدة، ويُخفونه في دهاليز الرِدَّة! - اتفاق فقهاء المسلمين على تشريع حد الرِدَّة، يمنح المتشددين منهم الحق في تمثيل الإسلام دون غيرهم! - الوسطية في الدين وجهة نظر لا واقعية، وحل تلفيقي لمأزق التطرف الحتمي! - الوسطية الطبيعية ممكنة فقط عبر العودة إلى الطبيعة، .. أي .. اعتبار الاعتقاد حقًا – لا واجبًا .. وتقديس حق الاعتقاد – لا تقديس المعتقدات! بسبب لعنة التكفير المنبثقة عن فلسفة حد الرِدَّة، لا غرابة في أن يخسر العرب إسلامهم وعروبتهم معًا، يوجد اليوم ِمن غير العرب مَن بات يُكفِّر العرب، سيعود العرب إلى عروبتهم كُفارًا بعد أن تكون قد ماتت، و لن يذكرهم العالم إلا بكونهم سبب لعنة الإرهاب! - يصبح البشر جنسًا واحدًا، فقط عندما يصبح انتماء كل فرد منهم إلى كوب الأرض لا إلى جزء من الأرض! - عندما تتمكن من كسر حاجز التعصب لديك، سترى أن في قومك ما تبغضه وفي غيرهم ما تحبه، وحينها تعرف سر اللعبة، ولن تكون ضحيتها بعد ذلك! - علاقة الإنسان بالمعتقدات علاقة المسحور بالسحر، والواهم بالوهم! - إذا اعتقدتَ بقدرة صخرةٍ صماء على شفائك، فإنها ستفعل، أو بالأحرى فإن شفاءك سيحصل، أو بالأصح فإن إحساسك سيتجاهل الألم تكيفًا مع حاجتك ورغبتك! - كُتُب التاريخ تختزل قرونًا من الزمان وأجيالاً من البشر في حرف "ثم"، فتبدو أحداث دهر كما لو كانت أجزاءً لقصة واحدة وقصيرة! - كُتُب التاريخ تُقلِّص التفاصيل وتُضخِّم النتائج .. وتُخفي ملايين البشر وتُبرز أفرادًا بلا عيوبهم .. كل ذلك لإيهام الغافلين بحكاية أبطال أسطوريين وأمجاد خرافية صنعها أسلافهم – ليسعوا هم عبثًا لصنعها! - أهم من أن تكون وجهة نظرك صحيحة ومُقنِعة، أن يكون مُجادلك مثلك باحث عن الحقيقة لا مدعي امتلاكها! - المرفوض فطريًا وحده الذي يحتاج إلى قوة تفرضه، ويزول بزوالها! - الالتزام بالدين والقانون لا يعني الوقوف عندهما، بل يعني تخطِّيهما دون لمسهما، حيث إن الوقوف عندهما يعني توقف الحياة - هذا ما يقتضيه الواقع وهذا ما يفعله المتدينون ومحبو الحياة! - البشر ليسوا بحاجة للدين لتنظيم حياتهم، فغرائزهم وحاجاتهم المشتركة كفيلة بذلك، لكنهم بحاجة للدين لافتعال التميز وتبرير استغفالهم واستعبادهم لبعضهم، ولم يُفلح يومًا دين من الأديان في غير ذلك! - ما يحتاجه الناس فعلاً، لا يحتاج إلى دعاية وفرض، يحتاج فقط أن يكون موجودًا، وليكن تحت التراب! - أمام الخطر الداهم، يتساوى الإنسان والحيوان، كلاهما يتخلى عن أقرب الأقارب لينجو بنفسه! - التحضّر الإنساني والإيمان الديني لم يمنعا البشر من الصراع غير الشريف على السلطة والثروة، .. لماذا؟ لأن الظاهر شيء والجوهر شيء آخر .. الظاهر تحضّر وإيمان، بينما الجوهر شعور حقيقي بأنه لا معنى للحياة إلا ما يحققه البشر على حساب بعضهم! لماذا لا يكون الصراع شريفًا؟ لأن الصراع الشريف لا يُفضِّل أحدًا على آخر، بل يمنح ذات الحق لكل الأطراف، حيث لا يوجد طرف يفتقد لكل الشروط ولا يوجد طرف يُلبي كل الشروط! - لم ينجح البشر يومًا في جعل أخلاقهم المفتعلة واقعًا طبيعيًا في حياتهم، كانت دائمًا حدود وهمية لا يتوقفون عندها ولا يتذكرونها إلا بالحراسة المشددة حولها! - عندما تصبح الأخلاق صفة بشرية حقيقية، لن يقبل أحد على نفسه أن يتقدم ليحكم غيره، وستكون كل الصراعات معكوسة - دفاع عن الآخر ضد الذات! - رجم امرأة واحدة حتى الموت، يُثبت أن شيوع النساء أكثر أخلاقيةً وتكريمًا للإنسان من منظومة الزواج! - عندما يكون للمرأة حسابها الخاص بها في الحياة، لتكتب سيرة حياتها بنفسها وتضع صورتها كما تحب أن يراها الآخرون، تصبح أقدر وأحرص من الرجل على فهم وحماية الشرف – باعتباره هو منتهك الشرف! - لا شيء يمكن أن ينجزه عبدٌ لنفسه سوى النيل من سيده - حتى ولو على حساب العبد، فالهدف إذلال السيد لا تكريم العبد، ولعل هذا ما تفعله النساء المستعبدات! - التعاطف والترابط الاجتماعي غريزة عند كل الأحياء، تكاد تموت عند البشر وحدهم، لأنهم أرادوا فصلها عن الطبيعة وتحويلها إلى إنجاز ديني أو واجب أخلاقي! - الحياة الطبيعية هي حياة اللحظة التي تمارسها الحيوانات والنباتات بالفطرة، وليست حياة الزمن التي يتوهمها البشر بسبب خدعة الذاكرة .. حياة الزمن هي حياة المبادئ، والمبادئ هي تلك الأوهام التي تتلاشى عند المآزق والمغانم الكبيرة والمؤكدة! - عدم مرور الإنسان باختبار حقيقي، يجعله يتوهم بأن مبدئيته حقيقة! - إنسان مزاجي يعني إنسان طبيعي بلا قناع – تغيراته الطبيعية يمكن ملاحظتها بسهولة ولحظة حدوثها! - غير المزاجيين هم أناس مزاجيون، يرتدون أقنعة سميكة، تعيق غيرهم عن ملاحظة مزاجيتهم! - حياة جل البشر مجرد قرابين لمعتقداتهم، الكل يبحث عن هدف يُقنعه بتفجير نفسه - جسديًا أو أخلاقيًا! - بسبب قيمة وهمية ضاعت على البشر فرصة حياة طبيعية ذات قيمة حقيقية واقعية! - واضعو معايير الأخلاق مثل واضعي القوانين، لا بد أن يكونوا خارج دائرة تطبيقها! - بعد أن ينتهي كل شيء، ستتوقف كل المآسي والآلام، وتختفي منظمات حقوق الإنسان، لكن ليس قبل ذلك! - الشكل الموحد للبشر خدع الفلاسفة فافترضوا أن كل البشر يفكرون مثلهم، وأفكار الفلاسفة الجميلة عن البشرية أوهمت البشر بأن الفلاسفة مثلهم! - لا يزال جل البشر يجهلون أو يرفضون الإقرار بحقيقة أن الفلاسفة مجرد شواذ للقاعدة البشرية! - عموم البشر يفتقدون للذات الفلسفية الحاملة للشك، ولذلك هم مستوردون جيدون للقناعات المعلبة الجاهزة! - الإنسانية ليست صفة بشرية مثل الحياة على الأرض ؛ الإنسانية شيء أنجزه بعض البشر مثلما أنجز غيرهم الوصول إلى القمر – إن كان أيٌّ منهما قد حدث! - الزواج مسرحية هزلية ممنوع فيها الضحك، تؤدي فيها المرأة دور العبد المُكرَّم، والرجل دور السيد الذليل! - خطؤنا غير مقصود، لكننا مدينون لأبنائنا باعتذار! - من أدخل غيره سجن الحياة، فإن أقل ما يتوجب عليه فعله تكفيرًا عن خطيئته، أن يفتح لهم باب الخروج، ويتحمل وزر انتحارهم كما اقترف إثم إنجابهم! - من أصبح أبًا لم يعد صالحًا لأكثر من ذلك – مجرد مُربي ضحايا أو جلادين، حري به أن يخجل ويندم ويرحل حالما أَدرك جُرمه وأصلح منه ما استطاع، قبل أن يرى من خطيئته ما لا يمكنه تحمله ولا إصلاحه! - أن تنصح أحدهم بعدم الانتحار، يعني أن تعطيه طرقًا متعددة لإضاعة الوقت وتجرع الآلام، بانتظار الموت بطريقة أخرى، هي أشد إيلامًا عادةً! - شروط الموت أصعب من شروط الحياة، إذا تحققت فليس من الحكمة تفويتها، فالحياة بعدها مجازفة! - موت اختياري أمرٌ يمكن تحمله، لكن حياة إجبارية أمرٌ أكبر من طاقة الإنسان! - لو أن أول عاقل تزوج، تكلم وقال الحقيقة وأجاد الوصف، لما تزوج بعده عاقل، .. وكذلك أول أب! - إذا أبدى أحدهم إعجابه بنا أو حبه لنا، فإنه يجدر بنا التريث وكتمان الشعور وعدم الاستعجال بالسرور، فغالبًا ما يكون السبب هو غباءه أو حاجته، وليس فهمه لنا وجدارتنا بإعجابه أو حبه كما نتوهم عادةً! - لا تنفك الحياة تهمس بأذن محاميها: سأفضحك يومًا! - تقبيح البشر للممارسات الجنسية هو تقبيح للحياة، فالمتعة الجنسية وحدها القادرة على تبرير الحياة حتى في الجنة! - الفرق بين قوانين البشر الأخلاقية وقانون الغاب، هو أن قانون الغاب لا يتجاهل ضعف الحيوانات الضعيفة، ولا يُحمِّلها مسئولية ضعفها، فلا يفرض عليها الحياة وفق معايير الحيوانات القوية - لا يُجبرها على الرياء! - فلسفة الحياة هي الحقيقة اللا منطقية – اللعبة الجادة، لهذا السبب يرفضها المبدعون وينتحرون عادةً، لأنهم محكومون فطريًا لا اختياريًا بالحقيقة المنطقية! - الحياة أشبه بمونديال رياضي، مجرد ألعاب ولاعبين، لكن لا بد من وجود حُكام حقيقيين، وبطاقات صفراء وحمراء حقيقية، وتخطيط دقيق للملاعب، ومُدد زمنية محددة للمباريات، .. الخ، .. كل هذا الجِد والتعب من أجل أن تكون الألعاب ألعابًا حقيقية ..، الفائز لا يكسب سوى لعبة، والخاسر لا يخسر سوى لعبة، لكن الفوز والخسارة يبدوان حقيقيين ..، هذا هو السهل الممتنع عند المبدعين في علاقتهم بلعبة الحياة الحقيقية! - كأنما الحياة مؤسسة، عموم البشر مجرد عمال فيها، تهمهم فقط رواتبهم، لا تهمهم قانونية المؤسسة من عدمها، بينما يؤدي المبدعون دور محاميي المؤسسة! - تبدو مفارقة الحياة قد كُتِبت بلغة لا يُجيد قراءتها غير المبدعين، ولا يمكنهم إلا قراءتها، فكان إبداعهم أشبه باللعنة عليهم! ليس فهم فلسفة الحياة ومفارقاتها معضلة، المعضلة في ضرورة مع استحالة التوفيق بين رفضها وممارستها! كل البشر – تقريبًا – يُمارسون الكذب وكل يوم ..، لكن كلهم – بدون تقريبًا – يرفضون وصفهم بالكاذبين! يمكن اعتبار عموم البشر محظوظين بعدم توقفهم عند هذه المفارقات السافرة التي تُمثِّل مذاق الحياة، لكن لا يمكن وصف سلوكهم هذا بالصواب العقلاني! جُل ما يكتبه وما يفعله المبدعون طوال حياتهم، هي صور مختلفة تُعبِّر عن محاولاتهم لتبرير وعقلنة فكرة الحياة أو فكرة اللعبة الجادة هذه، بقصد استساغتها من أجل قبولها منطقيًا .. وهو ما لا يتحقق لهم أبدًا! - يمكننا معرفة قيمة الزواج من خلال كونه متاحًا للكل، وقيمة التكاثر من خلال كونه رمزًا لتفاخر الفقراء ومجال نجاحهم الوحيد ..، وكذلك نعرف قيمة الحياة! - نحن في الأصل نُحب كل البشر، لكن بعضهم يمنحنا الفرصة للتعبير عن حبنا له وبعضهم لا يمنحنا فرصة، وبعضهم يُجبرنا على البوح بحبنا له وبعضهم يُجبرنا على كتمان الحب! - نحن ضحايا لقوة الذاكرة وضعف الإحساس لدينا .. ولادة إنسان وموت إنسان هي مجرد حالة مُكبَّرة لولادة خلية وموت خلية داخل أجسامنا .. عدم إحساسنا بموت الخلايا داخلنا يحرمنا الكثير .. انعدام هذا الإحساس يحرمنا خوض تجربة الموت أثناء الحياة والوعي .. عندما نتمكن من الإحساس بموت الخلايا داخلنا، نصبح في حالة خوض مستمر لتجربة الموت والحياة، ويصبح موتنا التقليدي مجرد موت جماعي للخلايا، فلا يعود الموت معضلة أو لغزًا كما يبدو الآن لجُل البشر! إحساسنا المتواصل بالحياة هو إحساس بوجود أحدث أو آخر خلايا استجدت فينا دائمًا ..، أي هو إحساس بحياة الخلايا المتجددة في كل لحظة .. الحياة لحظية وليست خطية كما نتصور .. الشيء الوحيد الخطي أو المتصل فينا هي الذاكرة .. عندما نفقد الذاكرة لا يعود الموت يشغلنا أو يخيفنا، ذلك لأنه لا يعود للماضي والمستقبل حضور في وعينا ولا تأثير علينا، فتصبح مخاوفنا وقناعاتنا لحظية فقط ، وهذا في الحقيقة هو ما ينبغي أن يكون عليه الحال دائمًا، فالحياة حالة من حالات الوجود، والوجود يعني تغير لحظي مستمر لا مكان فيه لماضٍ ولا لمستقبل - مجرد حاضر متجدد باستمرار! نحن البشر وحدنا دون غيرنا من الكائنات، صرنا نتاج ثقافات وضحايا معتقدات ولم نعد أبناء طبيعة .. نحن إذن ضحايا لقوة الذاكرة وضعف الإحساس لدينا، فهل نتمكن يومًا من الإحساس بموت الخلايا فينا، ونخوض بذلك تجربة الموت، ويموت بذلك اللغز؟ أو نتحكم بذاكرتنا فلا نتذكر إلا ما نريد، أو نجعل ذاكرتنا لحظية فقط، فلا يُحزننا خيال ماضٍ لا وجود له في الكون، ولا يخيفنا وهم مستقبل لا يمكنه أن يتجاوز في الحقيقة هذه اللحظة التي نحن فيها دائمًا؟ - مأساة الإرهابيين أو المتطرفين دينيًا، تكمن في أنهم مرفوضون بسبب صِدقهم مع غيرهم ومع دِينهم! - إذا امتدحت معتقدك بما يخالف حاضره وماضيه، فأنت تجهله أو أنك تتحدث عن حُلمك لا عن معتقدك! - الوسطية في الدِين تعني استعمال الدين لا تطبيقه، ولذلك هي فاشلة دائمًا! - الدِين يأمر الأقوياء من أتباعه صراحةً، باستعباد أو قتل الضعفاء الأبرياء من أتباعه ومن غيرهم، فهو قائم على الإكراه أساسًا وما كان ليستمر لولا ذلك، إذن فالصواب هو أن يُستعبد أو يُقتل الضعفاء الأبرياء، أو أن يُعاد النظر في الدِين، أما الحديث عن الوسطية فليس صوابًا، بل هو مجرد تحايل على البشر والدين! - لا تكون الحياة إلا ناقصة، ولا يكون الموت إلا كاملاً، لذلك ينتحر كل من يعشق الكمال، ويموت كل من تقترب خبرته في الحياة من الاكتمال! - نحن نفتعل أسبابًا للحياة ونصنع لها دعائم اجتماعية، لأننا نعرف ونشعر في قرارة أنفسنا بأنها تفتقد للمبرر! - إذا عاش الحذر بين الأصدقاء، ماتت الصداقة! - إذا دخل الكذب بين الأزواج، أصبح زواجهم مجرد كذبة تنتظر مناسبة تفضحها! - إذا فقدت قدرتك على الصمت والوحدة، فهذا يعني أنك قد قلت سابقًا ما لا ينبغي قوله وفعلت ما لا ينبغي فعله، وما هوسك بالكلام والاختلاط الآن سوى محاولات لمحو ما قد كان، وهو ما لن يحصل أبدًا، لكن جهودك لن تذهب سُدًى، فهي حتمًا ستفاقم الأمور يومًا بعد يوم، وسيعلم بأمرك من لم يكن يعلم! - لا تدَّعِ السعادة وأنت التعيس ولا الحزن وأنت السعيد، فإنك إن كنت ستحاسب فعلى الكذب وحده ولا شيء غيره، فكل ما عدا الكذب تحصيل حاصل! - شعورك بالألم مع كل خطأ عابر تفعله، هو دليل توهم لديك بأن مجاملات الناس لك تعكس حقيقة مشاعرهم تجاهك، فتحرص أنت عليها بإيذاء نفسك دون مبرر! - كل هدف تنجزه لتوهم نفسك بأنه مبرر لحياتك، تفعل ذلك وأنت تعلم بأن هناك الآلاف غيرك متأهبين لإنجازه، ينتظرون غيابك لتبرير حياتهم بهدفك، وكلكم تعلمون أن إنجازه وعدم إنجازه سيان، فلا يوجد هدف عام للوجود البشري، ولا مغزى ولا قيمة لحياة الأفراد! - السؤال المنطقي والطبيعي هو لماذا وُلِدت وليس لماذا أموت، فالاستثناء هي الحياة وليس الموت! - ليس دقيقًا القول بأننا لا نعرف شيئًا عن الموت، فالموت ببساطة هو ما كنا عليه قبل الحياة ..، نحن تمامًا كالمعادن، بل نحن ضربٌ من المعادن، نتواجد في الطبيعة على شكل جزيئات منفصلة في مناجمنا، يتم استخراجنا وتصنيعنا واستعمالنا بحسب خبرة وحاجة من يستخرجنا ومن يستعملنا، ثم تنتهي صلاحيتنا، فمنا ما يتم تحنيطه للاحتفاظ به مُصنَّعًا .. أي منعه من العودة سريعًا إلى حالته الأولى، ومنا ما يُرمى ليعود بشكل أسرع إلى حالة سكونه الأولى، ومنا ما يُعاد تدويره وتصنيعه؛ فلاشيء ولا أحد يتشكل ويخرج إلى الوجود بهيئته النهائية من تلقاء نفسه ليكون مسئولاً عن وجوده، أو ليُبرر اعتداده بنفسه وتمسكه بوجوده وحياته! - الجزع من الموت لصالح الحياة سببه اختيارية الحياة وجبرية الموت، لا أفضلية الحياة على الموت! - نتساءل، أيهما أنسب أن يوصف بالمرض: كآبة العارف أم سعادة السطحي؟ أيهما أنسب أن يوصف بالهروب: انتحار الرافض للعبث أم حياة الخائف من الموت؟ - انتحار الرجل المتزوج، عادة يعني فقط تحديد تاريخ الدفن، أما قرار الموت فيكون قد اتخذه يوم أن أصبح زوجًا، ونفَّذه يوم أن أصبح أبًا! - الأبناء هم جهل الآباء مُجسَّمًا! - إذا انتحر إنسان عربي مسلم على الطريقة البشرية التقليدية، فهذا ينبغي أن يُحسب له ويشاد به باعتباره سلوكًا بشريًا – على الأقل .. - العروبة حالة مَرَضية عِرقية، لعلها تَشوُّه جيني، المصابون بها يعتقدون أن المنطق مجرد كلمة تقال لا صدى لها في الواقع ولا ينبغي أن يكون لها، وأن الحق هو ما يُحقق مصالحهم هم دون غيرهم، وأن كل العالم يعرف ذلك ومقتنع به .. تكمن خطورة هذه الحالة في قدرتها على الانتقال لغير العرب عبر المعتقدات الدينية .. عند تحليل سلوك البشر في علاقتهم بالحياة والموت وبالعالم والوجود وبالمنطق والواقع، ينبغي استثناء الإنسان المسلم عامة والعربي خاصة، لأنه ببساطة يحمل مبررات كل سلوك ممكن، فلتفسير وتبرير أي سلوك، يكفي إثبات أن فاعله إنسان وعربي ومسلم في الوقت ذاته .. في الحقيقة، الإنسان العربي المسلم مجرد سلوك في صورة إنسان، ولا معنى لسؤال السلوك عن ذاته، ولا قيمة لتحليله دون معرفة فاعله، والفاعل مجهول دائمًا، فليس الفاعل هو الدين ولا العِرق ولا الثقافة ولا التربية والتعليم ولا العادات، ولا يوجد فاعل آخر! المسلمون ينتحرون بتفجير أنفسهم في بعضهم، ويَقتلون بعضهم ذبحًا لمجرد اختلافات مذهبية فقهية اجتهادية ..؛ وهذا سلوك لا يمكن تفسيره إلا بُغضًا للإنسانية وتسفيهًا للحياة ونزوعًا لقتلها ؛ بينما باقي العالم يهدد المسلمين بمحاكمات إنسانية عادلة لا تتجاوز عقوبتها السجن المؤبد لمن تثبت عليه جريمة قتل عمد ودون سبب! عدم توقف العالم عند هذه المفارقة الإنسانية - هذا الاختلاف العربي الإسلامي عن بقية البشر- في النظرة إلى الموت والحياة والإنسانية، هو أهم أسباب تفشي ظاهرة الإرهاب وسهولة تجنيد الإرهابيين، وهو ما يؤخر يقظة العرب والمسلمين! الموضوع ليس سلوك قلة من المتطرفين، بل هو سلوك عربي إسلامي عام، بدليل عدم وجود مظاهر رفض لهذا السلوك في الشارع العربي المسلم، هذا الشارع الذي خرق الأعراف والمواثيق والقوانين وحطَّم السفارات وأحرق الممتلكات رفضًا لصور مسيئة لرسول الإسلام نُشِرت في صحيفة أجنبية ..؛ هذا يعني أن الشعور العربي والإسلامي لا يرى في ذبح البشر وتفجيرهم أمرًا غريبًا، أي أنهم يتقبلون هذا السلوك ويباركونه، أو أنهم أجهل وأبعد عن البشرية من أن يشعروا ببشاعة هذا السلوك .. وهذا يعني أن العرب والمسلمين يحملون جينًا خاصًا يؤدي إلى فقدان الحس الإنساني وإلى رفض المنطق البشري!

 أن تكون كاتبًا يعني أن تعيش الموت وتموت الحياة! الكتابة شكل من أشكال الحياة، يتطلب استمرارها عدم الغفلة لحظة واحدة عن التوهم بأن وهمًا ما قد يتحقق! - لعل الصيغة الدقيقة والتامة لسؤال العنوان، وهو سؤال مطروح بالفعل، هي: نحن الذين نزعم بأن الحياة لا تُمثِّل لنا سوى لحظة ضجر طويلة .. لماذا لا نغادرها بصمت؟ .. لماذا نخاطب عالمًا نرفضه؟ لماذا نبذل جهدًا لنترك أثرًا في وجودٍ فضَّلنا عليه العدم؟ في الحقيقة الصورة الكاملة للمسألة أكبر من أن تُختزل في سؤال بهذه البساطة ..، لكن لا غرابة، فوضوح النتائج عادةً ما يُخفي صعوبة بلوغها وطول الطريق! لسنا مغرمين بترك أثر من بَعدنا، لكننا في الواقع لسنا سوى أثر لغيرنا، ولا مناص للأثر من أن يترك أثرًا! كان وجودنا مجرد خطأ ارتكبه غيرنا، وليست بعض آثارنا التي نتركها سوى تكرار لذات الخطأ .. خطابنا موجه لأنفسنا ولبعضنا وللقادمين منا – لا لعالمٍ نعرفه ويجهلنا، ونجد لجهله بنا بدل العذر ألفًا! ليس الكلام والكتابة والأفكار سوى إفرازات حتمية للحياة، ولسنا سوى أقلام الحياة وألسنتها وتجلياتها، فما نحن إلا الحياة تفعل بذاتها ما تشاء! يمضي الإنسان عادةً مرحلة من حياته تحت قيادة غيره خاضعًا لتوجيههم، بحكم عامل السن والعادات الاجتماعية والظروف الاقتصادية وغيرها .. هذه المرحلة من الحياة ليست كبيرة لكنها الأهم، حيث فيها توضع الأسس، وتُتخذ قرارات مصيرية عن غير خبرة، وعليها يعتمد ما بعدها ..، أهمها المعتقد الديني والتخصص العلمي والزواج وإنجاب الأبناء .. جُل من استيقظوا وجدوا حياتهم قد أُفرِغت من مغزاها سلفًا .. كثير من الفلاسفة والمفكرين ساعدتهم البيئة والثقافة على النجاة من محاذير هذه المرحلة، فأمضوا حياتهم أحرارًا غير مكبلين، وكفى بذلك مبررًا ومساعدًا على الاستمرار في الحياة برغبة وبدونها بمغزى وبدونه .. في الحقيقة نحن الواقعيين لا نزعم، لا ندَّعي، لا نكابر، لا نخادع أنفسنا ولا ننافق غيرنا، بل نحن نعي ونعني تمامًا ما نقول حين نقول بأننا لا نرى في الحياة سوى صرخة سأم! ما نقوله وما نفعله في كل يوم، لا نعتبره أكثر من ندم وعقاب لأنفسنا على ما كان منا قبله! لكن .. كان لا بد لنا من أن نمارس الحياة كي نرفضها! تبدأ الحياة لا إرادية ثم تتحول إلى مسئولية ثم اختيارية! مجازًا نفصل ذواتنا عن الحياة، لنقول إن الحياة قد عجزت عن إغرائنا .. الحقيقة هي أن الحياة قد عجزت عن تبرير ذاتها فينا، فما نحن سوى الحياة! 

 المشوار الفكري لا ينطلق إلا بسبب خطأ ، ولا يبدأ إلا بخطأ، وليس الصواب سوى توقفه في النهاية! لولا وجود المآسي والآلام في الحياة، وشكاوى البشر وتذمرهم من غياب الحقيقة، .. أي لولا وجود خطأ ، ما كان وجود المفكرين والفلاسفة! لكن ثمة خطأ لا مناص لأي مفكر من الوقوع فيه أو بالأحرى الانطلاق منه، وهو الاعتقاد بأن كل البشر يبحثون عن ذات الحقيقة، ويطلبون ذات الصواب، وأن مقياسهم للحقيقة والصواب مشترك، وهو المنطق والواقع .. البشر لا يبحثون عن حقيقة يجهلونها، هذه هي الحقيقة التي يجهلها كل مفكر بدايةً وبالضرورة، ولا يُدركها عادةً إلا متأخرًا .. في الواقع البشر يبحثون عن حقائق وليس عن حقيقة واحدة، فكل فرد وكل جماعة بشرية، عادةً يبحثون عن الحقيقة التي تعني أو تساوي برهانًا يؤكد صحة تصوراتهم وتخيلاتهم، وليس حقيقة قد تُحطم أحلامهم، وتساويهم بباقي البشر! 
 تتعدد مبررات التمسك بالحياة وطلب الموت، وتختلف من إنسان لآخر – مؤمن وغير مؤمن، غني مستمتع وفقير يحيا على أمل الغِنى، عالم وجاهل، .. الخ، لكن بالنتيجة لا يمكن لأي من هؤلاء المختلفين نزع صفة العبث عن هذه الحياة! هناك من يرى بأن حب الحياة هو شعور تلقائي لا إرادي يمكن تسميته بالمرض الحياتي - مرتبط بكنه الحياة، وتحمله كل الكائنات الحية أساسًا، وهو يحمل في باطنه رغبة في الموت لا في الحياة، حيث إنه يدفع الأحياء إلى التلذذ بالألم والشقاء والإرهاق، وهو ما يمكن رصده عند الإنسان من خلال رفضه للراحة - متمثلاً في كرهه للفراغ وقلقه السريع منه، ما يدفعه دائمًا للبحث عن أي شيء يبذل به جهدًا حتى لو كان ما سيفعله خالٍ سلفًا من المغزى والغاية والمبرر كخلو الحياة ذاتها! منا من يرى في الحياة مجرد خطأ وقعنا به عن غير إرادة منا، لجهالةٍ وربما سوء نية لدى من أوقعنا فيه؛ خطأ كان يمكن ألا يحدث، لكن حدث ما هو أسوأ، حيث كرر أغلبنا ذات الخطأ وأوقع غيره فيما وقع فيه هو .. الخطأ يُصبح مُركبًا ومضاعفًا إذا أورث المخطئ ثقافته لضحاياه، فعلى الأقل ينبغي ترك الأبناء يعبثون مبكرًا لعلهم لا يُكررون الخطأ .. إن مجرد إطالة مدة بقاء الجاني رفقة المجني عليهم يورثهم ثقافته، بينما انتحار الجاني قد يورث المجني عليهم ثقافة إصلاح الخطأ! بعضنا يرى في الحياة صوابًا ونعمة لا ينغصها سوى الموت .. ومنا من لا يقوى على مجرد الحديث عن الحياة لولا اطمئنانه بوجود الموت في نهايتها وفي يده .. لسنا متفقين على تمييز ما يُعرف اصطلاحًا بالصواب والخطأ – في أمور كثيرة، فالكل يرى نفسه مظلومًا، والكل يرى الصواب فيما يفعله هو، ودائمًا يرى أخطاءً غير مبررة فيما يفعله غيره، وليست رؤيتنا للحياة والموت بمنأى عن هذا الاختلاف الطبيعي اللا إرادي العبثي! 
- لو كان لمفهوم الزمن وجود، لكان: ما حدث في الأزل لم يحدث بعد، وما سيحدث في الأبد لن يحدث أبدًا! الوجود يقبع بين بداية لم تبدأ ونهاية لن تنتهي! لمعرفة مغزى الحياة نحتاج أن نتذكر أمرًا لم يحدث!
 - بتدخلنا أو بدونه، كل مشكلة مآلها إلى حل .. كل ما نقوم به هي مفاضلات بين نتائج متساوية، كالمفاضلة بين حياة زائلة وموت حتمي!
 - صراعات البشر هي صراعات وهمية حول حلول لا صراعات حقيقية بسبب مشاكل كما يتوهمون! - كل لعبة ستنتهي كما انتهت من قبل، وسيصل الجميع إلى ذات النقطة ويجنون ذات المجد الذي هو اللاشيء! - شعارات الدين والوطنية هي مجرد وسائل لبلوغ السلطة للخروج من مرتبة مواطن – سواء عَلِم رافعو هذه الشعارات بهذه الحقيقة أو أنها تقودهم من وراء الوعي! - حياة المواطن المحكوم بالقانون هي درجة على سُلَّم الوجود البشري، كل من يتجاوزها يرفض العودة لها، لأنها كعودة الحر عبدًا بعد تحرره! - لا يوجد مواطن إلا ولديه نظرية لحل مشاكل وطنه .. ومصلحة الوطن في نظر كل مواطن هي مصلحته الشخصية مُكبَّرة .. - ما يريده منك الآخرون دائمًا هو ما تريده أنت منهم دائمًا، لذلك لن يُرضيك أحد ولن يرضى عنك أحد بالصورة التي تنتظرها! - لا يزال جل البشر يرددون ذات الأقوال ويكررون ذات الأفعال عبر كل الأجيال، لأن شيئًا لم يتحقق بعد، ولأن البديل هي الحقيقة والحقيقة هي الواقع دائمًا! - تتودد الحياة لمن يسخرون منها وتسخر ممن يتوددون لها! - أصدقاء الحزن لا يُخشى عليهم من شيء غير السعادة! - لا فرق بين أن يتزوج المرء وبين أن يُجن، سوى أن الأول جنون بشهادة العقل! - أن تبغض الموت يعني أنك تعرفه – عشته يومًا أو أنك تعيشه الآن، لكن لا معنى لبغضك شيئًا تجهله! - أن ترفض الحياة يعني أنك قد مللتها! - أن تحب الحياة يعني أنك لم تحصل عليها بعد! - أحلام ما بعد الموت امتداد لأحلام ما قبله .. كلها أوهام ممكنة! - عند درجة الإدراك – أي ما بعد المعرفة – تصبح الأشياء شفافة، .. لا تعود قابلة للرصد! - تجريد الأشياء من قيمتها يعني تجريد أنفسنا من دورها الوجودي! - لماذا لا ندرك الحقيقة النهائية لأي شيء؟ لأن الحقيقة طاقة، والإدراك طاقة مثلها، فإذا التقتا اندمجتا أو سحقت إحداهما الأخرى، فلا يحصل الإدراك أو لا يلتقي الإدراك بالحقيقة أبدًا! - بحثنا لا ينبغي أن يكون عن الحقيقة ذاتها، بل عن المسافة الحرجة التي تفصلنا عنها بما يجعل شعورنا بها موجودًا – لا يقيننا بوجودها متحققًا

الثلاثاء، 18 يناير 2022

الوجود الطبيعي والوجود المُكرَّم!!

1 تعليق


 القول أو الاعتقاد بأن الإنسان عمومًا هو كائن مُكرَّم، هو ليس ضربًا من الوهم فحسب، بل هو افتراء
 وكذب صريح!
إن المجتمعات البشرية لم تخلُ من المتسولين يومًا! ولا يمكن الجمع بين التسول والكرامة! فالمتسولون هم بشرٌ أذلاء دون أدنى ريب! ولا يقتصر مفهوم التسول على طلب المال لسد حاجة لحظية! بل إن طلب أي نوع من المساعدة هو صنفٍ أصيل من أصناف التسول والذل!
ومن الأهمية هنا التفريق بين أصناف المتسولين الأذلاء!
فالذي يطلب مساعدة الآخرين أو يقبل بها، في حين هو قادر على الاكتفاء والاستغناء عن الآخرين، هو صنف ذليل يعشق الذل، وربما كان مجبولاً على سلوك الذل وممارسة التسول!
أما المتسول الذي يطلب المساعدة لأنه أضعف من أن يُغني نفسه عن التسول، فهو ليس مُدانًا لكنه ذليل! وربما تكون إدانته في قبوله بحياة الذل، وليس في تسوله!
وهذا الواقع المُعاش، يدحض اعتقاد أتباع الأديان المختلفة، الذين يعتقدون ويؤمنون بأن الإنسان كائن حي مُكرَّم، وأنه يعود في خلقه ووجوده وتكريمه إلى مشيئة الخالق مباشرة!
إن أصدق وصف للحياة، هو أقسى الأوصاف وأبشعها، وهو أن الحياة صفةٌ لا تليق إلا بالحيوانات عامة، وبالأقوياء من العقلاء خاصة!
ذلك لأن الحياة باختصار هي أن يُدرك الحي معنى الكرامة والحرية ويعيشها ويُمارسها كالأقوياء من البشر، أو ألا يُدركها كالحيوانات! أما ما بينهما فليست حياة وليست لا حياة، بل هي مراحل طويلة ومملة من الإحساس بالخوف والأسى، وممارسة الوهم والجهل والكذب، يقضيها الحي العاقل الضعيف بانتظار الموت!
الذين يُسَمُّون أنفسهم بالمتفائلين، وهم في الحقيقة ليسو سوى عاطفيين ضعفاء ومنهم الجهلاء..،
يحلو لهؤلاء القول: إن فعل الصواب، وتحقيق الخير لنفسه ولبني جنسه، هو دافعه للفعل، وهو سبب تعلق الإنسان العاقل بالحياة وحبه لها رُغم صعوبتها ولا منطقيتها!
لكن هذا القول أو هذا الاعتقاد ينطوي على مفارقات ومغالطات تدحض حُجَّته.. منها:

 * على اعتبار أن الإنسان لا يُدرك مآلات الأمور، فقد يكون ما يفعله خيرًا في ظاهره ونية فاعله، لكنه في جوهره عبارة عن إخراج لمارد الشر من قمقمه..، حيث إن ما هو خير اليوم، ربما أصبح هو مصدر الشر غدًا، ويصبح حينها الفاعل فاعل شر – بغض النظر عن نيته! والأهم أنه لن يكون بمقدور الفاعل إرجاع ما كان إلى ما كان!

 ** إن ما يدعوه الإنسان بفعل الخير، ما هو إلا أنانية بشرية مقيتة – بالنسبة لبقية الموجودات، فلا تقوم سعادة الإنسان وتعمير الأرض إلا بتدمير وحرق وتحوير الجماد، وقتل وافتراس الحيوان والنبات، وتلويث البيئة!

 *** إنه، وحتى تلك المستويات أو تلك الأصناف من أفعال الخير، والمتمثلة في التواصل الاجتماعي والمواساة وتقديم الخدمات المجانية – ظاهريًا-، فإن تصنيفها كأفعال خير ينطوي على مُغالطات كثيرة وكبيرة، ويخلو تمامًا من الأمانة العلمية، ويتجاهل مقتضيات المسئولية الأخلاقية..، فما يُسمَّى اصطلاحًا أو افتراضًا بأفعال الخير هنا، هي تحقيق مصالح ذاتية قبل كل شيء، فإقامة العلاقات يكون لتسهيل إنجاز مصالح الذات بالدرجة الأولى، فلا يفعل أحدهم الخير لغيره إلا إذا كان سيعود عليه هو بالنفع!
والأدهى من ذلك هي محاولة إظهار الممارسات بغير حقيقتها..، إذ إن مرجعية هذه الأفعال – لدى جُلِّ البشر – وهُم المؤمنين- هي الخوف والطمع، فلا يفعلون الخير حُبّاً في الخير! وبذلك تكون أفعال الخير المفترضة، هي في أحسن الأحوال تجارة بين الإنسان – فاعل الخير المفترض-، وبين الإله..، وهي بالنتيجة تجارة، والتجارة أساسها تحقيق منفعة الذات وليس تحقيق الخير لأجل الخير أو لأجل الآخرين! بل قد يكون ضرر الآخرين هو مادة وطبيعة التجارة، مثل الإنسان الذي يقتل أخيه الإنسان أو يستعبده، ثمنًا لصفقة مربحة مع إله مزعوم..، فهنا يجتمع الشر والجهل لقتل الخير بذريعة فعل الخير! 

حياة البشر..
يمكننا أن نُعرِّف حياة البشر – بالعموم وليس بالمطلق- بأنها مستوياتٌ أو مراحل أربعة، من الانتظار الحقيقي المصحوب بفعل جزئي واستعداد افتراضي..،

 1- مرحلة الشعور بالحياة!
وهي انتظار الصغار لمرحلة البلوغ، أملاً في إدراك ما يجهلونه، وتحقيق ما يعتقدون أن طفولتهم تحول دون تحقيقه!

 2- مرحلة الإحساس بالحياة!
وهي انتظار المراهقين وسعيهم لانتزاع إقرار المجتمع بوجودهم، وانتزاع حقهم في إشباع الغرائز وتلبية الشهوات والرغبات، والمنافسة على المراكز التي تُثبِتُ وجودهم وتُبرز تَمَيُّزهم – المفترض!

 3- مرحلة انتظار المجهول بعد تجاوز المعلوم!
حيث يدخل الإنسان – بعد الزواج والإنجاب – ساحة الاستسلام رافعًا راية الرفض، مُكابرًا مُحاولاً تجاهل خيبة الظن التي لم تبرح حساباته في كل المحطات التي مرَّ بها!

 4- مرحلة البحث عن الحياة!
حيث يتساءل الإنسان، عندما تخور قواه ويكاد يُدركه اليأس ويرفضه المكان ويستعجله الزمان..،
يتساءل: هل أنه كان حيّاً بالفعل فيما مضى من زمن! لكن ذلك غير صحيح، لأن معنى ذلك أن الحياة التي تم احتسابها عليه، هي فقط ذلك القلق الذي كان يملأه، والجُهد الذي كان يبذله، والسرور اللحظي الذي كان يختفي قبل أن تكتمل مَشاهده!
أم إنه لم يكن حيّاً، بل كان يبحث عن شيء اسمه الحياة..، وهل عليه أن يَجدَّ ويجتهد في البحث عنه – أكثر من ذي قبل – فيما تَبقى له من قُدرة ومن زمن، وهو الهدف الذي لم يُحققه عندما كانت ظروفه أفضل!
أم إن فلسفة الكينونة والحياة ونظرية الوجود المستقل التي يعتقدها ويعمل ويحلم ويُفكِّر الإنسان على أساسها، هي العنصر الذي يحمل القيمة الخطأ في معادلة وجود الإنسان..، وأن تلك الفلسفة والنظرية هي التي أعطت لكل النتائج انحرافها..، وأن الإنسان الفرد في حقيقته ربما لا يعدو أن يكون ذرة في جزيء أو خلية في نسيج، يؤدي وظيفة ثانوية تكميلية غير مباشرة، تتنافس على أدائها كل الخلايا المتشابهة، في جسد كائن مجهولٍ اسمه الحياة..، وأن جسد ذلك الكائن يُجَدِّد خلاياه بما يوافق مصلحته وغايته، وأن الخلية التي يَقِلُ عطاؤها، ينتهي دورها، ويُصبح وجودها عبئًا على الجسد، فيلفظها – حين يستغني عن خدماتها..، وكل الخلايا سيَقِلُّ عطاؤها وستُلفَظُ يومًا..، وذلك تمامًا ما تفعله كل الأجساد الحَيَّة مع خلاياها، حيث إنَّ الخلايا (كرات الدم البيضاء – مثلاً) تبدو ككائناتٍ تُفكِّر وتعمل كما لو كانت لها كيانات مستقلة ذاتية القرار..، بينما هي في الحقيقة خاضعة لآلية خارجة عن سيطرتها، تقوم تلك الآلية بتفعيل الخلايا وتوجيهها وحثها على الفعل والتكاثر وأداء دور معين، كما تقوم تلك الآلية بتجديد الخلايا – تدمير القديم واستحداث البديل..، فلو كان للخلايا كيانات مستقلة وذاتية القرار، لأصبح موتها انتحارًا، ولأصبح تكاثرها وأداؤها لدورها المميت غباءً..، وكذلك الإنسان!
في المرحلة الأولى، يكون الإنسان مهووسًا بتعبئة الفراغات المعرفية، مدفوعًا بحب الاكتشاف وإدراك الجديد..،
في المرحلة الثانية، يبدأ الإنسان بمطاردة أملٍ وهمي، مصدره ثقة مفرطة في النفس، تُبرِّرها حيوية مرحلية، تدفع الإنسان على الاعتقاد بجهل وضعف الآخرين..، والأساس في كل ذلك هو جهل الإنسان – شبه التام – بحقيقة ما يجري من حوله، وجهله المرحلي بحقيقة مكانته ومحدودية إدراكه ودوره وقدرته!
في المرحلة الثالثة، يقل اهتمام الإنسان بمبدأ القناعة بما يفعل، حيث تدخل عناصر جديدة مجهولة القِيم في معادلة الفعل، حين يُصبح الإنسان يعمل لمصلحة غيره – بغض النظر عن رغبته وإرادته وحتى مقدرته -،
حيث يتغاضى الوالدان عن قِسم كبيرٍ من حقوقهما وسعادتهما وقناعتهما، نزولاً عند حاجة الأبناء، ورضوخًا لعاطفة مصدرها الإحساس بالضعف الطبيعي والشعور الزائف بقوة وقيمة افتراضيتين وهميتين..،
إن حجم الأسرة وخصوصية متطلباتها، هي التي تُحدد لولي الأمر الحد الأدنى من الجُهد الذي عليه أن يبذله، وحجم القلق الذي عليه أن يحمله!
في المرحلة الرابعة، يكون الإرهاق قد نال من الإنسان، فلا يعود عقله وذاكرته وإمكاناته الذهنية والنفسية والجسمانية تُسعفه أو تسمح له بالتفكير بهدف إنتاج المعرفة، ولا حتى باستقبالها من خارجه! فَيَنصَبُّ جهده على تقليب محتويات الذاكرة، ويقتصر تفكيره على المقارنة بين نتائج التجارب السابقة، بحثًا عن أنسب المقاربات كإجابة نهائية لسؤاله عن كُنه الحياة..، ذلك السؤال الذي يتجدد ويزداد قوة بالتناسب الطردي مع ضعف الإنسان واقترابه من نهاية الطريق – وهو صِفر اليدين من أي قيمة وأي معنى وأي تعريف للحياة – التي كانت عنوانًا لكل ما بذله من جُهد وما أنفقه من زمن!
في هذه المرحلة، يتطرف الإنسان ويتشدد ويتعصب إلى النتيجة التي يقع اختياره عليها من بين مخزوناته العقائدية..،
فإذا كان الإنسان مؤمنًا بالبعث وحياة أخرى بعد الموت، يكون في آخر أيامه مُتطرفًا في إيمانه ملتزمًا واعظًا ناصحًا كأنه لم يكن مؤمنًا قبل ذلك..، وهو السلوك الذي يدعوه المؤمنون بالتوبة!
ولعل الحقيقة هنا، هي أن ما يُسمَّى بالتوبة – خاصة في نهاية العُمر – هي ليست سوى إقرار من الإنسان بالفشل والصدمة وخيبة الظن، وبأنه لم يعد أمامه مُتَّسع من الوقت للبحث بنفسه أو لانتظار نتائج أبحاث الآخرين عن كُنه وقيمة الحياة، فيحسم أمره على التصديق بالحياة الأخرى، ويدعوها بالحياة الحقيقية والأبدية، ويُشدد على الربط بينها وبين الحياة التي يوشك على مغادرتها..، وذلك كعزاء أخير من الإنسان لنفسه وكورقة أخيرة يرميها في وجه اليأس دون المقدرة على التحقق من النتيجة، بل ودون المقدرة حتى على مجرد الخوض في تفاصيل واحتمالات النتيجة هذه المرة، مكتفيًا بتفاؤلٍ وأملٍ ليس لهما ما يُبررهما سوى الضعف واليأس اللذين لم يعد الإنسان قادرًا على إخفائهما!

الاثنين، 17 يناير 2022

ما الفرق بين وجودنا والحياة؟

1 تعليق



نحن مضطرون للتنفس، لكن لسنا مضطرين للقراءة ..، أو هذا ما يبدو لنا ظاهريًا ..
الفعل الحياتي هو كل فعل غريزي وإجباري، ويفعله كل البشر دون استثناء ..،
بينما الفعل الوجودي هو كل فعل منطقي اختياري، وليس الكل يفعله ..، أو هذا ما نراه في الواقع ..
لكن الحقيقة شيء آخر، أو لنقل بأن الأمر سيبدو لنا مختلفًا إذا نظرنا له من زاوية أخرى وبرؤية أعمق، حيث سيبدو لنا أن كلا الفعلين إجباري، أو هو حتمي ..
الفعل الحياتي هو التعبير عن الحياة ..، هو تعبير طبيعي حتمي عن الاختلاف بين الأحياء والأموات أو بين الكائن الحي والجماد ..،
والفعل الوجودي هو التعبير عن الوجود ..، هو تعبير طبيعي حتمي عن الاختلاف بين إنسان وإنسان آخر أو بين كائن حي وكائن حي آخر ..،
لولا الأفعال الوجودية لما ظهر الفرق بين الإنسان والحيوان ..، تمامًا كما أنه لولا الأفعال الحياتية لما كان هناك فرق بين الكائن الحي والجماد ..
الفرق بين الإنسان والحيوان لا يستوجب تمجيدًا أو تقديسًا أو تفضيلاً للإنسان على الحيوان، فالإنسان ليس هو من صنع الفرق بينه وبين الحيوان، بل إن الفرق مجرد تحصيل حاصل لفعل قوانين الطبيعة، وأكثر من ذلك هو إثبات لتأثيرها القهري على الإنسان أكثر منه على الحيوان ..، إذ يمكننا القول بأن الحيوان قد استطاع إيقاف تطور الطبيعة داخله، فتجمدت عند حد معين، مما جعل الحيوانات تتمتع بكل ما يتمتع به الإنسان – لكن بحرية مطلقة يفتقدها الإنسان، وبدون العيوب التي يشتكي منها الإنسان، فتطور الطبيعة في الإنسان كان نقمة على الإنسان، وهو على كل حال سواء كان نعمة أو نقمة، فهو أمر لا فضل ولا ذنب للإنسان فيه، وما تمجيدنا للأذكياء وذمنا للأغبياء إلا عين الجهل والحمق والبدائية والغباء ..
الإنسان والحيوان وغيرهما، عبارة عن ساحات أو مختبرات لتجارب قوانين الطبيعة ..
لاشيء موجود إلا ويكون قد دفع ضريبة الوجود، وهي الخضوع التام لقوانين الطبيعة – حياتيًا ووجوديًا ..
خضوعنا لقوانين الطبيعة في الأفعال الحياتية يبدو واضحًا أو تأثيرها علينا يبدو مباشرًا تقريبًا ..، إما أن نشرب أو نموت فورًا – مثلاً ..
فعل الصيام هو ممارسة لفعل حياتي بصورة وجودية!
لكن علاقة قوانين الطبيعة بأفعالنا الوجودية الحقيقية تبدو علاقة غير مباشرة، بسبب وجود بدائل عديدة من الأفعال الوجودية (غناء، رسم، كتابة، .. الخ)، وهذا ما أوجد الخلط لدى البشر، وجعلهم يتخيلون خطأً بأن لديهم إرادة الاختيار أو إرادة الفعل وعدم الفعل بمعزل عن أي تأثير داخلي أو خارجي ..، ولذلك يُحاسَب الإنسان على سلوكه، بينما في الحقيقة ينبغي أن يُعالج الجميع ولا يُحاسَب أحد ..
إن كل ما يفعله الإنسان، ما هو إلا تعبير تلقائي واستجابة طبيعية، لما يجده لديه من حاجة لأداء أفعال حياتية وأخرى وجودية!
أفعال حياتية .. تنفس، شرب، أكل، .. الخ!
أفعال وجودية .. غناء، رسم، تجميل، تفكير، مساعدة الآخرين، استعباد الآخرين .. الخ!
الأفعال الحياتية .. أدركنا مبرراتها بسهولة، فلم نعد نتساءل حولها، وذلك بسبب ارتباطها المباشر بحياتنا، وبسبب قِصر دورتها الزمنية، والسبب الأهم هو عدم وجود بدائل من هذه الأفعال ..
مثلاً .. لو كانت أقصر مدة مطلوبة للإنسان بين كل شربة ماء وأخرى هي عشر سنوات، لما توقف البحث والسؤال عن سبب شربنا للماء!
ولو كان هناك بديل لشرب الماء، بحيث كان بعضنا لا يحيا بغير الماء، بينما جُلنا يتناولون بديلًا آخر ولا يشربون الماء أبدًا ..،
لو كان الواقع هكذا لما توقف السؤال عن سبب إصرار بعضنا على شرب الماء ..، ولو مات أحدهم بسبب نقص الماء، لتساءلنا لماذا لم يتناول البديل؟
لكن لأن الكل يمارسون فعل شرب الماء، ولا بديل عنه، لذلك لم يعد من معنى لطلب مبرر لهذا الفعل، وأصبح غياب الماء مبررًا للموت – لا جدال ولا خلاف حوله!
الأفعال الوجودية ..
كثرة البدائل في مجال الأفعال الوجودية، جعل السؤال حول دوافعها ومبرراتها لا يتوقف!
مثلاً .. يمكن للرسام أن يحيا بدون غناء، لذلك يبدو منطقيًا لو أنه تساءل عن سبب الغناء!
ولو قيل لنحات، بأن أحدهم قد انتحر لأنه مُنِع من القراءة والكتابة، ربما لا يستطيع تصور ذلك، ولا يرى انتحاره مبررًا!
- يمكن لمن يجد نفسه في مساعدة الضعفاء أن يحيا بدون رسم، لذلك قد لا يرى مبررًا للرسم، وقد يرى أن الصواب هو أن يتحول الجميع إلى مساعدين للضعفاء وحسب!
- لا يمكن للفيلسوف أن يتوقف ساعة عن التفكير في الوجود .. وبذلك يكون من المنطقي أن يتساءل:
لماذا لا يفكر الآخرون مثله، بل كيف يمكنهم الوجود بدون تفكير مستمر؟
- تطور قوانين الطبيعة التي تعمل داخل خلايا وذرات الفلاسفة، جعلتهم يرون أفق المعرفة قبل غيرهم، ويرون سُبُلًا كثيرة وسهلة لتحسين حياة البشر، ولا يفهمون سبب تمسك البشر بأساليبهم التقليدية في الحياة، ويرون أن ذلك لا يمكن أن يكون إلا مقصودًا مفتعلاً، ولا يُدركون أنه ناتج عن غباء طبيعي قهري بفعل بساطة وعدم تطور قوانين الطبيعة التي تعمل داخل خلايا وذرات البشر التقليديين ..
كل ذلك بسبب النظرة التقليدية للإنسان، تلك النظرة التي تعتبر الإنسان كيانًا واحدًا يمتلك إرادته، ولا يختلف عن غيره من البشر إلا برغبته وإرادته ..
- المستبدون أو الذين لا يرون ضيرًا في استعبادهم لغيرهم من البشر، هم يفعلون ذلك بسبب خضوعهم لقوانين الطبيعة داخلهم، والتي لا تفرِّق من حيث المبدأ بين البشر والحيوان، ولذلك هم لا يرون فرقًا بين امتلاكهم لحيوان وامتلاكهم لإنسان ..
- الاتفاق بين كل البشر على الوسطية ممكن، لكن الخطأ وعدم حصول الاتفاق هو بسبب الاعتقاد بأصولية المبادئ، أو محاولة تأصيل الأخلاق والمبادئ، واعتبارها كونية، والاعتقاد بأن الانحراف عنها لا يكون إلا تعمدًا للانحراف ..
- الانتحار – بغض النظر عن السبب -، أو على سبيل المثال الانتحار بسبب العجز عن الإبداع، هو مثال واضح جدًا يبين خضوع الإنسان لقوانين الطبيعة، فهو عبارة عن تصادم بين قوانين الطبيعة داخل المبدع وقوانين الطبيعة خارجه، ما يؤدي إلى توقف القوانين الجزئية العاملة داخله، خضوعًا للقوانين العامة العاملة خارجة ..
الانتحار بسبب العجز عن الإبداع، عادةً هو سبب انتحار الأذكياء المبدعين ..، لكن حتى الانتحار التقليدي بسبب الفقر مثلاً، هو انتحار بسبب عجز عن الإبداع كذلك ..
الخلاصة ..
بالنسبة للإنسان، الحياة ليست غاية لذاتها، إنما هي مجرد وسيلة لممارسة الوجود ..
تطور الوعي لدى الإنسان وتحوله إلى إدراك، هو الذي استوجب ممارسة الأفعال الوجودية ..
ممارسة الأفعال الوجودية أساسها حاجة لإحداث المعرفة ..
الوعي هو امتلاك ذاكرة قادرة على تسجيل الأحداث والمَشاهِد والمعلومات، واستعادتها عند تشابه المواقف ..
الإدراك ناتج عن اتصال الذاكرة بالخيال، ما يسمح باستعمال مخزون الذاكرة المحدود من المعرفة لإنتاج معارف جديدة ..
الحيوان يكتفي بممارسة الحياة، لأن وعيه قد توقف عند المرحلة البدائية الأولية، ولم يتطور إلى إدراك ..
الحيوان يمتلك ذاكرة، وبذلك فهو يمتلك وعيًا، لكنه غير مدرك لأنه لا يمتلك خيالاً ..
الحيوان لا يتعامل مع ذات الموقف وذات المكان بذات الأسلوب في المرة الثانية والثالثة .. وهكذا ..
النبات يمتلك ذاكرة، لكنه لا يمتلك وعيًا، لأنه غير متنقل!

الثلاثاء، 4 يناير 2022

المزاج الفاعل وآلية صُنع الوجود !

0 تعليق



فلسفة وفيـزياء ..

لماذا ينعدم المنطق عند المستوى
 الكمومي؟

معلوم أن ما يُعرف بالمستوى الكمومي، هو المستوى

تحت الذري!

وسُميَّ بالمستوى الكمومي لأن سلوك المكوِّن الواحد

من مكونات هذا المستوى من إلكترونات ونيوترونات

وغيرها، هو سلوك كمية واحدة وليس سلوك جسيم

واحد – !

ولعل التسمية الأنسب والأدق لسلوك مكونات هذا

العالم تحت الذري، هي: السلوك المزاجي!

الذرة كوحدة واحدة، يمكن حساب نتائج سلوكها مسبقًا،

لكن لا يمكن التنبؤ بسلوك أي من مكوناتها منفردًا ..

وهذا عُدَّ أحد أوجه اللا منطق في المستوى الكمومي!

المستوى الكمومي بمعنى من المعاني هو المستوى

الفردي!

وفي الواقع ليس فقط الذرة ومكوناتها، بل إن المنطق

الذي يحكم سلوك أي كيان مركب، لا يمكن أن يحكم

سلوك أي من مكوناته منفردًا، سواء كان هذا الكيان

ذرة أو مجتمع بشري ..،

علماء الفيزياء يؤكدون حقيقة ويرفضون فكرتها ..

وهي أن سلوك الذرة منطقي، بينما سلوك مكوناتها

غير منطقي ..، سلوك الإلكترون مثلاً!

والحقيقة تبدو وكأنما العلماء يرفضون أمرًا لا يصح

رفضه، لأنه هو ما ينبغي أن يكون، فسلوك مكونات

الذرة يجب أن يكون مزاجيًا لا منطقيًا، لأن ذلك شرط

لتكوُّن الذرة، وشرط لاختلاف خصائص المواد، إذ لو

كان سلوك مكونات الذرة منطقيًا لاستحال وجودها –

استحال تكونها – استحال نشوء الذرة من الأساس،

واستحال اختلاف وتنوع المواد والأحياء؛

وحتى لو تكونت ذرات، فإنها ستكون معدومة الذاتية -

الدينامية - ما لم يكن سلوك مكوناتها مزاجيًا!

انعدام الدينامية في الأشياء، يعني انعدام قدرة الأشياء

على الفعل، وهو ما يعني انعدام صفة الوجودية ..

وهنا نؤكد على أمر نراه هامًا جدًا، وهو أن الذرة

ليست أصغر شيء في الكون، لكنها أصغر شيء

في الوجود!

وهذا يعني أن الذرة هي أصغر شيء يحمل صفة

الوجودية!

صفة الوجودية تعني أن الشيء حدث وليس أصلاً ..

وتعني صفة الوجودية أن الشيء يتكون أو يتألف من

مكونات مختلفة، قابلة وآيلة للتفكك ..، والذرة هي

أصغر شيء تتحقق فيه هذه المواصفات ..

بينما كل مكون من مكونات الذرة لا ينبغي له، أي لا

يمكنه أن يحمل صفة الوجودية، بل لا بد أن يحمل صفة

الكونية .. أي صفة الأزلية والديمومة .. أي الكينونة!

والمنطق رهن بالوجودية لا بالكونية ..،

الكون أمرٌ منسوبٌ إلى المطلق، أما الوجود فهو شيء

منسوب لنا .. منسوب لمعرفتنا وفهمنا وإدراكنا!

السلوك المنطقي يفرضه اتحاد بين أشياء لا منطقية!

فاتحاد أمزجة مختلفة ينتج عنه سلوك منطقي

بالضرورة!

لا منطق ولا حاجة للمنطق بدون اتحاد، ولا اتحاد إلا

بين أمزجة مختلفة ..

إذا اتحدت أمزجة متشابهة، فإن اتحادها يُسمَّى نموًّا

وليس اتحادًا!

بالنظر من الزاوية الكونية، فإن المنطق ليس سلوكًا

طبيعيًا أبدًا، بل هو سلوك ظرفي يُعبِّر عن حدث ..، هذا

الحدث هو انعدام الحرية في حيِّز ما من الكون ..، مما

يعني أن هذا الحيِّز أصبح مشغولاً بشيء موجود مؤقتًا!

المنطق ليس شرطًا لتكون الأشياء ونشوء الجماعات،

بل هو نتيجة لتكون الأشياء ونشوء الجماعات ..، بل إن

غياب المنطق عند لحظة النشوء والتكون، هو سبب

وشرط لحصول النشوء والتكون ..

لكن غياب المنطق عند لحظة النشوء، لا يعني عدم

قدرتنا على تصور وفهم كيفية حدوث النشوء ..

المنطق = مزاج محدود ، والمزاج = منطق لا محدود!

المزاج أصل كوني، والمنطق استثناء وجودي ..

المزاج نقيض المنطق، وهو الذي يُنتج المنطق ..

المزاج يعني الحرية المطلقة لفعل كل ما هو ممكن

دون قيود منطقية، وهذه صفة إطلاق، أي صفة كونية!

بينما المنطق يعني الالتزام، وهي صفة المحدودية، أي

صفة وجودية ..

لا يمكن لشيء أن يحمل صفة الوجود (التشكل)، إلا

بحصول توازن بين مكوناته المختلفة ..،

وحصول توازن يعني بالضرورة نشوء معادلة منطقية

تحكم سلوك المجموعة المتشكلة كي تظل متماسكة ..

وهذا يعني أن المنطق هو نتيجة وشرط للوجود، وليس

سلوكًا طبيعيًا للموجودات ..

وبذلك، فإنه لا معنى للبحث عن المنطق في سلوك

إلكترون أو فوتون منفردًا! 

 الأمزجة الفاعلة هي مكونات الكون الحرة ..

المزاج الفاعل يكشف أسرار الوجود ..

فما هو المزاج الفاعل؟

المزاج الفاعل = وحدة كونية، وليس شيئًا وجوديًا!

الشيء الوجودي أو الشيء الموجود لا يكون إلا مركبًا،

ويتألف من مكونات مختلفة الخصائص!

الإلكترون، البروتون، النيوترون، الكوارك، الفوتون، ..

.. الخ ..، هي وحدات كونية، أي أنها أمزجة فاعلة، أي

أنها أصول، وليست مركبات مؤلفة من مكونات مختلفة

الخصائص!

المزاج الفاعل هو الذي يصنع قوانين الطبيعة المنطقية،

وبذلك فهو لا يخضع للمنطق، لأن الخضوع للمنطق هو

صفة وجودية وليس صفة كونية!

من أين جاء المزاج الفاعل؟

الأمزجة الفاعلة هي وحدات كونية أزلية ..

كينونة وأزلية المزاج الفاعل، ضرورة لنشوء الوجود

ولحصول الدينامية في الموجودات بعد نشوئها ..،

وكينونة وأزلية المزاج الفاعل ليست فرضية، بل هي

حقيقة وجدناها متجسدة في مكونات العالم تحت الذري!

المزاج الكوني تمثله الحرية في حياة البشر، ولذلك لا

توجد دينامية – لا يحدث نشاط – لا يحصل إبداع حيثما

غابت الحرية في المجتمعات البشرية .. 

 الذرة تحتوي الإلكترون، والذرة لا تتواجد في أكثر من

مكان في ذات اللحظة، وبذلك فهي خاضعة للمنطق ..

بينما الإلكترون سواء كان داخل الذرة أو خارجها، فإنه

يبدو قادرًا على التواجد في أكثر من مكان في ذات

اللحظة ..، وهذا خروج عن المنطق ..

والأمر ذاته يحصل في أي مجتمع بشري، حيث لا يمكن

لأي مجتمع أن يرفض الكذب ويقبله في الوقت ذاته،

وهذا خضوع للمنطق ..

لكن كل فرد من أفراد ذات المجتمع، قادر على حمل

صفات رفض وممارسة ونبذ وقبول الكذب في الوقت

ذاته ..، وهذا خروج عن المنطق!

 الإلكترون يتواجد في أكثر من موضع في ذات اللحظة ..

كيف يكون ذلك صحيحًا، ولماذا لا يمكننا تصوره؟

الجواب ..

أولاً: هذه النتيجة ليست نتيجة قياسات منطقية، لأن

المنطق لا يستطيع قياس مثل هذه النتيجة ..

فهذه النتيجة هي نتيجة مشاهدات وملاحظات اشتركت

فيها عدة عناصر ليس بينها عنصر واحد مثالي ..

بالإضافة إلى أن الإلكترون يتأثر بعمليات القياس

والملاحظة، وبالتالي لا يمكن اعتماد هذه النتيجة

كنتيجة علمية ونهائية لسلوك الإلكترون!

ثانيًا: لعله ليس صحيحًا أبدًا افتراض إمكانية وجود أو

إمكانية إحداث فراغ في أي مكان في الكون، من أجل

دراسة السلوك الحقيقي للإلكترون والفوتون وغيرهما

من مكونات ما يعرف بالمستوى الكمومي ..

وعدم وجود فراغ، يعني أن الإلكترون والفوتون يعملان

في وسط ما ، وليس ثمة مانع منطقي من أن يكون ذلك

الوسط يعمل عمل المرايا، فيكون ظهور الإلكترون في

في أكثر من مكان في الوقت ذاته، أمر طبيعي ومنطقي؛

وكذلك فإنه لا مانع أبدًا من أن يكون ذلك الوسط يعمل

عمل الموصل بالنسبة لفوتون الضوء، وبالتالي يكون

انتشار الضوء في كل الاتجاهات بذات السرعة،

وسرعته الخيالية وكل ما يتعلق بالضوء، كلها عمليات

منطقية وقابلة للفهم والتصور ببساطة كبيرة!

ثالثًا: من المنطقي والمقبول جدًا أن نخرج بنتيجة

لا منطقية لسلوك الإلكترون، لأننا نقيس سلوك

الإلكترون بالمعيار الوجودي وليس بالمعيار الكوني ..،

بينما الإلكترون وحدة كونية، وليس شيئًا وجوديًا!

المعيار الوجودي هو المعيار المنطقي المحدود ..

والمعيار الكوني هو المعيار المزاجي اللا محدود ..

السلوك المنطقي يعني الخضوع لقوانين الطبيعة ..

السلوك المزاجي يعني صُنع قوانين الطبيعة .. 



والآن .. هل صحيح أن الوجود غامض إلى الدرجة التي

ليس بمقدورنا معها وضع تصور لفكرة نشوئه وآلية

عمله، إلا بافتراض بداية غير منطقية بحيث لا يمكننا

تخيلها مثل الانفجار العظيم، أو بافتراض أصل مقدَّس

بحيث لا يمكننا ولا ينبغي لنا تخيله – مثل الإله؟

لعل الأمر يعتمد على مدى قدرتنا على التحرر من

خلفياتنا الثقافية والعقائدية التي صنعت تصوراتنا

التقليدية للوجود ..

فإذا افترضنا الوجود أعقد من أن نفهمه، بدا لنا كذلك ..

وإذا افترضناه أسهل من أن نجهله، بدا لنا كذلك .. 

 كل النظريات التي حاولت تفسير الوجود، انطلقت من

استبعاد فكرتي الأزلية الزمنية واللا نهائية المكانية

للوجود المادي المرصود، ثم عُمِّم الاستبعاد على كل

شيء – مرصود وغير مرصود -، فاصطدمت كل

النظريات باستحالة البداية التي ليس قبلها شيء!

بالنتيجة لم تستطع أي نظرية استبعاد هاتين الفكرتين،

فحاولت كل نظرية بلورة مفهوم الأزلية واللا نهائية،

في صور مختلفة شكليًا عن غيرها من النظريات،

لكن روح الفكرتين ظلت قائمة

 الحديث دائمًا، عن الوجود من وجهة نظر أحد عناصره

والذي هو الإنسان ..

كل النظريات بدون استثناء، اتفقت تلقائيًا على أن

الوجود المادي المتشكل المرصود (مادة، طاقة، حياة)

هو حدث وليس أزلاً، .. أي أن الوجود ظاهرة طارئة

وليس أصلاً ..، وذلك باعتبار أن الموجود أو المتشكل،

هو مركب، وكل مركب هو بالضرورة في حالة تفكك

مستمرة .. أي أن مفهوم الوجود يعني مرحلة من

مراحل تفكك الموجود!

وحيث إنه لا مناص من أزلية البداية ولا نهائية المكان،

فإنه لا معنى ولا حاجة لافتراض تصورات سحرية

لنشوء الوجود وآلية عمله ..

ليس جديدًا القول بأن الوجود المتشكل، هو عبارة عن

تجمعات مادية، منتشرة في وعاء كوني أزلي لا نهائي،

تملأه مادة فضائية ..

السؤال هو: ما سر تشكل هذه التجمعات المادية – الحية

وغير الحية؟

وهنا نقول بأن السر هو المزاج الفاعل!

الوسط الذي يملأ الوعاء الكوني، يعج بوحدات كونية،

وكل وحدة من هذه الوحدات الكونية، هي عبارة عن

مزاج فاعل ..

مشهد الوجود المادي المتشكل في الوعاء الكوني،

بحسب هذا التصور يبدو كأسماك في مياه محيط!

فإذا تصورنا وجود خلايا حية سابحة تملأ مياه المحيط،

منها ما هو متجمع على هيئة أسماك، ومنها ما هو

غير منظور – سابح على هيئته الخلوية ..

فإنه وبذات الخيال يمكننا تصور وحدات كونية أزلية،

تملأ الفضاء الكوني الأزلي اللانهائي ..، منها ما تجمع

على هيئة كواكب ونجوم، ومنها ما ظل على هيئته

الأولية البنائية – وحدات كونية – أمزجة فاعلة! 

 كل ما كان أصلًا بذاته، فهو مزاج كوني فاعل!

الوجودية هي تجميع وتوحيد أمزجة مختلفة بالقوة ..

القوة التي توحِّد الوحدات الكونية وتُنتِج الوجود، هي

قوة ناتجة عن اختلاف خصائص الوحدات الكونية –

تجاذب وتنافر مثلاً!

صفة الوجودية تعني جهد مبذول ..، أي استهلاك

متواصل لطاقة التوحيد حتى استنفادها، وصولاً للتحرر

من ظاهرة الوجود المادي، والعودة إلى حالة الكينونة -

التي أساسها انفصال الوحدات الكونية عن بعضها ..

استهلاك الطاقة أثناء ظاهرة الوجود المادي، يعني

خروج الطاقة من المادة، وانتشارها في الوسط الذي

يملأ الوعاء الكوني ..

وتحرر الوحدات الكونية بعد استنفاد طاقة التوحيد،

يعني عودة الوحدات الكونية للتشبع بالطاقة من جديد!

ما أسميناه هنا بالوحدة الكونية أو المزاج الفاعل،

هو ذكاء محض .. إلكترون، كوارك، فوتون، .. الخ .

يمكننا القول بأن الذرة الواحدة عبارة عن طاقة ..

والطاقة هي كل شيء مرصود وغير ذي كتلة!

الصوت = طاقة مسموعة! .. التفكير = طاقة مُدركة!

الفوتون = طاقة منظورة!

المجال المغناطيسي = طاقة معلومة!

اتحاد عدد معين من الذرات يمنحها كتلة محسوسة،

وحينها نسميها "مادة"!

السبت، 5 يونيو 2021

معنى الشريعة ومعنى أن تكون مسلمًا!

0 تعليق



المُطالبة بتطبيق الشريعة عند المسلمين، هي نسخة

دينية من صراع البشر على السلطة السياسية
 في كل

مكان، الفكرة فيهما أو الهدف منهما هو احتلال موقع

المُراقِب والخروج من موقع المراقَب، لكي يستطيع

الإنسان فعل ما يمنعه هو عن الآخرين!

لماذا يحرص البعض على المطالبة بتطبيق الشريعة

دون غيرهم؟

من هم هؤلاء؟ وما مآربهم الحقيقية؟

ما معنى أن يكون بعض المسلمين أكثر إسلامًا أو

إيمانًا من غيرهم؟

هل هناك معيار أو مقياس لتحديد الإيمان الحقيقي

من المزيف؟

مَن مِن زعماء وفقهاء الجماعات الإسلامية المطالِبة

بتطبيق الشريعة يمكنه إثبات أنه ليس كافرًا وأنه ليس

مجرد مستغل للإسلام؟

لا أحد يمكنه إثبات أنه مسلم أو مؤمن!

الكل يمكنه ادعاء ما يشاء، والظهور كما يشاء!

الكل (مسلم وغير مسلم) يمكنه أن يكون ملتحٍ، وحافظًا

للقرآن والأحاديث، ومرددًا لأفكار وفلسفات واجتهادات

قديمة ..، وليس في ذلك ما يُثبت إسلامه أو صحة

إيمانه!

- تطبيق الشريعة، ورقة رابحة دائمًا بيد من يستعملها،

تمنحه قوة ومصداقية وشرعية من لاشيء؛

هذه الورقة تستعملها دائمًا قلة من المسلمين ضد

الأكثرية في أي مجتمع مسلم؛

هي ورقة رابحة بسبب غموضها لدى البعض ربما،

وبسبب ما تحمله من إشارات محرجة يعرفها الكل

ويخشى افتضاحها لأنها محسوبة على كل المسلمين؛

هذا في الظاهر، أما في الحقيقة فلاشيء من هذا،

لا غموض ولا إشارات، لا مصداقية ولا شرعية، مجرد

أوهام وخدع وفزاعات خاوية ..
 - المطالبة بتطبيق الشريعة لا تظهر في مجتمعات

مسلمة يتفشى فيها الفساد والرذيلة والإجرام أكثر من

غيرها، لكي يُقال بأن عدم تطبيق الشريعة هو السبب!

المطالبة بتطبيق الشريعة تظهر في مجتمعات مسلمة

محافظة ومستقرة، لا تشكو سوى الفقر والجهل اللذين

لا توجد لهما حدود ولا حلول في الشريعة!

كل المؤمنين مجبرون على ارتداء ذات القناع الإيماني

في العلن، وممارسة بشريتهم الطبيعية في الخفاء

وأمام الأصدقاء ..، وكل ما عدا ذلك هو مجرد كذب

وأوهام أو مزايدات وابتزاز باستغلال للدين!

هل المسلمون مخيرون في إسلامهم أصلاً حتى يتم

فحص إيمانهم؟

الحقيقة هي أن كل المسلمين ليسوا مخيرين في

إسلامهم، وهذا يعني أنهم مجبرون على النفاق، ولذلك

هم يتوقعون من بعضهم الخداع أو يدركون أن هذا هو

واقع الحال، مما أوجد دائمًا من يستعمل هذه الورقة

كوسيلة للمزايدة والظهور، أما تطبيق الشريعة فهو

كعدمه أمام النفاق، فالنفاق هو الغالب دائمًا حيثما حل!

السؤال الذي ينبغي طرحه في هذا الشأن، هو:

هل كل من يقول عن نفسه بأنه مسلم ويحفظ القرآن

ويمتلك قوة، يصبح من حقه ممارسة الوصاية على

الضعفاء ومن لا يحفظون القرآن من المسلمين – أي

استعبادهم بطريقة مُحجَّبة (مقنَّعة)؟

إذا كانت الإجابة عند المسلمين هي نعم، إذن يكون

زعماء تنظيم القاعدة ومن يُسمون أنفسهم بتنظيم الدّولة الإسلامية و أنصار

الشريعة وبوكو حرام وطالبان وغيرهم من الجماعات،

من حقهم استعباد كل المسلمين تطبيقًا لتعاليم الإسلام،

ومن حقهم مقاتلة بقية المسلمين باعتبارهم عبيدًا

مارقين عن أسيادهم لا عن الله!

أما إذا كان الجواب لا ، وأن حقيقة إسلام وإيمان

حتى أكبر الفقهاء لا يمكن التحقق منها إلا يوم القيامة،

وأن صحة أي مذهب وأي اجتهاد لا يمكن التحقق منها

إلا يوم القيامة ..، إذن ينبغي على المسلمين وقف هذا

العبث باسم الإسلام والشريعة!

ينبغي وقف الحديث العام باسم الدين حتى يتم الاتفاق

على كيفية التعامل به بما يضمن عدم استغلاله – جهلاً

أو عمدًا ..

ينبغي اعتبار كل من يسعى لفرض وجهة نظره الدينية

بالقوة هو إنسان كاذب متسلق مستغل، أو واهم أو

معتوه!

لماذا المطالبة بتطبيق الشريعة في مصر – مثلاً؟

هل هي غير مطبقة؟

هل هنالك أمر مُحرَّم إسلاميًا .. أي أنه غير مباح في

السعودية، ومباح في مصر - مثلاً؟

كلا ..، لا يوجد، ولم يوجد يومًا!

هل تطبيق الشريعة في السعودية جعلها خالية من

الخمر والسرقة والعلاقات الجنسية المحرمة ..الخ؟

كلا، لم ولن يحصل، فهذه سلوكيات بشرية لها أسبابها

التي لا تعترف بدين ولا شريعة ولا قانون!

البنوك الربوية – مثلاً ..

هل يوجد بديل للقروض الربوية غير الكذب والخداع

والتحايل والفقر والسرقة والتسوُّل؟

كلا، لا يوجد بديل، ولو وُجِدت قروض بدون فوائد

لانتهت القروض الربوية تلقائيًا!

لماذا لا تُطالِب المجتمعات المسلمة كلها بتطبيق

الشريعة، لتقطع الطريق على المتسلقين والإرهابيين؟

هل جُل المسلمين مرتدون، أو يمارسون السرقة

والإباحية والقتل ويشربون الخمر، ولذلك هم يخشون

تطبيق الشريعة – يخشون صرامة العقوبات (الحدود)؟

لا يمكن أن يكون هذا هو السبب، فهذا أمر غير موجود

وغير مبرر!

الرِدَّة عن الإسلام – مثلاً .. لا يمكن إثباتها على أحد

ولا نفيها عن أحد – بتطبيق الشريعة أو بدونها ..؛
 من هو المرتد الحقيقي؟

المرتد هو الذي يدخل الإسلام برغبته بعد بلوغه سن

الرشد، ويوافق على عدم الرِدَّة ثم يقرر الرِدَّة، وليس

المرتد هو من يُفرض عليه الإسلام منذ طفولته، ويقرر

الخروج منه بعد بلوغه ..، وللعلم هذا ما يقوله الأزهر!

لكن وحتى بافتراض أن المرتد هو كل من يخرج من

الإسلام، فإنه لا أحد مضطر للإعلان عن رِدَّته ..؛

فالنفاق والرياء ليسا من شروط الإيمان بل هما من

شروط الحياة في المجتمعات المسلمة ..

الإسلام أساسًا قائم على الإكراه لا على الاختيار- فلماذا

العبث والمجاهرة بالرِدَّة؟

مجرد أن يكون الإنسان غير قادر على تغيير دينه، هو

أمر يُفرغ إيمانه من كل معنى!

الأمر أشبه بالتجنيد الإجباري، حيث لا قيمة للتطوع

طالما أن التجنيد إجباري!

الإسلام قائم على إكراه كل المسلمين بدون استثناء –

المرتد منهم وغير المرتد ..؛

الإسلام قائم على إكراه المسلمين لبعضهم على اعتناق

الإسلام ..؛

لا فضل لمسلم بإسلامه ولا قيمة لإيمانه، فالإسلام

أساسه طاعة بشر لبشر وليس طاعة بشر لله ..؛

اعتناق الإسلام عن طيب خاطر لا يحول دون تكفير

المسلم لمجرد رفضه اجتهاد فقيه ما أو أخذه باجتهاد

فقيه آخر، أو رفضها جميعها، أو أخذه بها جميعها ..،

فكل مسلم هو كافر في نظر أحد المذاهب دائمًا ..؛

كل المسلمين متهمون دائمًا بالكفر والرِدَّة، فما الذي

يدفع المرتد للإعلان عن رِدته، لا سيما وأن المسلمين-

خاصة العرب منهم – معتادون على العبودية، فلا فرق

بين طاعة دكتاتور سياسي نفاقًا وخوفًا من بطشه وبين

اعتناق الإسلام نفاقًا وخوفًا من بطشه، فنحن المسلمين

مُكرَهون على كل شيء حتى الحياة ذاتها!

- السرقة مثلاً .. مُجرَّمة ومرفوضة ومحاربة دائمًا

وفي كل المجتمعات البشرية – مسلمة وغير مسلمة!

- الزنا الحقيقي (الاغتصاب) أو المجاهرة بممارسة

الجنس بحيث يمكن أن يشهده أربعة شهود، هي أمور

مرفوضة ومنبوذة ومحاربة دائمًا وبأقصى العقوبات

وفي كل المجتمعات البشرية مسلمة وغير مسلمة!

- شرب الخمر لا يمكن القضاء عليه لمن أراده في

الخفاء من المسلمين وغير المسلمين، ولم تخلُ منه

بلاد المسلمين يومًا حتى أيام الرسول والصحابة

والتابعين، وهو مقنن لدى غير المسلمين ومحارب

في كل بلاد المسلمين اليوم!

بهذا المعنى الذي هو الواقع، لا فائدة ولا مانع من

تطبيق الشريعة، ولا حاجة للخوف منها، أو بالأحرى

ليس هناك من يخشى تطبيقها ..، ولذلك نقول بأنه

ينبغي على كل المجتمعات المسلمة المطالبة بتطبيق

الشريعة لكي لا يجد الإرهابيون والتكفيريون مبررًا

لذبح المسلمين وجرهم إلى الخلف بذريعة تطبيق

الشريعة!

الجمعة، 4 يونيو 2021

الإنسان والأديان، أسرار ومفارقات (طائفة العَوَام)(٢)

0 تعليق



الصّرع هو مجموعة من الاضّطرابات العصبيّة نتيجةً اضّطراب في الإشارات الكهربائيّة في خلايا المُخ وتؤدّي إلى نوبات متكرّرة ، أحد الأساليب التّي تمّ ابتكارها لعلاج الصّرع ، هو فصل الاتّصال-جراحيّاً- بين نصفيّ المخ ( الأيمن و الأيسر ) عبر عمليّة قطع الجّسم الثفني ( Corpus Callosum)‏ تُسمى ؛" فغر الجسم الثفني " و الذي من شأنه ِتَقلِيل النّوبات بشكلٍ كبيرٍ ، لكن المفارقة هنا هو أن قطع الاتصال بين نصفي المُخّ ينتج عنه ما يُمكن وصفه بانقسام الإنسان إلى شخصين مختلفين ، كل" نصف" له شخصيّة منفصلة عن النّصف الآخر ، أظهرت دراسة بعض المرضى أنّ نصفه مُلحد ، و نصفه الآخر مؤمن

فهل يكون الإنسان مؤمنًا وكافرًا في الوقت ذاته؟ وماذا عن الثّواب و العقاب ؟ هل سيدخل نصفه الجنّة و النّصف الآخر سيدخل النّار؟ من هو هذا الإنسان ؛ هل هو نصفه الأيْمن أم نصفه الأيسر 

هل ينوب إنسان عن الإله في الحُكم بكُفر وإيمان إنسان مثله؟
المُعلَن والطبيعي والبديهي في شأن الكفر والإيمان بالإله والرُسُل والأديان، هو أن الأمر خيار للإنسان، وأن الذي يُدرك حقائق الأمور ويُحاسب ويُكافئ هو وحده الإله!
وحيث إن الإيمان وفق كل الأديان، يستوجب الاعتقاد بأنه لا أحد ينوب عن أحد في الحساب والجزاء، إذن لا أحد ينوب عن أحد في الكفر والإيمان!
لكن مأساة الإنسان في عُرف المؤمنين والأديان (خاصة لدى المسلمين)، تتجاوز إنكار ورفض حقه في حرية العقيدة وخياره بين الكفر والإيمان، والتحايل على النصوص الصريحة في هذا الشأن، لتبلغ غاية في الغرابة..،
إذ تجد أحدهم يعتقد ويرى نفسه ويُعلن ويقول عن نفسه بنفسه بأنه مؤمن، وتجد من الآخرين مَنْ يراه كافرًا، ولا يكتفي بتكفيره، بل ويحكم بقتله..، وكأن بعض البشر مؤهلين ومكلفين ومزودين بأجهزة وآليات ملائكية لقياس وتقييم وتحديد إيمان الآخرين من كفرهم، ومنهم مَنْ جعلوا من أنفسهم خزنة للنار في الدنيا!
فإذا اختلف إنسان معهم على أمر فقهي استنباطي عقلي – لا يمكن الفصل فيه..، تراهم يحكمون بكفر مَنْ خالفهم، رغم أنه يعلن إيمانه..، وكأن تعريف الكفر هو مخالفة البشر للبشر، أو مخالفة الضعفاء للأقوياء ..
وكأن ليس الإنسان هو الأعلم بنفسه وقلبه – ما إن كان مؤمنًا أم كافرًا!
هذه المفارقة، تكشف عن حقيقة هي على درجة من الخطورة، وهي اعتقاد بعض المؤمنين بأنهم مُلَّاكٌ للدين دون غيرهم، وأن بقية المؤمنين ليسوا رعايا عندهم فحسب، بل وعبيد لديهم!
طائفةُ العَـوَام ومَذاهبُ الخَوَاص..
العوام هي صفة تُطلقُ على عامة الناس، ونقيضها صفة الخواص أو الخاصة وتُطلق على النُخبة أو عِليةِ القوم!
مِن مرادفات صِفةِ العوام.. الغوغاء، الدَهماء، الهمج، الرعاع، السُوَقَة، البُسطاء، ورجل الشارع…، وكلها صِفات تدل على جَهالة وبساطة وسذاجة أو فوضوية ولا انضباطية وعبثية سلوك الموصوف بها؛ وهي صِفات ترتبط عادةً أو هي نتيجة لتدنِّي المستوى المعرفي والتعليمي والمعيشي للإنسان!
في لغة السياسة والعِلم، تُستعمل صفة رجل الشارع للإشارة إلى العوام، ولعلها أكثر هذه الألفاظ أدبًا مع الإنسان واحترامًا له، إذ أنها تُشير إلى الإنسان أو المواطن الذي يدفع فاتورة أخطاء السياسة أو العِلم أو يجني ثمار رُشدِها وهو لا يفقهها ولا يعمل بها!
فصِفة رجل الشارع هي بمثابة تَبرئة للإنسان من المسئولية عن السلبيات المُصاحبة للعِلم وعن أخطاء الساسة والسياسة!
في ساحة الأدب والثقافة والدِين، تُستعمل بقية الألفاظ، وكلها تحط من قدر الإنسان، وتحمله المسئولية عن جهله وضعفه!
طائفة العوام..
العوام هم أتباع طائفة واحدة وإنْ تعددت واختلفت أديانهم..، وهي أكبر الطوائف البشرية على الإطلاق، وهي القاسم أو الخلل المشترك بين كل الأديان، وتضم ما يزيد عن 95% من أتباع كل دين..،
عقيدة أتباع طائفة العوام الدينيين..
الواحد من أتباع طائفة العوام، هو كل إنسان يعتقد أو أُجبِرَ على الاعتقاد بأنه مُكلَّف برسالةٍ ربانية إلهية سماوية، وأنه غير مؤهل لفهمها، وأنه مسئولٌ ومُحاسبٌ ومُعاقبٌ عن عدم فهمه وأدائه لها، وأنه – ولهذا السبب – هو محتاجٌ إلى وسيط بشري كاهن، فقيه، شيخ، …الخ-، يُحدِّد له ماذا يريد الإله منه؛ ويعتقد العامي بأن الوسيط لن ينوب عنه في الحساب والمسئولية رغم أنه قد ناب عنه في فهم الرسالة وتحديث قائمة واجباتها ومُحرَّماتها، فبات على العامي أن يعتقد بأنه هو مَنْ سيُحاسَبُ إذا أخطأ الوسيط؛ ويَعتقد العامي بأن حسابه سيكون بدقة متناهية، وأنه قد يُعذَّبُ أشد العذاب وقد يخلد فيه مُهانا، إذا أخفق في فهم وأداء الرسالة التي لا يمكنه فهمها، والتي قد يكون إخفاقه فيها بسبب خطأ الوسيط أو خطأ في اختيار الوسيط – الذي لا يحمل تخويلًا إلهيًا ولا يوجد مقياس معياري يُقاس به صوابه من خطئه، ولا يوجد بديلٌ ولا مناصٌ من إتِّباعه.
ويعتقد العامي بأنه إذا نجح في أداء الرسالة فإنه سيُكافأ بجنة الأحلام – مقابل طاعته للوسيط البشري لا للإله – باعتبار أنه لم يفقه مُراد الإله إلا بفضل الوسيط ؛ ويعتقد بأنه غير مؤهل للمقارنة والتفضيل بين الوُسطاء الإلهيين، ومع ذلك فهو المسئول إذا اتَّبع الوسيط الخطأ.
ورغم أن العامي لا يمتلك آلية اختيار الوسيط، إلا أنه مُجبَرٌ على الاعتقاد بأن عدم طاعته للوسيط الذي تأتي به الصُدفة، هو بمثابة عصيان مباشر للإله، وأن إتِّباعه للوسيط الخطأ هو كذلك عصيان مباشر للإله!
ويعتقد بأن الصُدفة التي أوجدته بهذا المجتمع دون سواه، تلك الصُدفة التي جعلت من هذا الشيخ وهذه الطائفة وهذا المذهب دِينًا للعامي وسبيلًا له، هذه الصُدفة هي الحق المبين؛ ويعتقد بأن الصُدفة الأخرى- توأم الصدفة الأولى- والتي أوجدت غيره في مجتمعٍ آخر وطائفة أو دِينٍ آخر ومذهبٍ وشيخٍ آخر، تلك الصُدفة هي الضلال المبين؛ ويعتقد بأن الإله قد أراد به الخير وهداه قبل أن يُولد.. إذ أوجده حيث ينبغي أن يوجد المُهتدون كي يُدخله الجَنَّة؛ ويعتقد العامي بأن ذات الإله قد أراد بالآخرين شرًا، فأضلَّهم قبل أن يولدوا.. إذ أوجدهم حيث ينبغي أن يوجد الضالون كي يُعذِّبهم!
ويعتقد العامي بأن إتِّباعه وطاعته للشيوخ والأهل الذين وَجَدَ نفسه بينهم ولم يخترهم، هو واجبٌ عليه وحُجَّة له، بينما ذات الأمر لا ينبغي لغيره من أتباع الطوائف والمذاهب الأخرى، فإن أطاعوا شيوخهم وأهلهم فذلك حُجَّةً عليهم لا لهم!
ويعتقد بأن هذه المغالطات المفضوحة التي يسخر منها المجانين فضلًا عن العُقلاء..، يعتقد بأنها أساس القضاء الإلهي وأنها منتهى العدل والإنصاف والكرم؛ فكل من كانت هذه حاله وهذه عقيدته فهو من أتباع طائفة العوام!
مذاهب الخواص الدينيين ..
بعد أن استعمل الخواص غِربال الفقه لفصل العوام وتمييز الخواص عنهم، واتفقوا وأجازوا لأنفسهم القول بأن العوام هُم بشر لا يفقهون، وأنهم رغم ذلك محاسبون ومعاقبون ومكلفون برسالة لا يمكنهم فهمها، وأن ذلك لا يتناقض مع العدل الإلهي – بحسب شرائع وتعاليم الأديان..، بعد أن خَلُص الخواص من أمر تصنيف العوام، التفتوا إلى بعضهم فوجدوا ذات المعضلة ماثلة بينهم، وهي المعضلة التي أوجدت أو أفرزت أو ولَّدت مصطلح العَوَام، وهي معضلة الرفض الفطري لدى الإنسان العاقل للتنازل عن هويته، ورفضه استبدالها بالانقياد والانصياع والخضوع غير المشروط لغيره، وهو الأمر الذي استطاع الخاصة إلزام العوام به باستعمال عصا النار وجزرة الجنة!
عندما احتدم الاختلاف والخلاف بين الخواص ووصل الأمر إلى حد التناقض الذي لا يمكن أن يمرر حتى على العوام رغم جهلهم وجبنهم ورعبهم، فهو تناقض مكشوف لا يمكن أن يوصِل إلى ذات النتيجة مع ذات الإله..، وعندما بدأ الخاصة بتصنيف بعضهم، فوصف كل طرف الطرف الآخر بأن مكانه بين العَوَام، ونزعوا عن بعضهم الحق في صِفة ومكانة الخاصة..، عندها خشي الخاصة من افتضاح أمرهم أمام العوام، وأدركوا أن ذلك سيؤدي إلى تمرد العوام – باعتبار أنه قد تبيَّن أن لا أحد يمتلك الحقيقة -، وإلا لكان الخاصة أولى بالاتفاق أو إقناع بعضهم – إذا كانت الرسالة واحدة وكلهم مهيئون لفهمها-، فالخاصة يُفترض فيهم أن يكونوا مُدرِكين قبل أو دون غيرهم لمعنى الاختلاف حول أمرٍ محدد تستوجب الحقيقة والمصلحة أن يجتمع حوله ويلتزم به الجميع؛ وباعتبار أن الخاصة يدَّعون بأنهم مؤهلون لفهم الرسالة الإلهية - حسب الفقه والشرائع والتعاليم الدينية ..، عند هذا الحد تدارك الخاصة أمرهم- معتمدين ومتسلحين بجهل العوام الذي كانوا قد أقنعوهم به مسبقًا والذي كان سببًا في تسميتهم بالغوغاء، وكان مبررًا لإقصائهم من المشاركة في محاولة الفهم والتحليل والإفتاء- رغم اختلاف الخاصة..، ولإنقاذ الموقف وحِفظ ماء وجه الخواص أمام العوام، تدخلت الثقافة البشرية وابتدعت نظرية المذاهب، فأصبح – وبموجب نظرية مذاهب الخواص-، يحق للخاصة الاختلاف الكامل والفاضح حول الأمر الواحد، ولا يحق للعوام الاعتراض أو مجرد التساؤل..، بل إن كل ما بقي متاحًا أمام طائفة العوام، هو أن يتوزع أفرادها بين مذاهب الخواص المتناقضة لتحقيق النصاب لها، وأن يُمنِّي كل فريق نفسه بأنه الفرقة الناجية!
وعلى اعتبار أن الصُدفة ولا شيء غير الصُدفة هي مقياس العوام لإتِّباع الخواص، وحيث إن المصانع العشوائية العمياء التي تُنتج العوام لا تتوقف عن الإنتاج، وحيث إن أعداد العوام أضعاف أعداد الخواص – بسبب الشروط التعجيزية التي ابتكرها وابتدعها الخاصة على مقاسهم، والتي من بينها حث الفقراء والبؤساء على التكاثر وإنجاب المزيد من التُعساء - كي لا يُزاحمهم العوام على الخصائص التي تُمكِّنهم من قيادة البشر وحصد المزايا الحياتية..، وكي يحصل كل مذهبٍ على النصاب من العوام ..، لذلك أصبح – بعد أن لم يكن – اختلاف مذاهب الخواص شرعيًا، واختلاف العوام لعنة تُطاردهم، فيعبدون الإله وفق مذاهب الخواص المختلفة المتناقضة، ويفعلون ما يؤمرون ولا أحد يكفل لهم النتيجة!
لقد اختلفت الأديان أيما اختلاف، واختلف وتصارع أتباع الدين الواحد، وأتباع الطائفة الواحدة، وكفَّر بعضهم بعضًا، إلى الحدِّ الذي بات معه الجزم بأحد أمرين ليس ممكنًا فحسب، بل بات أمرًا بديهيًا ظاهرًا ومُلِحَّا لكل حُرٍّ ذي عقل ..،
فإما أنَّ كل الأديان ليست من عند الإله وإنما هي أوهام أو هي فلسفات بشرية تمت نسبتها إلى الغيب بقصد تسويقها..،
أو أنَّ كل دين وكل قوم لهم إلههم الذي خاطبهم وخصَّهم بالهداية دون غيرهم، أي ليست كل الأديان من عند ذات الإله!

عُلماء غيب ..
عندما يوصف الفُقهاء والكهنة بأنهم علماء، فإنه لا معنى ولا مجال لهذا الوصف إلا إذا كان المقصود أنهم علماء غيب، وحينها يكون تصديقهم وطاعتهم وإتِّباعهم هي أمور طوعية شخصية عاطفية أو تعاطفية، لا تستند إلى برهان ولا تُلزِم الجميع ..، فالغيب هو المجال الذي يمكن لكل مَنْ شاء أن يقول فيه وعنه ما يشاء، فهو المجال الذي لا يمكن إدراك أو إثبات نتائجه ولا يمكن التحقق من صحة أقوال العاملين فيه ولا حاجة لإضاعة الوقت وبذل الجُهد لإقناع الواهم بأنه واهم ..،
وهذا هو حال الفقهاء والكُهان، إذ لا يمكن التحقق من صحة ما يقولون وما يعتقدون ويتخيلون، وعليه فإنه لا معنى لالتزام الآخرين بأحلامهم وتخيلاتهم!
أما وصفهم بأنهم علماء وحسب أو علماء دِين، فإن في ذلك مغالطة مفضوحة وربما تدليس متعمد ..، فقد ارتبط مفهوم العِلم والعُلماء في أذهان الناس بالحقيقة، حيث إن نتائج العِلم الحقيقي لا تتضارب وأقوال وقناعات العُلماء الحقيقيين لا تتناقض..، ولذلك فإنه ما أن يُقال بأن هذا الأمر أو هذه المعلومة قد قال بها عالِم، حتى يُبادر الناس إلى تصديقها، لعلمهم أنه لو لم تكن حقيقة لتصدى لها علماء آخرون ودحضوها قبل أن يسمع بها العامة، فالعالِم الحقيقي لا يُخاطب العامة أساساً ولا يَحفل بانبهار البُسطاء، وليست له غاية إلا إثبات صِحة نظرية ما أو خطئها، ولا ينتهي اختلاف العُلماء الحقيقيين إلا بالاتفاق والإذعان للحقيقة..، فأين فقهاء الأديان من ذلك حتى يُوصفوا بالعُلماء ويوصف مجالهم بالعِلم..، هيهات أن يبلغ الفقه الديني هذه الدقة أو يخضع لهذه المعايير الصارمة ..، إذ أن الفقهاء والكُهان لا يترددون في رمي بعضهم بالكذب والتدليس والجهل متى تعارضت آراؤهم وتصوراتهم وأهدافهم، والواقع يثبت أنه لا أحد منهم يُدرك شيئًا عن الحقيقة التي يتحدثون باسمها..، وكل ما يمتلكونه هو بساطة البشر وذعرهم من المجهول وعاطفتهم التي هي مصدر ضعفهم وهلاكهم!

خصوصية وهمية وعامية افتراضية…
لا خلاف اليوم على أن البشر أُممٌ متعددة مختلفة، بغض النظر عن اتحادهم في الأصل من عدمه..، فالاختلافات البُنيوية والمقدرات والمواهب والهوايات، والميول والرغبات الفطرية، والمؤثرات الخارجية البيئية..، هي عوامل كفيلة بخلق اختلافات لا يمكن تجاهل نتائجها، رغم تجاهل البشر أو جهلهم بالاختلافات ذاتها!
فالبشر أُمم مختلفة شأنهم شأن أُمم الطير والأسماك وغيرها، فليست الطيور أُمةً واحدة، بل هي أُممٌ يأكل بعضها بعضًا، وكذلك الأسماك وكل الكائنات، وكذلك البشر ..،

لكن الخلاف هو حول مواصفات الأمم البشرية، فالتشابه أو شبه التطابق الخادع الذي يظهر على البشر، جعلهم يبحثون عن معايير خارجية لتحديد وتمييز الأمم البشرية عن بعضها..، فاستعملوا الأوطان واللغات والأديان والثقافات وغيرها كمعايير لتحديد أُمة الإنسان، متجاهلين أن هذه ليست معايير بل هي أقنعة زائفة يمكن بل ويجري ارتداؤها وخلعها وتركها أو تغييرها واستبدالها في كل وقت..، وأن المعيار الحقيقي لتحديد أُمَّة الإنسان هو معدن الإنسان الذي يُحدد هويته الذاتية ويطبع شخصيته، تلك البصمة التي لا يمكن تغييرها ولا تقليدها..، فالكاذب يبقى كاذبًا حتى لو ألبسوه أثواب وعمائم ولِحى الأديان كلها..، ويبقى الصادق صادقًا حتى لو لم يعتنق أو لم يسمع عن الأديان كلها، وكذلك الذكي والغبي والمخادع الأمين وغيرهم!
إن تمييز البشر وتقسيمهم إلى خاصة وعامة في مجال الدين الذي هو مجال عام وليس مجال خاص، ما هو إلا جهل أو وهمٌ أو هو كذبٌ صريح!

فالعامِّي في أي مجال هو الدخيل على ذلك المجال والذي هو ليس مُلزمًا بفهمه وتصديقه والعمل به..، أما المجال الذي لا مناص للإنسان من الالتزام بقوانينه والعمل بتعاليمه، فإنه من المغالطة والافتراء أن يوصف الإنسان بأنه عامِّي نسبة له!
إن العوام بالمقياس العلمي، هم الدُخلاء على العِلم، والذين هم خارج مجال ذلك العِلم والجاهلين به، والذين هم ليسوا مُلزمين بنتائجه وقوانينه، والذين لا تُعيرهم تسميتهم بالعوام نسبة له، حيث إن لكل منهم مجاله المختلف الذي يجد فيه نفسه ويُحقق فيه ذاته ويُثبت وجوده!
وكذلك العوام بمقياس السياسة، فهم كل العاملين خارج حقل السياسة، والجاهلين بشئونها وتاريخها، إلا أنَّ الاختلاف عن العِلم هو أن عوام السياسة مُلزمون بنتائجها وقوانينها بمعادلة الحاكم والمحكوم والقوي والضعيف، وليس بمعادلة الواجب أو القناعات والرغبة!
قد يكتنف السياسة غموضٌ من حيث دقة البيانات والتفاصيل، لكن حروبها وعداواتها وعلاقاتها لا تكون إلا مع طرفٍ آخر معلوم للخاص والعام ..، ولعله من الأهمية بمكان أن نذكر هنا أن الساسة هم عوام في مجال العِلم، وأن العُلماء الحقيقيون قد يكونون عَوَامّاً في مجال السياسة..، أما في مجال الأديان، فإن العداوة والحرب قائمة على أَشُدِّها مقابل طرفٍ افتراضي وهمي اسمه الشيطان..، والعلاقات متينة مع جهات غيبية لم يُسمع لها صوت ولم تَستجب يومًا لدُعاء!
وبالنتيجة فإنه لا معنى لصفةِ الخاص والعام في مجالٍ عام يتساوى الجميع في الجهل بنتائجه!

 أنصار الحقِّ المُتحايلون، وإنسان الأحلام..
بحسب تعليمات مُشرِّعيها ومُفتييها وكهنتها، فقد كلفت الأديان الإنسان بما لا يُفهم ولا يُعقل ولا يُستطاع، وذلك تحت تهديد النار وإغراء الجَنَّة..، فخَلَقَت بذلك بشرًا يحملون بأذهانهم إنسانًا افتراضيًا هُلاميًا يمتثل لتعاليم الأديان تصوُّرًا وتخيُّلًا..، بينما في الواقع هم بشرٌ عاديون لا يستطيعون فعل المستحيل الذي تأمر به الأديان والذي تعهدوا بفعله، فكانت أخلاقهم خوفًا وطمعًا وليست إيمانًا ولا اقتناعًا بالأخلاق لذاتها ولأهميتها!
فأصبحوا يعتقدون ما لا يفقهون ويفعلون ما يرفضون وينتظرون تحقق المستحيل ليفعلوا ما يعتقدون، واضطروا تحت ضغط الحاجة أحيانًا وبسبب الغُبن أحيانًا كثيرة، أن يُلبِسوا الأوهام والأحلام ثوب الفتاوى، فكلما ضاق بهم الحال برروا لأنفسهم ولأتباعهم ما يُحرِّمون على سواهم، فتجدهم يعتقدون بأن المُلك بيد الإله يؤتيه من يشاء وكذلك الرزق، وفي ذات الوقت يُشَرِّعون لأنفسهم ولأتباعهم الخِداع والكذب والتلاعب بالألفاظ وكتمان الحقائق وسَرِقة ونهب مال الدولة والمجتمع، بحُجَّة أن الدولة ليست عادلة..، ويفعلون الشيء ذاته في المجتمعات العادلة بحُجَّة أنها لا تقيم شرع الإله..، وكأنهم ليسوا مُطالبين بالصدق والأمانة والاستقامة إلا إذا توفرت لهم الجنة على الأرض..، ولا معنى ولا قيمة لإيمانهم بأنهم في دار امتحان!
وفي محاولة لتجاوز الحق باسم الحق، فقد وضعوا نظرية أسموها قاعدة شرعية وكأنهم مخولون بوضع الشرائع المنسوبة للإله، وربما أفرغت هذه القاعدة معتقداتهم من مضمونها، إذ أفتوا بأن الضرورات تُبيح المحظورات..، والواقع أنه لا محظورة إلا ولها ضرورة تُبيحها!
ولكن، تلافيًا للخطأ أو في الحقيقة إمعانًا فيه، جعلوا تحديد الضرورة من اختصاص الخاصة، وكأن عموم الناس لا يعرفون ما هي ضروراتهم، وكأن قدر العوام أن تكون عورات حياتهم مكشوفة أمام الخاصة، فإذا أراد العامي معرفة ضرورة أمره من عدمها، فإن عليه أن يكشف كل أوراقه ويُفشي أسرار حياته وأسرته أمام الخاصة كي يجدوا له الفتوى ويُحدِّدوا له مدى احتياجه بهذا الأمر من عدمه..، وكأن المفتي مَلكٌ كريمٌ معصومٌ ومكلَّفٌ أو مُباحٌ له الإطلاع على أسرار وخصوصيات الناس!
إن للواقع إرادته التي تعمل وفق المنطق والحقيقة والموضوعية، فلا يعترف الواقع ومتطلبات الحياة بتعاليم الأديان ولا يعتد بأمزجة وتكهنات واختلافات وتعليمات رجالات الأديان..،


 .

- المُلحدون..
لا شك أنَّ الدِين هو المسئول عن جُلِّ الخلافات والاختلافات البشرية، ومنها ظهور ما يُعرفُ بالملحدين أو المُشككين في وجود الإله..، فكل رسول وكل دِينٍ من الأديان قد أصبغ على إلهه مواصفات معينة، ثم أمر الناس باسم ذلك الإله بأوامر لا تتوافق مع مواصفات الإله..، فكان السؤال وكان العجز عن الجواب فكان التشكيك ومن ثم كان الإلحاد!
ولذلك فإن التشكيك والإلحاد هما مُوَجَّهان بالأساس إلى آلهة الأديان ذات المواصفات البشرية المتناقضة، وليسا موجهين إلى الإله الحقيقي المطلق الذي لا يعلم البشر عنه شيئًا، والذي تتساوى أمام قدرته جميع مخلوقاته، فلا يختلف البشر عن بعضهم ولا يختلفون عن غيرهم من المخلوقات قياسًا له!

 - المُشركون..1
أما ما يُسمَّى بالمشركين، فإنه لا وجود لهم بالمعنى المتداول بين الناس – لاسيما بين المسلمين-، حيث يتصور المسلمون بأن المشركين هم أُناس عُقلاء يعلمون بأن الإله واحد لكنهم لا يُقرُّون له بالوحدانية..، وهذا بالطبع وهم أو هو محض افتراء وخداع للبُسطاء يُكذِّبه الواقعُ قبل العقل والمنطق، إذ لا وجود بين البشر لمثل هؤلاء الحمقى، وإن وُجِدوا يكون قد رُفِع عنهم القلم حتمًا..، لكن الصحيح والثابت أنه لا وجود لهم إلا في مُخيلة الأغبياء والغافلين وعلى ألسنة الدُعاة الواهمين والمُخادعين، فليس الحديث عن المشركين إلا من قبيل الخِداع ومحاولة إيهام المُخَاطَبين بأنهم وحدهم قد نالوا رضا الإله عنهم، وأن عدم شِركِهم بالإله يدل على عقلانيتهم واستقامتهم، وأن ذلك إنجاز لهم ومكسب عظيم خير من الدنيا وما فيها..، والحقيقة أنه لا شيء من ذلك مُطلقًا ولا قيمة ولا نتيجة لما يفعله الحمقى سوى ما يجنيه المخادعون من استعبادهم للمغفلين والسُذَّج والضعفاء والواهمين..،
ذلك أنهم استغفلوهم فباتوا يُنفِّذون ما يأمرونهم به وينتظرون تمييزًا لهم وجزاءً عظيمًا عند الإله دون غيرهم، بينما هم في الحقيقة لم يفعلوا سوى ما يفعله كل البشر، فلم يفعلوا شيئًا يستحقون به ما يُميِّزهم عند الإله ولا يستطيع كل البشر فعل شيء من ذاك القبيل والحجم..، وليس الاعتقاد بأن الإنسان يستطيع أن يفعل ما يُرضي الإله أو يُغضبه إلا طعنًا صريحًا في كمال الإله، وتضخيمًا لقيمة الإنسان في مقابل قيمة الإله.. وكأن الإنسان كائن يقع خارج الإرادة والمشيئة الإلهية، أو كأن الإله يُعاقب ذاته، فيخلق الإنسان ويُبرمجه على عصيانه ثم يُعاقبه على تنفيذه لبرنامج هو من صنعه وألزمه به!
- المُشركون .. 2
أما إذا كان المقصود بالشرك هو مُخاطبة الإنسان للإله أو عبادته له بواسطة مخلوقاته وليس مباشرة، إذا كان هذا هو المقصود بالشرك إذن يكون المؤمنون بالأديان هم وحدهم المشركين على الأرض دون غيرهم..، ذلك أنهم لم يعرفوا الإله ولم يُخاطبوه ولم يعبدوه أصلًا إلا بواسطة الرُسُل..، ثم إن كل المؤمنين بعد الرُسُل وإلى اليوم، هم لا يعبدون الإله ولا يفعلون ولا يتركون شيئًا يرتبط بعلاقتهم بالإله إلا بواسطة وعبر ومن خلال وبمساعدة وبموافقة وبمباركة الكهنة والمشايخ والفقهاء..، فهل للشركِ معنىً آخر!
- المُشركون والمُلحدون والمشككون في وجود الإله..
ليست هذه الأفكار والرؤى والمُسمَّيات سوى ردة فعلٍ طبيعية من عاقل يحترم عقله، على نظرياتٍ خاطبته وتجاهلت عقله!
فلا توجد طوائف ولا مذاهب بين قُطعان الأغنام والماشية وأسراب الطيور، وبالمقابل لن تجد كتابًا أو مقالًا يحمل توقيع سمكةٍ أو قُنفذ ينتقد الأديان أو يُسائلها..، فلا يفعل ذلك سوى الإنسان، ولم يفعل ذلك إلا دفاعًا عن هويته التي أرادت الأديان طمسها وإعادة تشكيلها بما يتوافق مع رؤى رجالاتها!
إنَّ التناقضات التي تمتلئ بها كُتُب الأديان حول وصف الإله.. رحيم وفي ذات الوقت منتقم ( شديد العقاب)، بكل شيء عليم وفي ذات الوقت سيسأل الإنسان ويحاسبه بالميزان، وأنَّ أعضاء الإنسان ستشهد عليه – وكأن الإنسان شيء آخر غير أعضائه، وكأن الذي سيُعذَّبُ شيء آخر غير الأعضاء، وكأن الإله بحاجةٍ لشهادة الأرجل والأيادي، وكأن…الخ، وإنَّ اختصاص الأديان بمخاطبة العاقل وإلزامها له بتعاليم وطقوس وتشريعات لا يفهمها ولا يقبلها العقل، وخلو كُتُب الأديان من أي برهان أو آية أو سبيل لإثبات صحتها…الخ، وجود هذه التناقضات ونسبتها للإله، هو الذي أوجد التساؤلات عن كُنه الإله وعن حقيقة وجوده وأحاديته!
فلو لم تكن هناك الأديان لكانت ربما رؤية الإنسان للإله اليوم لا تقوم إلا على إحدى وجهتي نظر لا أكثر..،
- إما اعتقاد بوجوده كقوة منطقية خَفيَّة، تُسيِّر الكون وتَحكم سلوك الموجودات، وأنَّه ربما لها غاية لا تُدركها المخلوقات، وأنها أكبر وأعظم وأعقد من أن تَغضَبَ أو تَرضى بما تفعله مخلوقاتها الضعيفة..،
- أو يكون تَعَادُلٌ في المُعطيات وتضادٌ في الأفكار.. يُترجم إلى الشعور والقول بـ لا أدري!
فليس الخوض في شأن الإله إنكارًا أو تشكيكًا سوى ردة فعل على مَنْ ادَّعى معرفته بالإله ولم يستطع إثبات ادِّعائه، واكتفى بالتهديد والترهيب والترغيب باسمه! 

.
قانون الإنصاف الطبيعي..
لماذا يؤمن أتباع الأديان بأن دعوة المظلوم مُستجابة ولو كان كافرًا؟
ولماذا يؤمنون بأن الإله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ويهزم الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة؟
وكيف يعتقدون بأن أعمال الإنسان لا تُحسبُ له إذا لم يكن مؤمنًا بدينهم..، وفي ذات الوقت يعتقدون بأن الإله يقتص للكافر وينصره إذا كان مظلومًا!
الحقيقة أنه لم يجد أتباع الأديان بُدّاً من الإقرار بوجود معادلة وآلية منطقية تحكم الكون وتفرض العدل، ولا تخضع لتعاليم أديانهم، ورغم ذلك تَغلُبُ عليهم أنانيتهم فيتجاهلون واقعًا يرونه وحقائق يؤمنون بها، فيتمنى ويُحاول كل فريق منهم أن يُثبت أن العدل والحقَّ دائمًا حيث هو وحيثما تحققت مصالحه ورؤاه، وأن يكون الظُلم والخسران حيث يوجد الآخرون..، وما ذلك إلا بسبب جهل وضعف البشر الذي يدعوهم إلى تضخيم الأنا على حساب الحقيقة! 

 هل ينبغي الطعن في الإيمان والأديان، والدعوة إلى الكفر والإلحاد؟
الإجابة، كلا!
فليس الطعن في الإيمان والأديان، ولا الدعوة للكفر بها والإلحاد، من شأن العُقلاء..، ولا تختلف عن ذلك الدعوة إلى الأديان والإيمان والتعصُّب إلى المعتقد دون دليل وبرهان!
إن الأهم من هذا كله هو الدعوة والبحث عن الحقيقة، من أجل أن يعيش الإنسان الحقيقة، من أجل أن يكون الإنسان حقيقي ويتعامل مع إنسان حقيقي!
إن ما يعني الإنسان من الإنسان هو سلوكه وممارساته معه – خاصة تلك التي تؤذيه دون مبرر..، وليس إيمانه أو إلحاده، التي هي شئون خاصة تخضع لقناعات وثقافات وحتى اعتبارات شخصية!
وهنا حقيقة لا ينبغي ولا يمكن للصادقين إخفاءها، وهي أن المعاملات والأخلاق بين مَنْ لا يعرفون ديانات بعضهم، بما في ذلك التعامل مع الملحدين، هو التعامل الحقيقي مع الإنسان الطبيعي الحاضر الموجود والذي يُعبِّر عن ذاته وقناعاته – بغض النظر عن صحة اعتقاده من عدمها!
بينما التعامل مع المؤمنين المُلزمين بتجاوز العقل وتجاهل التفاعل مع الواقع، والمجبرين على استعمال نظرية الاعتقاد المسبق عن الآخرين، والذين هم بالضرورة لا يرون البشر إلا من خلال اعتقاداتهم هم، هو تعامل مع إنسان غير طبيعي، إنسان يستمد سلوكه ويستورد قناعاته من خارجه، فلا يعني له صِدق الآخرين وأمانتهم معه شيئًا، فهو يراهم من خلال قناعات آخرين!
إنها حقيقة لا ينبغي تجاهلها، ذلك أن المؤمن تقليدًا وخوفًا وطمعًا، هو إنسان مشوه وغير سَوي..، وبغض النظر عما هو الحل وما هو البديل، فإن هذه حقيقة مُعاشة لا يغفلها ولا يجهلها إلا جاهلٌ أو كاذبٌ أو واهم أو مُتعصب ومُقَلِّدٌ أعمى!
ونقول لأولئك الذين يعتبرون أن أدنى تساؤل حول المعتقدات أو محاولة إصلاحها هو بمثابة تشكيك بها، وأنهم لا يقبلون التشكيك فيما بين أيديهم، إلا في وجود البديل الجاهز!
نقول لهم..، إن غياب الطريق البديل، لا يُبرر السير في طريقٍ ثَبُتَ خطؤه أو يعوزه الدليل!
ليس العاقل بالذي يطلب اطمئنانًا أساسه التجاهل والتغابي!
فإذا رأى الإنسان أن ضعفه المعرفي وعدم تخصصه، هو سبب يجعله يضع ثقته وأمله في المتخصصين..، فإن عليه أن يتذكر بأن المتخصصين كُثُرٌ وأنهم ليسوا متفقين، ولا يمكن لغير المتخصص أن يطعن في مقدرة وحرص بعضهم لصالح البعض الآخر!
إن الذين يُحاولون إقناعك بصحة هذا الدين وهذا المذهب وهذه الطائفة على حساب غيرها، هم بشرٌ عاديون لا يختلفون قيد أُنملةٍ عن الآخرين الذين يطعنون في صحة ذات الدين وذات المذهب وذات الطائفة..، ليبقى القرار لك والمسئولية على عاتقك!
إنه ليس ثمة خطأ يوازي الجزم بصحة ما لا دليل على صحته!
فإن كان السير في هذا الطريق سببه غياب البديل وليس وجود ووضوح الدليل، فإن ذلك لا يُلغي حق المسافر في التساؤل، ولا يُسقط عنه واجب السؤال ومسئولية البحث!
إن ضعف الحُجَّة لدى المتخصصين يبرز من خلال تحذيرهم لأتباعهم من الإطلاع على ما لدى خصومهم!
إن الواثق من سلامة منهجه وقوة حُجَّته، هو الذي يدعو أتباعه للإطلاع على حُجج خصومه، وليس الذي يدَّعي الصواب ويحتكر المعلومة ويُهدد ويُحذِّر من الإطلاع والسؤال!
إن كُلَّ دُعاة الأديان والطوائف والمذاهب يدَّعون امتلاك الحقيقة، فإذا اعتقدت أن بعضهم يريد بك خيرًا وبعضهم يُريد بك شرًا، فتذكر أنهم جميعًا يدعون أهلهم وأبناءهم وأصدقاءهم إلى ذات الأمر الذي يدعونك له! فإن قُلتَ لعل بعضهم واهمون فإنك لا تدري أيهم الوهمين!
إن مَنْ كانت حُجَّته الحِرص والثقة في المتخصصين، لا ينبغي أن يتجاهل أنه لن يكون أكثر حِرصًا ولا أبلغ حُجَّةً من المتخصصين المخالفين لمذهبه وطائفته ودينه!
ويبقى أن نتذكر أن افتراض العدل يستوجب ألا يُعاقب الباحث عن الحقيقة إذا ضلَّ سبيلها، طالما كانت النية خالصة وصادقة والأمانة حاضرة!
فلا ذنب لمن بذل جهده ولم يبلغ النتيجة، ولا فضل لمن بلغ نتيجة لا يُدرك حقيقتها!
فإذا لم يستحق الأول العقاب بسبب عجزه، فهل يستحق الثاني الثواب على لامبالاته!
إن تَمَيُّز الإنسان بالعقل، والاتفاق والإقرار بأن العقل هو سبب ومناط التكليف، يستوجب ألا يفعل الإنسان العاقل للغد ما لا يستطيع تبريره اليوم!

الأربعاء، 2 يونيو 2021

اللاهوت والناسوت!

0 تعليق



يعتقد المؤمنون (أتباع الأديان الإبراهيمية – بشكل خاص)، بأن المسيح "عيسى ابن مريم" رسولٌ، بعثه الإله إلى بني إسرائيل، وأيده بمعجزات يصعب تصديق حدوثها- اليوم، ويصعب معها تكذيب رسالته ونبوءته في عصرها!
والحقيقة أن الاعتقاد بولادته من غير أب، ومن أُم عذراء- ليست متزوجة وليست بغي، وكلامه في المهد، وإحياؤه الموتى، وغيرها، كلها خوارق لو أنها حدثت بالفعل- أو لنقل لو أنها تحدث اليوم على يد بشر، لاتَّبعه وسلَّم بنبوءته ورسالته كل مَنْ عاصره وكل مَنْ جاء بعده – باعتبار أن الجميع سيتمكنون من مشاهدته بفضل العلم والتقنية في عصرنا..، مع عِلمنا بأن المسلمين يعتقدون بأنه قد يأتي أو أنه حتماً سيظهر رجلٌ في آخر الزمان يدَّعي النبوة، وسيطلب من الناس اتِّباعه، وأنه سيقوم بفعل أشياء تخرق الناموس البشري (معجزات) شبيهة بمعجزات عيسى..، ويعتقد المسلمون بأن مَنْ يتَّبع ذلك الساحر الخارق ويعتبره رسولاً، فهو ضال وكافر وجزاؤه جهنم..، في حين أنَّ "عيسى ابن مريم" قد فعل ذات الشيء، ولم يُجرَّم مَنْ اتَّبَعه، بل تم تجريم الذين كفروا به، وتمسَّكوا برسالتهم ورسولهم السابق..، فما ذنب الذين كذَّبوا "عيسى" – رغم معجزاته – إذا كانت لديهم روايات وتوصيات وتعاليم منقولة لهم عن رسولهم – مثل رواية المسلمين – لا مجال لدحضها ولا لإثباتها، وتأمرهم بعدم الإيمان بمن يأتي من بعده- مهما تكن معجزاته وخوارقه..، تماماً كما يعتقد المسلمون اليوم- لاسيما وأنهم يعتمدون على روايات بشرية، لا وجود لها في كتابهم المقدَّس!

فهل تكون معجزات الرُسُل مُطابقة لشعوذات السحرة..، ثم يُعاقَب الإنسان لعدم قدرته على التفريق بينها؟

وهل- بحسب الأديان- تكون رسالة البشر هي عبادة الإله أم فك ألغازه؟


وأما اعتقاد أتباع بعض الأديان بأن الإله سيُمكِّنهم-

دون غيرهم- من كشف أسرار مشعوذ آخر الزمان،

وأنهم سيجتنبون الوقوع في حبائله التي سيقع فيها

غيرهم..، فليس ذلك سوى من قبيل ضحك الحُذاق

على ذقون البُسطاء والضعفاء- من أجل المحافظة

على بقاء كلٍّ في مكانه ومركزه..، حيث إن مثل هذه

المغريات الوهمية التي تُخاطب العواطف وتُدغدغ

الأحلام ولا مجال لإثبات صحتها، هي موجودة بشكل

أو بآخر في كل الأديان والمعتقدات، ولا تختلف إلا

باختلاف الثقافات والعادات بين الشعوب المختلفة!

فلا يتمسَّك قومٌ بدينٍ ويرفضون غيره، إلا إذا ميَّزهم

عن سواهم، وطمأنهم مما يخافونه، ووعدهم بما

يحلمون به..، وجُل البشر يتجاهلون أنه إذا كان لا

مجال لدحض ما يعتقدون به، فإنه لا مجال لإثباته

أيضاً – وذلك هو الأهم..، حيث إن اعتقاد الإنسان

بأمر ما، والاكتفاء به، سيحرمه ويمنعه من الخوض

في سواه والبحث عن الحقيقة!
والاعتقاد الجازم بصحة ما لا دليل على صحته، هو

شأن السُذَّج والمغفلين والأغبياء، وهو ما لا ينبغي

للعقلاء- خاصة في الأمور المصيرية!

إن الاعتقاد بهذا الدين أو إتِّباع تلك الطائفة، هو شأن

شخصي، أو لنقل هو أمر طبيعي – باعتبار أنه قاسم

مشترك بين جُل البشر؛ أما ما لا يمكن فهمه أو قبوله

من عاقل، فهو جزمه بصحة اعتقاده وبفساد معتقدات

غيره-رغم علمه بأنهم جميعاً يسوقون ذات المبررات،

ثم إصراره على عدم البحث والمقارنة، أي إصراره

على عدم استعمال العقل!

أما الاعتقاد بأن معجزات "عيسى" كانت خارقة إلى

هذا الحد، لأن بني إسرائيل كان دأبهم تعجيز الرُسُل

لإثبات رسالاتهم ،"وهو دأب العقلاء والباحثين عن

الحقيقة"..، فهو تبرير ثقافي تاريخي لا يرقى إلى

مستوى الإجابة! إذ لو كان الأمر تحدياً إلهياً لبني

إسرائيل، إذن لخسروا الرهان وآمنوا جميعاً!

وأما القول بأن معجزاته – كما معجزات كل الرُسُل-

إنما هي لإقامة الحُجَّة على الكافرين..، فذلك أيضاً

قول لا يرقى إلى مستوى الإجابة – إلا إذا كان

المقصود بالكافرين الذين قامت عليهم الحُجَّة هم

فقط أولئك الذين عاصروا وشاهدوا تلك المعجزات

وكذَّبوا بها..، ولا حُجَّة على سواهم من اللاحقين

ومن المعاصرين الذين لم يتسنَ لهم مشاهدة تلك

المعجزات!

أما القول بأن معجزات العصور السابقة، هي حُجَّة

على أجيال العصور اللاحقة..، فذلك قول يدحض

نفسه بنفسه؛ حيث إن الإيمان والاعتقاد بالمعجزات

وبغير المعجزات لا يُورَّث!

ولو صحَّ توريث الأديان والعقائد، إذن فلا حُجَّة لله

على الضالين، الذين ضلوا بسبب اتِّباعهم واعتناقهم

لما ورثوه عن أجدادهم وآبائهم من عقائد فاسدة –

ظناً منهم أنها الحق، وربما يشمل ذلك كل البشر! 
 تقول الروايات، إنه وبسبب ذهول بني إسرائيل من

حجم وغرابة معجزات نبيهم "عيسى ابن مريم"،

لم يتردد بعضهم في تصنيفه إلهاً أو جزءاً من إله

(إقنوم)، كما لم يجدوا بُدَّاً من تصنيفه كإنسان في

ذات الوقت – بسبب ضعفه وحاجاته البشرية

ومعرفتهم بأمه، ولذلك أطلقوا عليه هاتين الكلمتين

في محاولة منهم لإيجاد تفسير لتلك الظاهرة..

ومعلوم أن المقصود بكلمتي لاهوت وناسوت، هو

أن "عيسى ابن مريم"، كائن خاص، يُمثِّل اتحاد

الجانب الإلهي من جهة الأب، مع الجانب الإنساني

من جهة الأم؛ حيث يؤمن ويُصدّق المسلمون

والمسيحيون، بأن"عيسى" هو كلمة الله وهو المؤيد

بروح القدس..، ويعلمون أنه قد أشكل على بعض بني

إسرائيل في حينه، استيعاب ولادته من أم عذراء ومن

غير أب، وكذلك إحياؤه الموتى؛ فلم يجدوا تفسيراً

لذلك إلا أن يكون ابناً للإله، أو أنه هو الإله ذاته.

والحقيقة أن مُعجزات "عيسى"- إن صحَّت وثبتت-

فهي لا تُخالف ناموس البشر العاديين فحسب،

بل هي تستعصي على الفهم الفلسفي والفكري، ولا

يمكن أن يكون فَهْمُ الذين آمنوا به من بني إسرائيل لها

موضوعياً، ولا يمكن تفسيرها واستيعابها وإزالة

اللبس فيها إلا في ضوء إيمان أعمى – لا واقعي لا

منطقي لا عقلاني.

وفي كل الأحوال، فإنه لا مناص للمؤمن بمثل هذه

الأُحجية، من أن يُصدِّق بإمكانية أن يكون للإله ولد

أو صاحبة، وأن تكون به حاجة لذلك، أو أن يتمثل

في صورة إنسان، فَيُهان كما يُهان البشر.

ولا شك أن كل مَـنْ يؤمن بصحة قصة "عيسى"

وولادته من أُم بشرية وبنفخة إلهية في فرجها،

فهو يؤمن بأن "عيسى" هو ابن مريم من جهة

وهو ابن الله من جهة أخرى، مهما كابر وادَّعى

ذلك المؤمن أنه يؤمن بغير هذه الحقيقة! 

إن ما يُقال عن "عيسى وأمه مريم"، ينبغي أن يُقال

عن "آدم وزوجه حواء"، إذ أن ذات السؤال قائمٌ

حول أُحجية الاعتقاد بخلق حواء من ضلع آدم، فلا

معنى لكيفية ظهورها إلى الوجود إلا أن تكون ابنة

إله – حيث إن البشر كان منهم الذكر- الأب " آدم"،

في حين كانت منهم الأنثى- الأم " مريم" في حال

"عيسى".

والحقيقة أن ذات الأمر ينطبق على كل البشر، حيث

إن الاعتقاد السائد هو أن آدم قد خلقه الله من تراب،

ونفخ فيه من روحه، فكان آدم الذي يحمل روح الإله،

وهو أبو الإنسان، وبذلك يكون كل البشر أبناءً لآدم

وأحفاداً للإله!

فكيف يفهم العقل السليم أن ينفخ إلهٌ من روحه في

صلصال ليخلق إنساناً، وينفخ من روحه في إنسان

ليخلق إنساناً آخر ؛ .. ثم يُجرَّم العقل أو يُتهم

بالقصور إذا قال بأنهم أبناء الإله.

ربما كان السؤال الأهم والأشمل، هو.. مَنْ يكون

وماذا يكون الإنسان الضعيف الفقير المريض الميت،

بالنسبة لإلهٍ يحمل الصفات المطلقة – كما تنص

الأديان ويُردد الفقهاء..، مَنْ وماذا يكون، حتى

يُرضي هذا الإنسان الإله بإيمانه، ويُغضبه بكفره،

فيعاقبه الله بالنار أو يكافئه بالجنة، ويتخذ منه

عدواً أو مُقرّباً وخليلا!

إن الأمر لا يستقيم إلا أن يكون الإله الذي

يتصوره الفقهاء أضعف من ذاك الذي يعتقد

ويؤمن به البُسطاء!