face like

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

الصفحات

‏إظهار الرسائل ذات التسميات قرآن. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قرآن. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 1 يونيو 2021

الإنسان والأديان، أسرار ومُفارقات (طائفة العَوَام) (١)

0 تعليق





كيف للعاقل أن يثق بوعودها بعد الممات، معتقداتٌ لم تتحقق براهينها في الحياة؟
- لماذا لم يجمع


 الرُسُل نصوص الوحي بأنفسهم- في حياتهم – في كتاب واحد، بل تركوا أمر جمعها من عدمه، خاضعًا لآراء واجتهادات واختلافات بشرٍ عاديين – حتى إنه كان من الممكن ألا يتم جمعها؟
- ما الفرق بين القول إن مصير الإنسان رهنٌ باجتهادات بشر، والقول إن الإنسان مكلفٌ بما ليس في وسعه؟
 - ما الذي كان يقصده الرُسُل، وما الذي فهمه البشر؟
ليس بين الرُسُل مَنْ تَرَكَ كِتابًا “مُقدَّسًا” مكتوبًا بخط يده، بل ليس بينهم مَنْ تَرَكَ كِتابًا مكتوبًا في حياته أو بأمره وبإشرافه، وإنما كُلُّ الكُتُبِ المُقدَّسة اليوم، كان قد اشترك في تجميع محتواها وكِتابتها – بما هي عليه اليوم – بشرٌ عاديون وبأمرٍ وإشرافٍ من بشرٍ عاديين، وذلك بعد وفاة الرُسُل ودون أمرٍ أو توصية منهم!
جدير بالذكر أن المصادر التي تم تجميع محتويات الكُتُب المقدسة منها، هي مصادر بشرية غير معصومة – قابلة للنسيان والخلط والفقدان!
إضافة لما سبق، فإن الرُسُل - أو بعضهم على الأقل – كانوا أُميين – لا يُجيدون القراءة والكتابة – مما اضطرهم إلى الاستعانة ببشر عاديين غير معصومين لكتابة ما يُوحى إليهم، مما يعني أن صحة المكتوب تعتمد في الجزء الأكبر منها على دقة ومهارة ومصداقية وأمانة بشرٍ آخرين عاديين، ولم يكن الأمر كله بيد الرُسُل!
ومن المعلوم أن التزوير قد دخل ساحة أقوال وأحاديث الرُسُل، وإذا كان المزورون والكاذبون بشرًا عاديين، فإن المصححين كذلك كانوا بشرًا غير معصومين!
كذلك فإنه من المعلوم أن الاختلافات والخلافات الجسيمة بين أتباع كل رسول، قد حدثت بعد وفاته مباشرة وبالتزامن مع كِتابة أو تدوين الكُتب المُقدَّسة!
وحيث إن الكُتُب “المُقدَّسة” لا تُغني عن الأحاديث والأقوال التي تم اختراقها وتحريفها..، فقد أصبح حفظ الكُتُب “المُقدَّسة” من التحريف عديم الجدوى هو الآخر!
مما يعني أن القول بأن الكُتُب المُقدَّسة هي حُجَّة الإله على البشر، هو قولٌ يحتاج إلى الوقوف عنده مطولًا، خاصة بالنسبة للأجيال التي لم تُعاصر الرُسُل!
لعل هذه القواسم المشتركة بين الرُسُل والكُتُبِ المُقدَّسة، تعكس حِكمة وتحمل رسالة عظيمة وخطيرة إلى عموم الإنسان، لا يزال جُلُّ البشر غافلين عنها، ولا يزال رجال الأديان يتجاهلونها ويرفضون الوقوف عندها والخوض فيها والكشف عن أسرارها!
إن اختلاف أهل التخصص الواحد حول الأمر الواحد في مجال تخصصهم، يطرح علامة استفهام كبيرة تَحول دون تصديقهم جميعًا!

 مُفارقات دينية!
- مفارقة الإيمان والحياة الطيبة..
كيف يطمئن الإنسان إلى صحة وعود المعتقدات بعد الممات، إذا لم تتحقق وعودها في الحياة!
( مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) النحل97
لُغة هذا النص الديني صريحة ومباشرة، فهو على درجة من الوضوح بحيث أنه لا يحتمل اللبس أو الاختلاف ولا يحتاج إلى تفسير خاص..،
لكن المفارقة هي أن واقع المؤمنين لا يُحقق الجزء الدنيوي من وعود هذا النص، مما يجعل ضمان تحقق الجزء الآخروي منه موضع تساؤل كبير وخطير..، فهو الجزء المصيري من الموضوع، وهو الجزء الذي يأتي بعد فوات الأوان!
فكل المؤمنين تقريبًا يشكون بؤس حياتهم، ويرون الحياة الطيبة عند غير المؤمنين – افتراضًا!
فهل يمكن الطعن في صحة إيمان وعمل كل أو جُلِّ المؤمنين..، إن ذلك يرفع الحصانة والقداسة عنها وينسف معتقدات المؤمنين ومعاييرهم للعمل الصالح.. في كل الطوائف والمذاهب!
أم هل يمكن القول بأن الحياة الطيبة المقصودة في النص، هي حياة المؤمنين البائسة..، إذا كان الأمر كذلك فكيف ستكون الحياة الطيبة في الآخرة!
( وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً ) الإسراء72
إن المفارقة هنا ظاهرة للعيان والنتيجة سالبة في الحالتين بالنسبة للمؤمنين، فإذا اعتبرنا أن الحياة الطيبة هي دليل الإيمان والعمل الصالح، يتحقق الشرط عند غير المؤمنين!
وإذا اعتبرنا الإيمان والعمل الصالح شرطًا للحياة الطيبة، يتحقق الشرط عند غير المؤمنين أيضًا!
-مفارقة الدُعاء، والهُدى والضلال!
لن أتحدث هنا عن المغالطات المعروفة أو محاولات الفقهاء لتفسير عدم استجابة الدُعاء في الأمور الدنيوية – بأنها تأجيل أو استبدال للطلب برفع بلاء، ولكن سأتحدث عن أمورٍ ثلاثة هامة ترتبط بالدعاء، ولا تخضع لتفاسير الفقهاء، وهي:
1- حيث إن دُعاء المؤمن مستجاب:
} وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ }غافر 60 .
هنالك فرق بين الاستكبار عنها وبين التقصير في العبادة..، والمؤمن المتهم بالضلال رغم عدم استكباره عن العبادة، ما ذنبه وما حيلته إذا لم يَهتدِ!
ولماذا لا يُستجاب دعاؤه، إذا دعا الإله طالبًا الهداية..، حيث لا ينطبق هنا تفسير الفقهاء لعدم استجابة الدعاء بأنه تأجيل للاستجابة أو استبدال لها.. كما في الأمور الدنيوية!
فهل إن ما سيهتدي له المؤمن بعد الدعاء يكون هو استجابة الدُعاء، وهو الهُدى، ويكون هو مشيئة الإله وهو الطريق الصحيح، بغض النظر عن احتمال اختلافه مع ما يعتقده المؤمنون!
2- كيف يعرف الإنسان أن الإله قد استجاب لدعائه وأنه قد هَداه، أم إن ما اهتدى إليه هي وسوسة شيطان وضلال..، طالما أن البشر غير قادرين على التفريق بين الضلال والهُدى.. بدليل أنهم جميعًا يدَّعون الهُدى، ويتبادلون الاتهامات بالضلال، ليس فقط بين الأديان المختلفة، بل داخل الدين الواحد، بل وداخل الطائفة الواحدة والمذهب الواحد – بما في ذلك الفقهاء!
-3حيث إن استجابة الدعاء – حسب اعتقاد المؤمنين-، مرتبطة بصحة الإيمان..، فلماذا لا يُستعمل الدعاء كسبيل ووسيلة لإثبات صحة الإيمان من عدمها..، وبذلك لا يكون من الحكمة أن يستقر الإنسان على مذهبٍ واحد أو طائفة واحدة، بل ربما عليه أن يتنقل بين الأديان ومظاهر الإيمان حتى يُستجاب دعاؤه، وحينها يكون قد وجد الطريق الصحيح للإيمان!
إذ ليس من المنطق ولا من العقل والحكمة، أن يمنح الدينُ الإنسانَ وسيلةً لقياس مدى صحة إيمانه، وتُثبت نتيجة القياس عدم صحة الإيمان، ومع ذلك لا يُحرِّك الإنسان ساكنًا!
وهنا نلاحظ التشابه أو التقاطع بين استجابة الدعاء والحياة الطيبة، كنتائج حتمية – مفترضة – تترتب على صحة الإيمان!
وهو أمرٌ على درجة من الأهمية لا ينبغي تجاهله سواء للباحثين عن الحقيقة أو أولئك الذين يَزعمون امتلاكها

 مفارقات فقهية..
بالإضافة إلى المفارقة الأساسية والمعروفة في الفقه أو في الفكر الديني، والتي مُلَخَصُها أن الفقه بالنتيجة هو مُجرد أفكار وتكهنات وآراء بشرية، لا دليل على صحتها، ولا مجال ولا آلية ولا معيار للحكم عليها والتحقق منها، ولا قُدسية لها ولا مرجعية سوى عقول الفقهاء، ولا عِصمة للفقهاء..، ولكن، ورُغم ذلك، تبقى تلك الأفكار والآراء مُلزِمة لأتباع المذاهب، مع أنها ليست حُجَّة بأيديهم ولا تكفل لهم النتيجة!
توجد مفارقات أخرى لعلها أكبر وأخطر مما سبق..،
1 – مفارقة أنَّ أخطر التشريعات التي تَمسُّ حياة الإنسان وحرية العقيدة، كلها تشريعات فقهية غير منصوص عليها في الكتاب “المُقدَّس”، بل هي مُستقاة من خارجه..،
مثل: رجم الزاني، و حَدِّ الرِدَّة، وحُكم الرِبا، وفرض التديُّن والعبادات على الأطفال والصبيان، والقول بأن الدين يؤخذ بالنقل لا بالعقل – (مع أنَّ النقل ليس سوى نِتاج عقل)، وتقسيم الناس إلى خواص يفقهون الدين وعوام لا يفقهونه، وتَرك البُسطاء يواجهون الصِعاب بعقولهم الضعيفة في كل شيء ما عدا الدين، فهم مُطالبون بأن يُمارسونه بحسب عقول الفُقهاء..،
2 – مفارقة الاختلاف والرحمة..الكتاب “المقدَّس” يقول (سورة الروم): { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ{30} مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ{31} مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ{32}.
هنا يُحذِّر الكتاب “المُقدَّس” من الفُرقة في الدين، بينما الواقع أن الفقهاء قد اختلفوا، وتَفرَّق الناس بسبب اختلافهم، وأصبح كل حزبٍ بما لديهم فَرِحِين، وقالوا إن الاختلاف رحمة، رُغم أن الكتاب “المقدَّس” يقول إن الاختلاف شِرك! 

 لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون..
إن الإنسان المؤمن المتدين بدينٍ ما، والذي – ولسبب خارج عن علمه وإرادته أو قدرته- كان أضعف من أن يطرح السؤال، وأجهل من أن يطلب البرهان، وأجبن من أن يبحث عن الحقيقة، ويظن أن الدين الصحيح هو فقط ذلك المذهب والطائفة التي وجد أهله عليها، والذي ربما لا يعلم بتعدد واختلاف الأديان والمذاهب والطوائف..، مثل هذا الإنسان – إن وُجِد – فربما كان معفيًّا من الإيمان أصلًا، وفي أحسن الأحوال يكون إثمه على ولي أمره والعارفين من حوله، الذين لم يُخبروه بتعدد الأديان والطوائف والمذاهب، ولم يُخبروه بحقه ومسئوليته عن الاختيار- بحسب عقله وقدراته هو، والتي يقتضي العدل ألا يَتَعَبَّد ولا يُحاسَب إلا وِفقها!
لكن الأمر مختلف تمامًا، مع المؤمن الآخر المُطَّلع، الذي يعلم بأن التراث والثقافة البشرية تحوي العديد من الأديان، وبأن دينه الذي ورثه عن أهله يضم العديد من الطوائف والمذاهب التي لا يمكن أن تكون جميعها على صواب..، مثل هذا الإنسان وبمقتضى العدل والمسئولية، يُصبح لِزامًا عليه أن يتحرى الدين والطائفة والمذهب الصحيح، وقد لا يجد ما هو صحيح بين الأديان والطوائف والمذاهب الجاهزة المعروضة المتنافسة التي يدحض بعضها بعضًا، حيث إنه ليس بينها مَنْ استطاع إقناع الآخرين بحُجَّته..، وينبغي أن يكون عقل الإنسان وبصيرته ومعلوماته الحاضرة المؤكدة هي المُرشد الوحيد له هنا- وليس رجال الأديان..، ذلك لأن رجال كل الأديان والطوائف والمذاهب يدَّعون بأن معتقدهم هو معتقد الفِرقة الناجية! 
 وحدة الدين واختلاف البشر!
نظريًا، يخضع البشر- أتباع الأديان – بمختلف أنماطهم وطبقاتهم إلى تعاليم وتشريعات الدين المُوَحَّدَة!
بينما عمليّاً، يخضع الدين لاختلافات البشر، حيث نشأت الطوائف والمذاهب المختلفة، لتعكس ميول ووجهات نظر وأصناف الأنماط البشرية واختلافاتها!
يمكن وبسهولة، ملاحظة أن الأنماط والطبقات البشرية القوية والذكية، قد تمكنت من اختراق الوحدة والحصانة والقداسة والمبادئ الدينية، وفرضت هوياتها ورؤاها على الأديان، فتنازلت الأديان عن مبادئها، وشرَّعت للأقوياء حقهم في الاختلاف عبر التاريخ، فنشأت بذلك الطوائف والمذاهب، وهو الأمر المخالف للمبادئ التي تقوم عليها الأديان نظريًا..، ولذلك نلاحظ أن الأديان قد حافظت على صرامة مبادئها في مواجهة الفقراء والضعفاء والبُسطاء، حيث إن العديد من الطوائف والمذاهب قد ظهرت ثم اندثرت أو انحسرت، لأنها تُمَثِّل أنماط الضعفاء من البشر والذين كان بمقدور الأديان قمعهم، وقد فعلت ولا تزال.
بمعنى أن تعدد الطوائف والمذاهب ليس هدفًا ولا سبيلًا دِينيّاً ولا تسامحًا من الأديان ولا هي رحمة اختلاف كما يُحاول البعض وصفها – في التفاف مفضوح حول الحقيقة، بما يعكس عجز أو وهم وربما تدليس المفسرين..،
إن تعدد الطوائف والمذاهب واختلافها، يعكس تعدد واختلاف الأنماط البشرية التي خضعت لها الأديان..، وأكثر من ذلك أن الطوائف والمذاهب القائمة لا تعكس كل الأنماط البشرية، بل المؤكد هو وجود أنماط بشرية أخرى مختلطة مغمورة عاجزة عن إبراز هوياتها وانتزاع حقها في الاختلاف، وذلك بسبب ضعفها المرحلي واستغلال الدين لهذا الضعف! 
 ليست الغَرابة هناك بل هنا:
لا غرابة في أن يتردد الإنسان أو حتى يُنكر وجود ما لا يُمكنه إدراكه.. بما في ذلك وجود الإله..، فحتى المؤمنون يعتقدون بأن العقل البشري لا يمكنه إدراك الإله..، وبالطبع فإن تقليد البشر للبشر وتصديقهم لبعضهم دون دليل ودون شاهد، ليس من العلم ولا من المعرفة في شيء، ولا يتحقق به اليقين المطلوب لصحة الإيمان، بل إن الاعتقاد بضرورة وجود وُسطاء بين الإنسان والإله هو نوع من الشرك والطعن في العدالة الإلهية!
لكن الغرابة في أن تُنسب شرائع ظالمة إلى إله عادل..، كالحكم بجلد أو رجم الأحرار العقلاء، إذا أشبعوا غرائزهم بينهم بالتراضي..، بينما يُشرَّع للرجال سبي النساء أو شرائهن وامتلاكهن – مُلك يمين – والاستمتاع بهن رُغمًا عنهن ودون تحديد عدد ودون أي شرط أو قيد!
فإذا تمت تسمية الأول زِنا، فهل يمكن تسمية الثاني سوى اغتصاب صريح!
كذلك تشريع قطع يد الإنسان إذا استولى على شيء من ممتلكات إنسان آخر، وفي ذات الوقت التشريع بحق الإنسان في الاستيلاء على الإنسان ذاته – امتلاكه واستعباده (سَبي، شراء، مُلك يمين)..، فهل من معنى لذلك سوى أنَّ تكون حرية الإنسان وكرامته هي أقل ممتلكاته قيمةً – وفق هذه الشرائع!
إن العجب كل العجب في أن يؤمن العاقل بما لا يُدركه العقل، ويتجاهل أخطاءً ومظالم يُدركها العقل.. وأن يتم ذلك باسم تشريع يُنسَبُ إلى إله يُخاطب العُقلاء.. أفلا تعقلون! 
 هل على الإنسان أن يَخشى الإله، ولماذا! وهل عليه أن يُعلن خشيته!
هل يوجد شك في قوة الإله وضعف الإنسان – بالمقارنة!
أم هل يوجد وجه للمقارنة أو احتمال أو مجال للمواجهة بين الإله والإنسان – حتى يتم تخويف الإنسان من الإله، ويُطلب منه الإقرار بذلك والإفصاح عنه!
معلومٌ أن الإنسان وكأي كائن حي، هو مجبولٌ على الخشية والخوف من كل ما هو أقوى منه وأعظم..، بل إن الإنسان يزيد عن سواه من الكائنات في خوفه من المجهول!
ومعلومٌ بأن الإنسان لا يجرؤ على عصيان أمر سيده وولي نعمته من البشر، ولا يخجل من إظهار طاعته وخضوعه للبشر، تَمَسُّكًا وطمعًا بحياةٍ زائلة، واجتنابًا لضررٍ أو ألمٍ أو تأجيلًا لساعة الموت المحتوم..، فبسبب قبول الإنسان للطاعة والخضوع لأمثاله من البشر، قد تم بناء المجتمع البشري والذي قوامه طاعة المرؤوس للرئيس، وطاعة العامل لرب العمل، وطاعة الصغير للكبير،…الخ.
فكيف يمكن إذن أن نتصور أو أن يحصل عصيان من مثل هذا الإنسان للإله، خاصة إذا أدرك أن طاعته للإله ستمنحه حياةً أبدية في جنات نعيم، حيث لا عمل مُضني ولا رب عمل جهول، ولا رئيس ظالم ولا مرؤوس مظلوم؛ وأنَّ معصيته لهذا الإله ستؤدي به إلى الألم الذي يخشاه، وإلى تَذَوُّق الموت بحالٍ مستديمة!
ما الحقيقة إذن!
ولماذا يُتَهمُ الإنسان بمعصية الإله، وهو الذي لا يجرؤ على معصية البشر، ولا يخجل من إظهار طاعته وخضوعه لهم!
الحقيقة هي أن الإنسان يجهل حقيقة الإله، ويجهل مراده منه، جهالة القاصر العاجز الضعيف لا جهالة المُقَصِّر أو العاصي أو المراوغ..، ورُغم أنه لا خلاف مُطلقًا على أن جهالة البشر تُحسبُ لهم لا عليهم، من حيث هي ناجمة عن قصورٍ خَلقي وضعفٍ بشري طبيعي وعجز حقيقي لا خداع فيه ولا استثناء منه لأحد..، إلا أن هذه الحقيقة الساطعة لم تُعجب رجال الأديان، فتنكروا لها، وجعلوا العجز والجهالة الفطرية لدى الإنسان بمثابة معصية للإله، واعتبروا مخالفة البشر لهم بمثابة مخالفة للإله..، ولا يمكن فهم هذا السلوك من قِبل رجال الأديان إلا على أنه خلط للمفاهيم، ولا يمكن تفسير ذلك إلا أن يكون التباسًا في المفاهيم، أنتج لديهم وهمًا مزمنًا متوارثًا، يُغذيه تَعصبُهم العِرقي لأسلافهم.. هذا على افتراض حسن الظن بهم..، وأما غير ذلك، فإنه لا يمكن أن يكون إلا خلطًا متعمدًا منهم للمفاهيم، بدافع غريزة البشر الفطرية لحب السلطة والسيطرة على بعضهم البعض..، وإنه لمن المؤسف في كل الأحوال، أن يُتَّخذَ الإله ذريعة لتحقيق غايات ومآرب أو تسويق أوهام بشرية..، لكن هذا واقع نعيشه ونراه، ولا يمكننا تجاهله!
لم يستطع السابقون إقناع بعضهم بأفكارهم وتفسيراتهم وكُتُبهم، ولم يُقدِّس أحدهم أفكار وتفسيرات سلفه، وقد تفرقوا شيعًا ومذاهب شتى؛ وتلك الكُتُب والتفسيرات التي اختلف بها وحولها أهلها وواضعوها، هي التي يسعى رجال الأديان في كل عصرٍ لفرضها على اللاحقين بدعوى قداستها وخلوها من الخطأ، وبدعوى أن اختلاف السابقين رحمة للاحقين.. وكأن كل السابقين رُسُلٌ معصومون وكلامهم تنزيل مُحكم- رُغم اختلافهم حول الأمر الواحد!
إنه لا أحد من البشر معصومٌ من الخطأ والوهم والابتلاء والفتنة والوسوسة والغرور والضعف والطمع..، ولا أحد منهم يمتلك الحقيقة المُبرهَنة!
ولذلك فإنه لا أساس للأخذ بتفسير وفهم وأفكار وتكهنات أحدهم أو بعضهم، والجزم بخطأ غيرهم!
إن الصواب الذي يَصحُّ اعتباره حُجَّةً على كل البشر، هو ما يستطيع كل البشر إدراكه واستيعابه، ويتفقون على صوابه!
أما ما يقتصر استيعابه على بعضهم، ولا يقبله الآخرون إلا مُرغمين، فإنه من العبث اعتباره صوابًا..، وربما كانت نسبة المرفوض إلى المجهول لا تعدو أن تكون مُسوِّغًا لتسويقه وفرضه- ليس إلا!
وربما كان القصد والغاية من الإصرار على التَمَسُّك بالمذاهب والطوائف رُغم تناقضاتها الصارخة، والتي لا يمكن أن تكون نتيجتها واحدة، ولا يمكن الجزم بأفضلية إحداها على الأخرى..، هو إرباك البشر وخلق روح التنافس والتحيِّز والفرقة في نفوسهم، كي يسهل تقسيمهم ومن ثم السيطرة عليهم! 
لماذا يكون على الإنسان الصادق النزيه الباحث عن الحقيقة، أن يخاف الإله العادل، بدل أن يطمئن به؟
لماذا يُراد للإنسان أن يعتقد بأن الاطمئنان بالإله، لا يكون صادقًا وصحيحًا إلا إذا كان من خلال وبموافقة ومباركة مذهب بشري مُعَيَّن!
هل يحق أو هل ينبغي للإنسان أن يخشى إلا في حالاتٍ ثلاث، هي: أن يكون مُقبلًا على مجهول.. وليس الإله مجهولًا- بحسب الأديان!
أو أن يكون مُقبلًا على ظالم.. وليس الإله ظالمًا- بحسب الأديان!
أو أن يكون مُذنبًا ظالمًا عن عمد وبقصد الظلم.. وليس العاقل كذلك، وكفى بجهل الإنسان بالحقيقة مبررًا له لكل خطأ يفعله بظن أنه الصواب!
وكفى بتعدد وتناقض أوجه الحقيقة التي يدعو لها رجال الأديان، حُجَّة لتركها جميعًا!
ألا يحق بل ألا ينبغي للمذنب أن يطمئن، إذا أدرك أن مُحاسبه ومعاقبه إله رحيم عليم!
فلماذا الخوف، ولماذا تخويف الضعفاء والبُسطاء وتهديدهم وترهيبهم باسم الإله، حتى أنهم باتوا يفعلون المعاصي إرضاءً للإله… خطف وقتل أبرياء، وإكراه الإنسان على إظهار الإيمان، الحث على كراهية الآخر، تكفير بعض الناس تقديس آخرين، …الخ!
إن مبدأ الخوف من الإله يعني افتراض وجود نزعة الشر لدى الإله!
يقول الفقه لدى بعض المؤمنين، بأن الخوف من الإله هو خوف خشية، وأن ذلك يعني خوف محبة!
وفي هذا التفسير مغالطة متعمدة ومجانبة للصواب..،
فالأديان تتوعد البشر بعذاب الإله- بالنار والجحيم، وإذا نضجت جلودهم بُدِّلت بجلود أُخرى، وليس لهم طعام إلا من ضريع، و…الخ، فهل بقي للمحبة والرحمة مكان! 
 لن يُطاع مَنْ يَأمرُ بغير المُستطاع.. قاعدة لا شواذ لها ولا استثناءات!
حيث لا يُمكن للإنسان أو غير الإنسان، أن يفعل إلا ما يستطيع فعله، فإذا تجاوز الأمر طاقة المأمور خرج عن نطاق استطاعته واستحال عليه فعله، وبالتالي استحالت على المأمور طاعة الآمر- أيًّا يكن هذا وذاك..،
- لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إلا وِسعَها.. عبارة لا تُضيف للسامع جديدًا، لا خيرًا ولا شرًا!
فهي عبارة بسيطةٌ، تُشير إلى أمرٍ بديهي وتُحَقِّقُ شرطًا طبيعيًا لا يُمكن تجاهله أو تجاوزه، وهو وجوب أن يكون التكليف في وِسع ومقدور المُكَلَّف لكي يقوم بما يُكَلَّف به!
ولا معنى للقول بأنه من أسباب سعادة الإنسان، أن لا يُكَلَّف بما ليس في وسعه..، فذلك أمرٌ مُمتَنعٌ وجوبًا، ولا علاقة له بالسعادة والتعاسة!
ولذا فإن الصواب هو القول، إنه لا يمكن للنفسِ أن تفعل إلا ما في وِسعها، فما فاق وِسعَها فهو- وقبل أن يكون ظُلمًا لها- هو أمرٌ لا يُراد له أن يكون، فلن تَحمِلَه نفسٌ ولن تفعله حتى لو أرادت ذلك..، فإن حَمَلَته أو فعلته- بأي صورة- صار في استطاعتها، ولم يَعُد خارج وِسعِها أو فوق طاقتها!
فإذا عُدَّ الموتُ والضرر والألم بمثابة تكليف فوق الاستطاعة، إذن فكل الموجودات مُكلفةٌ بما يفوق استطاعتها وبدون استثناء، ولا معنى للخوف والدعاء!
إنه، وبغضِّ النظر عن هوية صاحب التكليف وعدله من ظُلمه، فإن المُكلَّفَ لا يمكنه فعل ما يفوق طاقته!
 لماذا نقوم بتوجيه النقد واللوم إلى فقهاء لا نعرفهم؟
الجواب: لأنهم يؤذوننا بفتاواهم وهم لا يعرفوننا! لأننا مضطرون للتعامل مع الناس من حولنا!
ولأن فقه الفقهاء وفتاواهم قد سلبت هؤلاء الناس عقولهم، وحولتهم إلى كائنات عقائدية لا تُمثِّل ذواتها، بل تعكس أفكار غيرها، هي أقرب إلى أجهزة تسجيل تحفظ ومكبرات صوت تُردِّد- لا منطق فيما تقول ولا حُجَّة ولا دليل، ولا مناص من سماعها، ولا مجال للحديث معها! 
 إيمانُ المُقَلِّدِ باطلٌ، وإيمان المُكرَه جريمة، وإيمان المغفلين عبث!
هل من العدل أن يَخضع القارئ والأُمِّي، والمفكر والغبي، والفقير والغني، والضعيف والقوي، إلى ذات الامتحان، ويُطلب منهم الخروج بذات النتيجة..، والامتحان موضوع على مستوى قارئ مفكر غني قوي!
ألا يستوجب الامتحان العادل، الالتزام بمبدأ تكافؤ الفُرص!
فحيث إن الإنسان غير مسئول عن الفقر – مثلًا، ولا شك أن للفقر مضاعفاته وانعكاساته على مناحي حياة الإنسان وسلوكه- من الإحباط إلى الجهل إلى ضياع الفُرص…الخ، فهل يكون الإنسان مسئول عن مضاعفات الفقر هذه، والتي تحكم سلوكه وحياته كلها بما في ذلك مستوى ونوع تعليمه وثقافته وبالتالي قناعاته!
لعله يوجد اتفاق تام بين العقل والمنطق من جهة، وبين كل أو جُل الأديان والطوائف والمذاهب – تقريبًا- من جهة أخرى، على أن إيمان المُقَلِّدِ باطلٌ، لأنه لا يحمل قيمة الإيمان الحقيقي، فلا ينفع صاحبه، حتى وإنْ فعل كل ما يفعله المؤمنون واجتنب كل ما يجتنبون!
فالإيمان المعتمد هو المبني على المعرفة بالله، بما يُحقق اليقين والاطمئنان في القلب!
لكن هذا الاتفاق العقلاني المنطقي شيء، وواقع جُلِّ المؤمنين شيء آخر..، حيث إن جُلَّ المؤمنين اليوم هم وارثون للإيمان، مُقلِّدون لغيرهم ولأهلهم ومجتمعاتهم، دون معرفةٍ ودون قدرة منهم على إنتاج المعرفة والقناعة، بل ودون قدرة من فقهائهم على إجابة أسئلة العوام بما يُحقق لهم القناعة واليقين..، بل ودون السماح للعوام بطرح سؤال صريح حول الإيمان والإله إلا بعد الإقرار بالإيمان بالإله، وحينها لا يكون التراجع عن الإيمان ممكنًا، فلا يكون للسؤال معنى ولا قيمة!
إن الفقهاء في الواقع هم الذين يدعون بل ويأمرون بالتقليد، فليس قولهم بأن الدين ينبغي أن يؤخذ بالنقل لا بالعقل، سِوى دعوةٍ صريحةٍ للإيمان عبر التقليد، وهم الذين يعتقدون ويُقِرُّون بأن التقليد لا يُحقق الإيمان الصحيح الذي يتطلبه الدين!
والحقيقة هي أنَّ رجال الأديان واقفون عاجزون أمام إشكالية الإيمان والتقليد، حيث إن إيمان التقليد لا يَصحُّ، وفي ذات الوقت لا يكون الإيمان إلا تقليدًا..، فمعرفة الإنسان للإله ليست في متناول الإنسان ولا حسب مزاجه، إنها عملية شعور وإحساس، فإما أن تحدث وتكون فيجدها الإنسان ولا يمكنه إنكارها، أو أنها لا تكون فلا يستطيع الإنسان إيجادها!
إن معرفة الإله وتحقق الإيمان اليقيني به، هي مشاعر وأحاسيس كالخوف والحُب والغضب والرغبة..، فكما أنه لا يمكن للإنسان أن يخلق أو يُنتج هذه المشاعر والأحاسيس اللا إرادية، فكذلك هو الإيمان بالله!
وكما أنه لا معنى ولا قيمة لاختلاق وتَصنُّع وتمثيل العِلم والمعرفة، فكذلك هي معرفة الإنسان للإله!
وإذا كان العقل والذكاء والمقدرة الذهنية والتخيلية لدى الإنسان، هي المسئولة عن إنتاج الإيمان والمعرفة بالإله، فما ذنب مَنْ كان عقله أضعف، وذكاؤه أقل، ومقدرته الذهنية والتخيلية أدنى من أن تُحقق الهدف!
ولكن وللأسف، وبدل الإقرار بهذه الحقائق الجَلية، فإنه يتم- وكمحاولة للخروج من هذه الإشكالية-، يتم الالتفاف لغويًا حول معنى التقليد وتعريف المُقَلِّدِ..، فالتقليد هو قبول القول دون دليل، لكن الفقهاء اعتبروا الإجماع بمثابة دليلٍ يصح به الإيمان، حيث أفتوا بأن المصير إلى الإجماع ليس تقليدًا، وبذلك اعتبروا أن إيمان مَن اتَّبع الجماعة صحيح رُغم أنه تقليد صريح!
وهنا يكمن التحايل ويبرز الجهل والتجاهل، حيث إن الإجماع الذي يتحدثون عنه هو في الحقيقة إجماع على التقليد والتَعصُّب لا على العلم والمعرفة!
وكذلك فإن الذين أجمعوا هم قِلة قليلة “فقهاء”، وقد أجمع كل فريقٍ منهم على تصديق ومؤازرة بعضهم البعض ورفض أفكار مخالفيهم، ولم يُجمعوا كلهم ولم يُجمعوا على بيِّنة تُقنِع غيرهم..، وأما البقية وهم الأغلبية فقد وجدوا أنفسهم مُلزمين بشروط الإيمان حُكمًا-تربويًا واجتماعيًا وعُرفيًا وقانونيًا-، فكان إيمانهم تحصيل حاصل، ولم يكونوا مُخيرين في أمرهم، ولا مجال لديهم لطلب الدليل ولا قدرة لديهم على استنباطه، حيث يُعتبر طلب الدليل بمثابة كُفرٍ لا يجرؤ أحد على فعله..، فليس إيمانهم سوى تقليدٍ مدفوعٍ بالجهل والخوف والطمع..، ولذلك نجد أن إيمانهم لم يُحقق الأخلاق والسلوك المفترضة في المؤمنين..، مما اضطر الفقهاء إلى تقسيم الناس إلى عامةٍ وخاصة!
كذلك فإن كل المؤمنين اليوم، لم يمروا في حياتهم بمرحلة أو بمحطة اختيار العقيدة!
بالإضافة إلى أمرٍ هام- ولعله أهم من كل ما سبق بخصوص التقليد -، وهو ما يترتب على اعتبار الإجماع حُجَّة ودليلًا على صحة الإيمان، فإذا اعتبرنا إجماع القوم حُجَّة بيد الفرد ودليلًا له وسبيلًا إلى الإيمان الصحيح، إذن فكل مَنْ اتَّبَعَ قومه فهو على صواب ولا إثم عليه.. أيًا يكن دينهم أو طائفتهم- ولا يمكن استثناء الملحدين والوثنيين وغيرهم من هذه القاعدة، وبذلك يكون الإيمان وراثة، والهُدى صُدفة!
لعل الحقيقة هي أن التقليد لا يُنتج إيمانًا، وأنَّ ما يجري على أرض الواقع هو تلقين وتقليد صريح، ولكن لا بديل عنه!
 اختبار المصداقية..
حيث إن الاعتقاد السائد هو أن كل المؤمنين صادقون باعتقادهم واثقون من صحة أديانهم وعقائدهم، ولا يخشون اختبارها..، فإذا كان الأمر كذلك، فقد كان عليهم إثبات ذلك عن طريق تطبيق قواعد شرعية تتفق فيها الأديان والعقل، والتي من أهمها:
أن إيمان المُقلِّدِ باطلٌ، وأن الصبي لا دين له!
فالالتزام بذلك يُعتبر تحديًّا عادلًا وتنافسًا شريفًا لا يخشاه الصادقون الواثقون من سماوية دينهم وسلامة مذهبهم..، هذا الاختبار يُحتِّم على الجميع ترك الإنسان وشأنه في طفولته وصِباه، وتخييره بعد سِن الرُشد والبلوغ، ورفض أديان وإيمان وشرائع التقليد، وسياسة التلقين والإكراه واستغفال السُذَّج واستغلال براءة الأطفال المُتَّبَعَة اليوم في كل المجتمعات والأديان!
فمن كان يقبل بالاحتكام للفطرة، فالفطرة هي الحَكَمُ في هذا الاختبار، فعندما يكون الإنسان مُخيَّرًا بحسب ما ترتضي فطرته دون تدخلات وتلقين، فإن ما يختاره سيكون هو دين الفطرة، وسيكشف مثل هذا الاختبار حقائق لا يمكن إخفاؤها بعد ذلك!
أعتقد أن هذا الاختبار هو امتثال للفطرة البشرية الطبيعية التي يدَّعي الجميع احترامها، وهو امتحان حقيقي ومُنصِف لكل الطوائف والأديان!
فمن كان يعتقد جازمًا بأن دينه هو دين الفطرة، وأن طائفته مؤيدة من السماء، فليس لديه سبب للخوف ورفض مثل هذا الاختبار الذي سيجعل الناس يدخلون في دينه أفواجا، وسيُثبت صِدقه وثقته بصحة اعتقاده من عدمها، فالصادقون المطمئنون إلى صحة عقيدتهم لا يترددون في قبول مثل هذا التحدي المفتوح وهذا الاختبار النزيه البسيط البريء، بل ويدعون له

الأربعاء، 27 يناير 2021

وهم الإرادة .. رسول أوهامنا المزمنة!

0 تعليق






وجود بشر يحتاجون بالفعل إلى من يقتدون به سلوكًا

وقناعةً واعتقادًا، هو دليل عدم أهليتهم للمسئولية،

وبالتالي انعدام الإرادة لديهم، فلو كانوا أهلاً لاختيار من

يقتدون به لما احتاجوا له!

فهل حقًا يمتلك الكائن البشري إرادة، بما يجعله مسئولاً

عن سلوكه وقراراته، ويمنحه قيمة خاصة؟

أم أن ما يميز البشر عن غيرهم هو فقط وعيهم بما

يفعلون؟

وعي البشر بما يفعلون هو حقيقة، لكنه دليل ذاكرة

تؤهلهم للاختيار والمفاضلة – لا دليل إرادة تؤهلهم

للمسئولية، فهو مجرد وعي آني لا مستقبلي، بدليل

حصول الفشل والندم عادةً!

لا شك أن اعتقاد البشر بوجود إرادة لديهم، مصدره

عدم معرفتهم لآلية صُنع القرارات فيهم!

ماذا يقصد المسلمون بمفهوم الجهاد لنشر الدين

بالسيف، ومفهوم حد الرِدَّة – مثلاً؟

هل يقصدون أن البشر لديهم إرادة دخول النار، وأن

الإسلام أمر بكسر أو سلب إرادة البشر لإدخالهم الجنة؟

وهل تصح محاسبة مسلوب الإرادة – عقابًا أو ثوابًا؟

أم هل يصح افتراض إرادة لدى الإنسان بدخول النار؟

أم يقصدون أنه لا إرادة أساسًا لدى البشر، وأن سلوك

البشر تفرضه عليهم القوة والحاجة؟

وهل هناك معنى لإيمان أو كفر من لا إرادة لديهم؟

وما المقصود بمراقبة سلوك عوام المسلمين بواسطة

خواصهم، وتوجيههم باستمرار من المهد إلى اللحد؟

هل المقصود هو تصنيع بشر مسلمين وإيمان شكلي؟

إذا كان الأمر كذلك – وهو ما يقوله الواقع-، إذن يكون

المقصود من الدين الإسلامي هو تحويل البشر إلى

ملائكة بشرية أرضية بواسطة بعض البشر، وليس

تبليغ البشر وامتحانهم – كما يزعمون!

في كل الأحوال من الواضح تمامًا أنه لا قيمة ولا معنى

إطلاقًا لإيمان تحت الإكراه – دخولاً أو ممارسة – سواء

بسلب الإرادة أو بانعدامها!

لكن لا شك أن ذلك الوهم المُسمَّى إرادة – سواء عند

السالب أو المسلوب -، هو الداء الكامن خلف كل هذه

المفارقات التي لا معنى لها سوى جهل البشر بأنفسهم،

وبحثهم عن إرادتهم المزعومة على حساب بعضهم!

إن ظاهر سلوك البشر يوحي بإرادة كاذبة، يُدرك كل

إنسان أنه لا أصل لها في نفسه!

الموظف الذي لا يلتزم عادةً بتوقيت عمله، هو كذلك

لأنه يميل لا إراديًا لأن يكون غير ذلك لا لأنه أراد ذلك!

مقارنة البشر ببعضهم تحت ذات الظروف، خطأ شأنه

شأن إخضاع حيوانات مختلفة لذات الاختبار!

- حقيقة الإرادة عند البشر، هي أنها نتيجة – لا قرار!

عند بحثهم عن تفسير لسلوك الانتحار، اكتشف البشر

أن إرادة بعضهم تُملى عليهم – وإن بدا أنهم يمتلكونها،

وفي الحقيقة كل أفعال البشر مجرد انتحارات صغيرة!

المسلمون يُبطلون الطلاق إذا صدر تحت ظروف خاصة،

وفي الواقع لا يحدث طلاق إلا تحت ظروف خاصة!

الإرادة – حتى بافتراض وجودها -، هي ليست قوة

يمكن قياسها، وليست عضوًا ماديًا من أعضاء الجسد

يمكن معاينتها ومعرفة متى تعمل ومتى تتعطل!

منح فرصة للمسلم بالتراجع عن قرار طلاق حصل

في ظروف اعتيادية، هو إقرار بأنه لا قيمة للإرادة

المزعومة، إذ أنها لا تعني إدراك البشر لعواقب سلوكهم

وتحت كل الظروف، مما استوجب تخويفهم بتحديد عدد

مرات الطلاق، ما يعني أن التخويف يصنع الإرادة، ..

.. أي أن إرادة الإنسان تُصنع خارجه!

مأساة البشر ليست في أنهم لا يعون من الحقيقة إلا ما

برز منها على السطح وفرض نفسه عليهم، .. مأساتهم

في إلزامهم لأنفسهم بتكهناتهم لما خفي منها دون مبرر!

ما لا يكتشفه البشر من موجبات السلوك يتجاهلون

وجودها، ويعتبرون السلوك حرًا اختياريًا إراديًا، هكذا

وُجِد مفهوم الإرادة، والفعل العمد، والمسئولية، .. الخ،

إلى أن افترض البشر لأنفسهم قيمة كونية حملت معها

مسئوليات ومآسٍ جسيمة لا أساس ولا مبرر لها، فقط

استنادًا إلى امتلاكهم إرادة مزعومة – وهمية!

لو كانت آلية صنع كل القرارات لديهم، واضحة وكبيرة

بحجم ووضوح عوامل قرار الانتحار، لرآها كل البشر،

ولأدركوا أنه لا يوجد لديهم شيء اسمه إرادة، ولتغير

بذلك مشهد الوجود البشري من الأساس، وهو ما ينبغي

أن يكون، وهو ما سيكون حتمًا!

البشر ما زالوا مثل سائق يسير ليلًا بأضواء التوقف،

لا يرى ما أمامه حتى يصطدم به ..؛

فلو ينظر البشر أمامهم – لا بأضواء العبقرية الكاشفة،

بل فقط بأضواء العفوية الصادقة، لكن بقصد أن يروا

ما أمامهم كما هو، لا بقصد أن يتخيلوا ويعتقدوا ما

أمامهم كما يريدون ؛ إذا حصل ذلك فلن يكونوا بحاجة

لانتظار تتابع واكتمال المراحل لبلوغ أمورٍ محتومة،

وبلوغها ممكن في كل مرحلة، وببلوغها تنتهي مآسٍ

قائمة لا مبرر لقيامها!

لا معنى لإرادة بدون مسئولية، ولا مسئولية تنشأ عن

إرادة عمياء!

كثيرًا ما يندم البشر على أفعالٍ أتوها بمحض إرادتهم

المفترضة وفي ظروف اعتيادية، ما يعني أن الإرادة

المزعومة لا تعني إدراك الإنسان لعواقب ما يفعل، وهذا

يعني أن السلوك مجرد قرارات تلقائية تفرزها معطيات

وظروف، ليس من المنطق أن تترتب عليها مسئولية!

سلوك الجماد يُصنع داخل ذراته وبينها، وسلوك الكائن

الحي يُصنع داخل خلاياه وبينها!

الكائن البشري ذو الكيان الصانع لإرادته، المستقل

عنها، المسيطر عليها من خارجها، هو كائن خيالي

يحمل صفات الإله، لا يمكن أن يكون له وجود!

لكي يمتلك الكائن إرادة، ينبغي أن يكون قد أوجد نفسه

بنفسه!

وعي الكائن البشري وإدراكه وتذكره لما يفعل، لا يعني

أنه الفاعل من خارج الفعل، إنما هو يتجسد في الفعل!

علاقة الكائن البشري بإرادته، هي علاقة أعضائه

ببعضها وعلاقة جسده بما حوله- علاقة تفاعلية تكاملية!

لا بد أن يشعر الإنسان بالبرد لكي تتكون لديه حاجة ثم

إرادة للتدفئة، ثم لا بد أن تتوفر لديه إمكانية ذاتية

وخارجية لصنع التدفئة لكي يصنعها!

الإنسان مجرد وعاء تتفاعل مكوناته مع محيطها!

ما يبدو أو ما يُسمَّى بالإرادة لدى بعض البشر أكثر من

غيرهم، متمثلة في إصرارهم على إحداث أمر ما بأي

ثمن وبأي جهد - إحداث تدفئة مثلاً، هي إرادة اسمية

شكلية، تُعبِّر عن عوامل خارجية وداخلية – ليس

الإنسان فيها سوى إطار خارجي ..، فإذا صحَّ اعتبارها

إرادة، إذن تقابلها لدى الآخرين إرادة تَحمُّل البرد -

لقناعتهم بعدم بضرورة التدفئة مقابل ذلك الجهد والثمن؛

لكن الحقيقة ليس الأمر تفعيل إرادة هنا وتعطيلها هناك،

إنما هو في الحالتين خضوع تلقائي لقناعات لا إرادية!

القناعات تصنع قرارات البشر، والبشر لا يصنعون

قناعاتهم!

بعض البشر يعجز عن إحداث التدفئة ويموت بردًا،

وليس بعد الموت من محفِّز للإرادة لو كان لها وجود ؛

وليس من المنطق أن يُحسب على العاجز عجزه!

إرادة البشر ليست حقيقية، هي مجرد وصف مجازي

لظاهرة سلوكية حتمية، تمثل حصيلة تلاقي عوامل

خارجية قاهرة ومساعدة بمعطيات داخلية تعمل ذاتيًا!

مفهوم الإرادة ليس له أساس فلسفي ومنطقي، فأساسه

عقائدي ثقافي اجتماعي تحفيزي – جماعي لا فردي!

الفرد يُدرك في قرارة نفسه أنه مُكرهٌ في كل قراراته،

ولا حضور ولا سيطرة لإرادة حقيقية له فيها!

الانتحار فعل فردي عادةً، والبشر لا يعتبرون فعل

الانتحار ناجمًا عن إرادة – غالبًا، إنما يبحثون له عن

دوافع ومسببات يُحمِّلونها مسئولية القرار والفعل من

وراء الإرادة ؛ .. لماذا؟

لأن بهم حاجة لتكريس فكرة تطمئنهم - بغض النظر عن

حقيقتها من عدمها -، وهي فكرة أن حب الحياة يمثل

إرادة مشتركة بين كل البشر، وأن ذلك دليل وجود شيء

اسمه إرادة يُثبت قدسية الحياة وخصوصية البشر ؛

فإذا تم اعتبار الانتحار سلوكًا ناجمًا عن إرادة، وهو

ضد الحياة، إذن الحياة ليست مقدَّسة كما يحبونها أن

تكون، أو أن البشر يختلفون في أمور وجودية أساسية،

أو أن حبهم للحياة ليس وليد إرادة لديهم، ونزع الإرادة

منهم يعني سقوط المسئولية عنهم، وبالنتيجة ضياع

حلم الخصوصية والقيمة الكونية المفترضة للبشر ..؛

كل هذه حقائق، لكن البشر قد اعتادوا وتوارثوا ثقافة

محاربتها والنفور منها ومحاولة دحضها أو إخفائها

وتجريم الاقتراب منها، ما جعلهم يستعملون المنطق

واللا منطق في سبيل فرض ثقافة وجود الإرادة وثقافة

قدسية الحياة!

لهذا السبب، نرى دعاة الحياة أو عبيدها من البشر،

يحاولون نزع صفة الإرادة عن الانتحار، أو نزع صفة

الإنسانية عن المنتحر ..، وكل ذلك مجرد عبث سيتوقف

يومًا ويزول معه وهم الإرادة المزمن! 
 ماذا عن الأعمال التطوعية، أليست دليل إرادة؟

كلا ليست كذلك، وتسميتها بالتطوعية، هو إقرار ودليل

على أن كل ما عداها إجباري!

حتى بافتراض أن الأعمال التطوعية نتاج إرادة، فهي

لا تمثل شيئًا يُذكر في حياة البشر، وهي بذلك مجرد

إثبات أن كل ممارسات البشر لا إرادية ..؛ لكن حتى

ما يُعرف بالأعمال التطوعية هي ليست إرادية ..؛

عمل إجباري يعني أن الظروف التي أجبرت الإنسان

على فعله ظاهرة قاهرة معلومة!

عمل تطوعي يعني فقط أن دوافعه ومسبباته ليست

مادية وليست قاهرة آنيًا، لكنه ليس بدون قوة خلفه

تدفع الإنسان إلى فعله! 
 كيف يتشكل الإنسان وإرادته المزعومة؟

يتولى الوالدان مهمة إظهار كائن بشري إلى حيِّز

الوجود، بمواصفات مجهولة ..؛

تستلمه طبيعة هي أقوى تأثيرًا وأعقد وأكبر من أن

يُحيط بها البشر علمًا – ناهيك عن التحكم بها ..؛

تصطدم عوامل البيئة الخارجية بمواصفات الوليد

الداخلية، فتتشكل آلية صنع السلوك لديه ..

تُعاقِب الحكومات الأهل على سلوك أبنائهم، اعتقادًا من

الجميع بأن الأهل هم المسئولون عن صناعتها ..؛

يلوم الأهل رفاق السوء اعتقادًا منهم بأنهم حرَّفوها ..؛

يلجأ الأهل إلى رجال الدين وعلماء النفس والاجتماع

لإصلاح سلوك الأبناء، لعلمهم بقدرة هؤلاء على صنعها

وتوجيهها، وتوهمًا منهم بوجود معيار للصواب ..؛

وما كل هذا اللغط والهرج والمرج سوى إثبات أن إرادة

البشر تُصنع خارجهم، ولا صحة لامتلاكهم لها ..؛

إن بشرًا يحيك حاذقهم إرادة غافلهم، ويفرض قويهم

إرادة ضعيفهم، ويطمس كبيرهم إرادة صغيرهم،

ويصنع ذكيهم إرادة غبيهم، .. الخ؛

بشر يصنعون إرادة بعضهم، ثم يعتبرونها مستقلة ..؛

بشر تصنعهم ظروف وتُملي عليهم قراراتهم، وبعضهم

ظروف لبعضهم الآخر ..؛

بشرٌ تصنع الحاجة والخوف والجهل والطمع قناعاتهم،

وقناعاتهم تصنع قراراتهم ..؛

بشر تقودهم غرائز لا يوقفها سوى خوف من عواقب ..؛

بشر هذه هي حقيقة كنههم، أنى تكون لهم إرادة تبرر

مسئوليتهم عن سلوكهم

الأربعاء، 20 يناير 2021

إله الحاجة وإله الحقيقة!

1 تعليق





غايتنا ، رؤية الوعي البشري متحررًا

من السجن الثقافي والتوجيه الفكري!
 مفهوم الإله = مفهوم الحقيقة!

الإيمان = الحاجة للاطمئنان!

آمن بالإله = أقرَّ بحاجته للاطمئنان!

توحيد الإله = توحيد الحقيقة!

في أحاديثنا وحواراتنا وكتاباتنا، تعودنا وربما كنا

مضطرين لاستعمال لفظة "الإله"، بينما نحن نقصد

"الحقيقة"!

ثقافيًا، لفظة "إله" أصبحت تعني مجموع الحقائق أو

خلاصة الحقائق أو مصدر الحقائق!

في الواقع ما يهمنا هو أن ننقل للآخر صورة طبق

الأصل عن الفكرة التي لدينا، ولذلك كثيرًا ما نستعمل

المفردات الأقدر على إيصال الفكرة ثقافيًا، وليس

بالضرورة المفردات الأنسب لغويًا لطرح الفكرة!

استعمال لفظة "حقيقة" هو الأنسب لغويًا هنا، لكنه

عادةً يذهب بوعي المُخاطَبين وتفكيرهم إلى اتجاهات

مختلفة، الأمر الذي يحول دون وصول فكرة موحدة

للكل، لذلك نضطر لاستعمال لفظة "الإله" لتركيز

الوعي وتوحيد اتجاه التفكير ..، لكن في الواقع نحن

لا نتحدث عن إله محدد نعرفه ونستطيع تصوره، إنما

نقصد ذلك الموضوع الكامل – افتراضًا، أو تلك الفكرة

الناقصة – واقعيًا، والذي أو التي تحوز على اهتمام كل

البشر فطريًا، والتي هي الحقيقة المطلقة التي يطمئن

لها كل الضعفاء ..، والضعف قرين الوعي!

الإله بهذا المعنى، لا شك أنه ليس بحاجة للمتاجرة

بكرامة وآلام البؤساء، ليحصل على ولاء الأقوياء

والأغنياء والواعظين - كما تصوره المعتقدات!

فمفهوم الإله لا بد أن يكون أبعد ما يكون عن هذه

المسرحية الهزيلة - مضمونًا وإخراجًا، والتي تصور

الإله وهو يمنح المال والقوة والمعرفة لبعض البشر،

لكي يتقربوا بها إليه، من خلال مآسي وجهل وحيرة

وآلام البعض الآخر، والذين جعلهم ذات الإله فقراء

وضعفاء وجهلاء، لا لذنب اقترفوه، إنما فقط لكي

يكونوا مادة للتجربة أو جسرًا للعبور بين الإله وبين

الأقوياء والأغنياء والوعاظ ..؛

والحقيقة أن الإله ليس بحاجة لاختبار البشر أصلاً،

وليس البشر في مستوى اختبار إلهي – بالمعنى المطلق

للإله!

إن هذا الطرح السطحي وهذا التفسير البشري البدائي

للوجود وللغاية من الحياة، يدعونا إلى السؤال عن

تعريف الإله، فهذا يُثبت أننا لسنا متفقين على مفهوم

الإله!

وفق هذه النظريات، يبدو تعريف الإله، بأنه عبارة عن

كائن بشري أسطوري متسلط، على هيئة رجل خارق

للمواصفات البشرية المعتادة – لا أكثر!

وأنه ليس هو الحقيقة المطلقة، ولا يريد الحقيقة، إنما

يريد انتزاع إقرار البشر واعترافهم بقوته وجبروته،

ويريد تحقيق ذلك بصورة مُذلة مهينة للبشر بما يُشبع

غروره، وكأنه غير واثق من قوته، فجعل من العبث

بالوعي البشري مادة أو موضوعًا له للتسلية، واتخذ

من مآسي وآلام البشر وتملقهم وخضوعهم اللا منطقي

له، سببًا للوجود البشري!

فإذا كان الأمر كذلك، إذن لا بد من وجود إله آخر

حقيقي، مواصفاته مطلقة، يتساوى أمامه البشر وغير

البشر، وذلك هو الذي يجهله الجميع معرفيًا، ويؤمنون

به فطريًا!

في الأصل لا بُد أن يكون كل البشر مؤمنين فطريًا،

ومؤمنين بإله واحد!

لكن، هذا الإيمان الفطري بإله واحد، ليس مصدره وحيًا

ولا رسولاً ولا معرفةً ولا إدراكًا، إنما هو نتيجة حتمية

لشعور لاإرادي يتملك الإنسان، يُشعره بالحاجة لإيجاد

وسيلة لمواجهة الهواجس والمخاوف من المجهول،

والتي هي مصاحبة للوعي بالضرورة!

معلوم أنه لولا الوعي، لما كانت الهواجس ولا

المخاوف، ولما كانت هناك حاجة ولا معنى لمفهوم

الاطمئنان لدى الإنسان!

ومعلوم أن الوعي مصدر اطمئنان بقدر ما يعلم ويأمن،

وهو مصدر مخاوف وهواجس بقدر ما يجهل ويخشى!

لذلك فإنه وبغض النظر عن ماهية ومُسمَّى مصدر

الاطمئنان – أكان إلهًا أو سواه-، فالأساس هو أن الكائن

الواعي محتاج فطريًا ومنطقيًا للبحث عن الاطمئنان..؛

والاطمئنان لا يتحقق في وجود الوعي إلا بانتفاء

الضعف والمجهول – عمليًا، أو بوجود قوة مطلقة

تحمي الكائن الواعي، أو تُنجده كلما دعاها!

وريثما يتمكن الوعي من تجاوز الضعف وكشف

المجهول واقعيًا، كان بحاجة عاجلة لوجود تلك القوة -

ولو نظريًا – للمحافظة على توازنه، فإن لم توجد وجب

افتراضها- بغض النظر عن حقيقة وجودها من عدمه-

وهذا ما كان ..؛

تلك القوة هي التي اتفق البشر لاحقًا عبر الأجيال على

تسميتها بالإله!

الإيمان هنا يكون بإله الحاجة البشرية وليس بإله

الحقيقة الكونية ..، وهذا بالطبع لا ينفي ولا يُثبت وجود

الإله الحقيقة!

الفطرة البشرية الطبيعية لم تعد موجودة اليوم، أو لم

تعد تعمل منذ ظهور الأديان وانتشارها، وذلك بسبب

التلقين العقائدي المُبكِّر والممنهج، الذي تمارسه

المؤسسات الدينية المختلفة على البشر، الأمر الذي

يؤدي إلى توجيه الفطرة فلا تعود معيارًا طبيعيًا!

من المستحيل اليوم، إيجاد فطرة بشرية طبيعية يمكن

اختبارها في موضوع الإيمان بالإله الحقيقة!

موضوع الإله اليوم، يصعب الخوض فيه بحيادية، إذ

لا بد من الوقوع تحت تأثير خلفية عقائدية وتصور

معين مسبق للإله ومبتغاه!

المشكلة الكبرى في علاقة البشر بمفهوم الإله، ظهرت

مع تعدد الأديان والتقائها في الزمان والمكان، وما

صاحبه من ظهور مؤسسات بشرية ذات طابع ديني،

استثمرت مفهوم الدين للسيطرة على البشر، ما أدى

إلى التنافس بينها على استقطاب الأتباع، الأمر الذي

استوجب طعنها في مصداقية بعضها البعض ..، مما أدى

تلقائيًا إلى بروز تساؤلات تتراوح بين إمكانية تعدد

الآلهة واحتمالية ضعف الفكرة من أساسها ..؛

وحيث إنه لا دين يخلو من العيوب، فقد أدى انتقاد

الأديان لبعضها إلى ظاهرة انتقال البشر بينها، الأمر

الذي أدى إلى استعمال مفهوم الإله لتخويف البشر

وتحذيرهم من ترك الدين – سواء بالانتقال إلى دين

آخر أو بتركها جميعًا-، ومن هنا تغيرت المعادلة في

علاقة البشر بالإله، فلم يعد مفهوم الإله مصدر اطمئنان

للإنسان كما كان في الأصل وكما ينبغي أن يكون دائمًا،

بل أصبح مصدر خوف يستعمله رجال الدين للسيطرة

على البُسطاء ..؛

والواقع أنه مهما تكن حقيقة مفهوم الإله، فالأصل هو

أنه لا مجال لمقارنته بالبشر- حتى يتم تصويره كخصم

لهم وتخويفهم به!

لكن، ولأن استعمال مفهوم الإله لتخويف البشر هو أمر

غير منطقي وغير واقعي، لذلك لم يستجب معظم البشر

للتخويف والتحذير باسم الإله!

ولأن الإله الذي تم استعماله لتخويف البشر هو إله

الحاجة وليس الإله الحقيقة، لذلك لم يستجب هو الآخر

لتصورات البشر الذين استعملوه لتخويف غيرهم!

ولكي لا يظهر رجال الدين بمظهر الواهم أو الكاذب،

اضطروا لتطوير تصوراتهم وعلاقتهم الخاصة

المفترضة بالإله، فادعوا أن الإله قد كلفهم بتنفيذ

مشيئته في تخويف البشر وتأديبهم، فأصبحوا يُهددون

ويبطشون ويقتلون باسم الإله أو نيابة عنه!

وهنا أصبح مفهوم الإله عالة على الوعي، حيث أصبح

الإله عبارة عن سلاح وتشريع وصلاحيات مطلقة بيد

بعض البشر، يستعملونه لإرهاب واستعباد بقية البشر،

ففقد مفهوم الإله صورته الجميلة كمصدر للاطمئنان،

وأصبح وجوده مصدرًا للهواجس والمخاوف، بل أصبح

وجوده مصدرًا للآلام والمآسي الآنية ..؛

بذلك أصبحت الهواجس والمخاوف الطبيعية المصاحبة

للوعي، والتي استوجبت وجود الإله أصلاً، أصبحت أقل

عبئًا على الإنسان من الإله، الأمر الذي أفقد مفهوم الإله

مبرر وجوده لدى المتضررين منه، بل أصبحت الحاجة

ماسة لإثبات عدم وجوده – وذلك كسبيل وحيد لدحض

التكليف الإلهي المفترض، الذي يستعمله البعض

لإرهاب واستعباد البعض الآخر ..

من هنا نشأت فكرة الإلحاد والكُفر بالإله الحقيقة – رغم

عدم معرفة الملحدين به!

إن بحث الكائن الواعي كان دائمًا عن الاطمئنان، وقد

وجده بادئ الأمر في مفهوم الإله، لكن عندما تحول

مفهوم الإله إلى مصدر للفزع والرُعب بحسب

أيديولوجيا بعض الأديان وجهل القائمين عليها، اضطر

الوعي البشري للبحث عن بديل للإله يوفر له الاطمئنان

ويحميه من استغلال رجال الدين لمفهوم الإله!

ولأن مفهوم الإله قد تعددت صوره وأهدافه بعدد الأديان،

فلم يعد من المقبول ولا من المقنع افتراض إله آخر أو

إله جديد يُعيد للإنسان الاطمئنان بمفهوم الإله كما كان

قبل تعدد الأديان ..، لذلك كان البديل هو محاولة إلغاء

فكرة الإله، واستبدالها بفكرة العدم ..، حيث أصبح خيار

المساواة السلبية يبدو أفضل من خيار التنافس غير

المتكافئ!

فرجال الأديان احتكروا أسرار العلاقة بالإله، وبالغوا في

التضييق على البشر حتى كادوا يجعلوهم آليين لا ذوات

لهم!

ففضَّل الكثيرون من البشر خيار الفوز الآن مع احتمال

الخسارة غدًا، على خيار الخسارة الآن مع احتمال الفوز

غدًا!

بالنسبة للبشر، إثبات وجود الإله لا يختلف عن إثبات

عدم وجوده، فكلاهما محاولات فلسفية واستقرائية

واستنباطية لا يمكن برهنتها!

لذلك وجد الملحدون الاطمئنان في افتراض العدمية،

كبديل لاستعباد رجال الدين لهم باسم الإله!

وفي الواقع لا أحد يعرف الإله الحقيقة – لا الملحدون

ولا المؤمنون!

والإله الذي أنكره الملحدون هو إله الحاجة الذي تم

تصويره واستغلاله على أنه إله الحقيقة، فبدا الملحدون

وكأنهم يُنكرون وجود الإله الحقيقة الذي يجهله الجميع،

وهذا غير صحيح، فالملحدون من خطابهم يتضح أنهم

يُنكرون وجود الإله الظالم العابث الذي يسمح لبعض

البشر بالسيطرة على بعضهم الآخر، ولا يُنكرون وجود

إله يجهله الجميع

الثلاثاء، 5 يناير 2021

مَنْ هُم أهل الذِكر ومَنْ الذين لا يعلمون؟

0 تعليق

 

فاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ!
هذا النص من القرآن، يُستدل به عادة، للإشارة إلى أمورٍ ثلاثة:

الأمر الأول: أن المجتهدين والفقهاء والأئمة والخطباء المسلمين، هم أهل الذكر المعنيين في هذا النص، وأنه ينبغي سؤالهم وطاعتهم في أمور الدين ومعاملات البشر!

الأمر الثاني: أن مفهوم "الذِكر" – هنا، يُشير إلى القرآن ذاته، أو هو العِلم الذي لا يمكن بدونه فهم القرآن وتفسيره؛ وأنه عِلمٌ لا ينبغي لأحدٍ من الناس، إلا لأولئك الذين يمتلكون قدرات ذهنية فكرية خاصة خارقة، منحها الله لهم ويسر لهم السبيل دون سواهم!
وهنا في الحقيقة تبرز مفارقة كبيرة، وهي أنه حتى لو كان الأمر كذلك، فإن الاختلاف الجذري والجوهري بين الفقهاء والمذاهب والطوائف (سلفي، صوفي، إخواني، شيعي، ..الخ)، يستوجب أن يكون الإنسان العادي أفقه من كل الفقهاء، لكي يُحدد أيهم الصائب، أو أيهم المؤيد من عند الله..، فالفقهاء لا يحملون علامات أو براهين تميز المهتدي منهم من الضال – لكي يهتدي بهم الضال العادي..،
ولعل هذا هو السبب الذي جعل جُل المسلمين يتجاهلون كل المذاهب عمليًا، وهو ذات السبب الذي جعل بعض المذاهب – كالسلفيين – يضطرون لاستخدام القوة والعنف والإرهاب، لتركيع البشر لمذهبهم لا لله!
وهو ذاته الذي جعل الإخوان يسعون للسلطة لابتزاز البشر بُغية تركيعهم لمذهبهم لا لله!
فجميعهم لا يحملون آية، ولا يملكون دليلاً ولا حُجَّة تُقنع البشر..، فإذا مُنِح البشر حرية الاختيار والمفاضلة بين المذاهب والطوائف، فستسقط كل المذاهب والطوائف بين عشية وضحاها..، ولذلك انقلبت الآية فأصبحت المذاهب والطوائف هي التي تذهب للبشر، وتفرض عليهم فقهها وأفكار منظريها بالقوة والخداع وباستغلال الحاجة المادية للبشر..، ما أحال المذاهب إلى مشاريع مادية دنيوية ربحية تنافسية، وليست مجال فكري وسبيل روحي لإيصال رسالة إلهية وإخلاء ذمة بشرية!
الأمر الثالث: إشارة إلى غالبية المسلمين باعتبارهم لا يعلمون ما يعلمه أهل الذكر، وأن عليهم الاتباع والطاعة العمياء لاجتهادات وفتاوى أهل الذكر – وذلك حتى إذا أفتوا واجتهدوا بما يُخالف العقل والمنطق! .. انتهى.
ومما يوجب التوقف ويُثير التساؤل هنا، هو أنه لا وجود لهذه الإشارات الثلاث في النص القرآني – موضع الاستدلال، بالمعنى المستدل لأجله والشائع بين المسلمين..، وأن الفقهاء لا شك يُدركون ذلك، والسؤال هو:
لماذا لم يُحدد الفقهاء لعموم المسلمين، التفسير الصحيح والقصد من هذا النص، ولماذا لم يُفتوا بعدم جواز الاستدلال به في غير محله؟
إنه وحتى على افتراض أن فقهاء اليوم أو بعضهم، لا يستدلون بالتفسير الخاطئ لهذا النص، إلا أن هذا التفسير بالأساس لا شك أنه صادر عن فقيه، وينبغي أن يُصححه فقيه مثله..، فالسكوت عليه اليوم لا يختلف عن الإفتاء به أو إشاعته بالأمس!
ليس من السهل اتهام كل الفقهاء بابتداع هذا التفسير الخاطئ أو بالتستر عليه، على أساس أن السبب هو عدم وجود صفة رسمية للفقاء، تمنحهم الحق في فرض آرائهم على الناس، وعدم وجود نص آخر يحث الناس أو يأمرهم بطاعة الفقهاء!
فمن هم أهل الذِّكر، ومن هم الذين لا يعلمون، بحسب النص، وليس بحسب ما هو شائع ومستعمل في الثقافة العربية، وفي الفقه الإسلامي؟
وما هو الذِّكر؟ وهل من علاقة خاصة بين مفهوم "أهل الذِّكر"، والفقهاء!
هنا نص قرآني يقول بأن القرآن مُيسَّر للذِّكر – وليس هو الذِّكر:
{وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ }القمر17.
وهنا نص قرآني آخر يقول، إن القرآن يُحدِث الذِكر وليس هو الذِكر ذاته: {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً }طه113 .
هنا نص قرآني يقول إن عدم القدرة على فهم القرآن هي عقوبة خاصة بالذين لا يؤمنون بالآخرة، وليس بالعرب أو بالناس أجمعين: {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً }الإسراء45 . {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً} الإسراء46.
فإذا كان القرآن غامضاً وفهمه عصياً حتى على العرب المسلمين؛ فما ذنب الأعاجم من غير العرب وغير المسلمين؟
وما السبيل لمن أراد منهم دخول الإسلام؟
أي الطوائف عليه أن يتّبع، وأنّى له أن يختار الطائفة أو الفرقة الناجية؟
أقول.. إن هذا النص القرآني واضح وصريح و يسير غير عسير (… فاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ !)،
وعلى افتراض صحة السياق الذي يُستعمل له، وأن أهل الذكر هم الفقهاء، فإن المستدلين به يتجاهلون أمرين أساسيين بارزين في هذا النص، وهما:
(أ)- إن الخطاب ليس موجهاً لأهل الذكر، حتى يمنعوا غيرهم من تفسير القرآن والتحاور به وحوله!
بل إن الخطاب موجه للذين لا يعلمون، فهم المطالبون بالبحث أو السؤال عما يجهلون!
إذاً، فالذين يعتقدون بأنهم هم أهل الذكر، ليس من حقهم أن يُقرّروا بأن غيرهم لا يعلمون؛ أي أن الله قد شرّع بهذا النص، أن الإنسان أدرى بنفسه وأحق وأجدر من غيره في أن يُقرّر ما إن كان يعلم أو لا يعلم!
فهو مسئولٌ عن ادعائه العلم، كما أنه مُطالبٌ بالسؤال عما يجهل، وهو مسئولٌ عن اختياره لمن يسأل!
فالذين لا يعلمون إذاً، هم المسئولون وهم المطالبون بالإعلان عن أنفسهم، والمطالبون بالبحث عن أهل الذكر، وليس العكس!
(ب)- إن الخطاب جاء بصيغة التشكيك في حقيقة أنهم لا يعلمون! .. (… إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ !)،
أي أن الأمر ليس غامضاً وليس عسيراً عليكم حتى تجهلونه!
وفي ذلك إشارة إلى أنه عليهم الإقرار أولاً وربما إثبات أنهم لا يعلمون، ثم إن لهم بعد ذلك أن يسألوا أهل الذكر!
وفي هذا التشكيك، إشارة واضحة وقوية على أن الأمر الذي يعلمه أهل الذكر، هو أمرٌ مُتاحٌ في متناول الجميع إن شاءوا معرفته، وأنه ليس علماً خاصاً بأهل الذكر، وأن الذين لا يعلمون ربما كانوا يدّعون عدم العلم وليست حقيقة أنهم لا يعلمون، وإنما ادعوا عدم علمهم بالأمر للتشكيك في صدق الرسول!
( … فاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ !) ..
أما الأمر الأهم فهو يكمن في خطأ السياق الذي يُستدل فيه بهذا النص، ويتضح ذلك عند قراءة النص كاملاً ..
يقول القرآن: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }النحل43. {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} الأنبياء7.
فلا اختلاف ولا خلاف على أن المقصود بأهل الذكر هنا هم أتباع الديانات والكتب التي سبقت الإسلام والقرآن، كأهل الكتاب من اليهود والنصارى، وغيرهم من أتباع الديانات والرُسل السابقين، والمقصود بالذين لا يعلمون هم أولئك الذين لم يُصدّقوا الرسول، والذين لم يتقبلوا فكرة أن يكون الرسول بشراً مثلهم! أي أولئك الذين يعتقدون بأن الرُسُل ينبغي أن يكونوا ملائكة، ولا يصح باعتقادهم أن يُخاطب الله بشراً ويبعثه رسولاً!
الخطاب إذاً، موجه للمشككين في رسالة الرسول، وليس للمسلمين.
وأهل الذكر هم أتباع الرُسُل والكتب والديانات السابقة، وليسوا المسلمين من أتباع محمد .
فالخطاب كان في وجود الرسول، حيث لم يكن المسلمون في حاجة لسؤال أحدٍ والرسول بينهم!
وموضوع الخطاب محدد، وهو أن بشرية الرسول هو أمرٌ طبيعي لا غرابة فيه، وهو معلوم لدى أتباع الرُسل كلهم!
فالنص القرآني واضح الدلالة، فلا يصح الاستدلال به إلا عند مخاطبة المشككين والمكذبين برسالة الرُسُل؛
حيث قال لهم القرآن، إن عليهم أن يسألوا أتباع الديانات السابقة، ليعلموا أن كل الرُسُل السابقين كانوا رجالاً بشراً، ولم يكونوا ملائكة! {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }النحل43.
فهل يجوز مُخاطبة المسلمين اليوم – المؤمنين برسالة محمد -، بما خاطب به القرآن المكذبين المشككين في رسالته : فاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ!
ويبقى السبب الحقيقي، والدافع الأساس، والمستفيد الرئيس من وراء قتل المنطق لدى الإنسان العربي باسم العروبة، وشل تفكير المسلم وتعطيل عقله باسم الإسلام، وإقناعه بأن عين الصواب وذروة سنام الإيمان هو أن يُصدّق ما لا يفهمه وما لا يُقنعه، وأن يقول ويفعل ما لا يقبله عقله!
يبقى هذا الأمر سراً غامضاً، وخيالاً مُرعباً لمن أراد من العرب والمسلمين فهم الحقيقة .. إلى ما شاء الله !
فالاحتمالات كثيرة، لكن تبقى جذور هذه المأساة خفيّة، وجذوة سؤالها حيّة، والإجابة عليها عصيّة، والبحث عن الحكمة والحقيقة هو لب القضية

الخميس، 10 ديسمبر 2020

اللغة إنتاج بشري متغير، لا رمز أزلي مُقدَّس!

0 تعليق


رغم الاتفاق الظاهر بين البشر على مدلولات الألفاظ أو المفردات
اللغوية، إلا أن السامع قد يفهم من اللغة ما لا يقصده المتحدث أو
الكاتب، والعكس صحيح، فقد يقول الكاتب أو المتحدث ما لا يُريد
قوله، وذلك بسبب عجز اللغة عن مواكبة الأفكار أو عن التعبير
الدقيق عنها، ولذلك ظهرت الحاجة للفكر والفلسفة!
فالفكر هو لغة الثقافات، والفلسفة هي لغة اللغات!
الفكر فلسفة تكتيكية، والفلسفة فكر استراتيجي!
وظيفة الفلسفة بالأساس هي التوفيق بين أفهام الناطقين أو توحيد

الفهم البشري للمعاني والمقاصد والأشياء في اللغات المسموعة
والمقروءة!

وهذا يعني ويُثبت أن اللغات عبارة عن إنتاج بشري تراكمي، لا

يخلو من عيوب وقصور، وقد تكون اللغات مصدرًا للاختلافات

والخلافات!
إحدى أهم الوظائف الإيجابية للغة، هي إبراز الاختلافات الطبيعية

بين البشر، ببساطة وبأمانة، وإثبات أنها اختلافات طبيعية فطرية،

لكي يحترم البشر اختلافاتهم، فلا يُنظر للاختلافات الطبيعية الفطرية

على أنها مفتعلة ومتعمدة، أو أنها طعن من بعضهم في معتقدات

بعضهم الآخر؛

لكن، اللغة تُصبح عاملاً سلبيًا عندما تكون مصدرًا لاختلافات غير

طبيعية، بسبب سوء فهمها أو سوء استعمالها أو بسبب قصور

مفرداتها ومصطلحاتها عن رسم المشهد وإيصال الفكرة أو المعلومة!

لغات البشر المختلفة، ليست سوى مجموعة من الرموز المكتوبة،

والإشارات الصوتية المُتفق على مدلولاتها، والتي أوجدتها وطورتها

حاجة البشر للتواصل والاتصال، والتعبير عن أنفسهم، ووصف

الواقع وقِيَمِ وأعداد الأشياء من حولهم!

فاللغات البشرية هي أصوات حيوانية متطورة من الصفر، وهي

تتطور باستمرار وينبغي أن يتم تطويرها، فهي ليست موجودة

كوحدات متكاملة من البداية!

اللغة ليست شيئًا فيزيائيًا خاضعًا لقوانين الطبيعة، إنها إنتاج بشري

خاضع لحاجة البشر!

من الطبيعي والبديهي أن نقول، إنه يوجد إنسان بدون لغة، لكن

لا توجد لغة بدون إنسان، وهذا يعني أن اللغة من ملحقات الوجود

البشري وليست من أساسياته!

لماذا نقول هذه البديهيات؟
لأنه توجد بعض الأعراق البشرية، التي تستعمل اللغة في الواقع، لكن من حيث الوعي، ما تزال هذه الأعراق في مرحلة ما قبل ظهور اللغات وتطورها، حيث إن استعمالهم للغة يتركز على إظهار مدى انبهارهم بها، بل إنهم جعلوا عدم الانبهار بها دلالة على الغباء والجهل بلغتهم، حتى أصبحوا أصغر قيمة ووزنًا من رموز لغاتهم وإشاراتها، ويكاد ينحصر تعاطيهم مع لغاتهم على تقديسها – لا على استعمالها أو تطويرها-،
فأعطوا اللغة قيمة في ذاتها، وجعلوها أكبر قيمةً من البشر الذين يستعملونها، فصاروا عبيداً لها، فخدموها بدل استعمالها..، وكأن وجود اللغة كان سابقًا لوجودهم، وأن جزءًا أساسيًا من رسالتهم في الوجود هو خدمة وتقديس هذا الموجود المستقل المُسمَّى "لُغة"، والذي أصبح بالنسبة لهم صنمًا نظريًا ذهنيًا ثقافيًا مُقدَّسًا!
تقديس اللغة يؤدي حتمًا إلى محاربة الفكر والفلسفة والفنون والعلوم، وذلك لأن:

 1- الفنون، بأنواعها المتعددة والمختلفة من تصوير ورسم ونحت وتجسيم وتمثيل وموسيقى ورقص وغناء وغيرها، إنما ظهرت لسد العجز في اللغة المنطوقة والمكتوبة عن الوفاء بحاجات البشر؛
فالفنون عبارة عن لغات مساندة تحاول التعبير عن الأفكار والمعلومات التي عجزت اللغة المباشرة البسيطة عن إيصالها!
وهذه الحقيقة تُظهر وتُثبت أن اللغة شيئًا طارئًا وصناعة بشرية لا تخلو من النقص والقصور، وهذا يتناقض مع تقديسها، ولهذا نجد عُبَّاد اللغة ومقدسيها يُحاربون الفنون!
والحقيقة أن الفنون ليست مجرد لغات بشرية مساندة، بل هي اللغة الوحيدة الخالصة والخاصة بالبشر، فكل الكائنات تمتلك لغات بدائية أساسية بسيطة تؤمِّن لها الحد الأدنى من التواصل المطلوب للحياة والبقاء– تُعادل اللغات البشرية المنطوقة..، أما لغات الفنون فهي مقتصرة على البشر، لأنها تتطلب وعيًا وذكاءً ومهارات لا يمتلكها ولا يُتقنها على الأرض سوى البشر، ولذلك يمكننا القول بأن الفن لغة خاصة بالبشر، وبذلك يصح اعتبار لغة الفن اللغة الأصل للبشر!
 2- الفلسفة، وهي موهبة ومهارة عقلية خاصة، تُستعمل لتصحيح وتوحيد مدلولات المفردات اللغوية، ومحاولة المواءمة بين الأفهام المتعددة وبين المنطق الوجودي الواحد؛
ولذلك تصطدم الفلسفة مع قداسة اللغة، ولذلك تُحارَب الفلسفة من قِبل مُقدِّسي اللغات!
تعدد الأفهام ناجم عن تعدد اللغات والثقافات والمعتقدات!
 3- الفكر، وقد ظهر لإزالة العراقيل والخلافات اللغوية والثقافية والتاريخية التي تحول دون تفاهم البشر وتواصلهم العملي؛
وبذلك يصطدم الفكر بقداسة اللغة، ولذلك يُحارَب شأنه شأن الفلسفة!
 4- العلوم، وهي التي تُنجز وتُثبت عمليًا وماديًا، ما يتناقض مع الكثير من التصورات والمعتقدات التي أوجدتها اللغة في أذهان مُقدِّسيها (تسطَّح الأرض ودوران الشمس حولها مثلاً)، وهذا يطعن في قداسة اللغة، ويؤكد الحاجة إلى تطويرها وعدم تقديسها..، ولذلك فإنه من غير المستغرب أن نجد عُبَّاد ومُقدِّسي اللغات، يُفضِّلون البدائية والتخلف على العِلم!
تقديس اللغة لا يقتصر الخطأ فيه على عدم مصداقيته، بل هو في الواقع من أكبر منابع الخرافة والأساطير، فإظهار اللغة بصورة الكائن المستقل، المجهول المصدر، يملأ النفس البشرية بهواجس روحانية ومخاوف نفسية وفراغات فكرية ومجاهيل وأوهام لا أصل ولا أساس لها ولا نهاية؛
ولا سبيل للتخلص منها إلا بوضع اللغة في مكانها الطبيعي، كأسهل وسيلة للتواصل لا أكثر من ذلك، ما يعني أن اللغة ليست غاية لذاتها، إنما هي أداة لتحقيق هدف، وأنه ينبغي تطويرها وتصحيحها وتهذيبها لتسهيل تحقيق الهدف، تمامًا كما تم تطوير وتصحيح وسائل النقل والاتصال ووسائل إنتاج الملابس وطهي الطعام!

المحصلة..
- تقديس اللغة يعني تجميد العقل، وذلك يعني منع الإنسان من تجاوز نقطة البداية - من حيث تواصله مع بني جنسه وتعاطيه مع الطبيعة!
- المعتقدات لا تُبرر تقديس اللغة، فالواقع أصدق من المعتقدات!
- تقديس اللغة لدى بعض الأعراق، يُمثِّل عائقًا أساسيًا دون حصول التواصل البشري، بدل أن تكون اللغة رافدًا أساسيًا لاكتمال التواصل!
- الإنسان هو أقدس شيء عند الإنسان، فهو أقرب شيء له في الطبيعة، واللغة هي أبسط وسائلهم للتواصل؛
والطبيعي هو أن يتم تطوير اللغة وتسخيرها للتقريب بين البشر حتى تُصبح المسافة بينهم صفرًا - إن أمكن؛
فبُعد المسافة التفاهمية بين البشر، يعكس بُعدهم عن الحقيقة!
واقتراب البشر من بعضهم إلى الدرجة التي يُصبحون عندها كأعضاء مختلفة لجسد واحد، هو أقرب نقطة للحقيقة والسعادة يبلغها البشر

اللغة إنتاج بشري متغير، لا رمز أزلي مُقدَّس!

0 تعليق


رغم الاتفاق الظاهر بين البشر على مدلولات الألفاظ أو المفردات اللغوية، إلا أن السامع قد يفهم من اللغة ما لا يقصده المتحدث أو الكاتب، والعكس صحيح، فقد يقول الكاتب أو المتحدث ما لا يُريد قوله، وذلك بسبب عجز اللغة عن مواكبة الأفكار أو عن التعبير الدقيق عنها، ولذلك ظهرت الحاجة للفكر والفلسفة! فالفكر هو لغة الثقافات، والفلسفة هي لغة اللغات! الفكر فلسفة تكتيكية، والفلسفة فكر استراتيجي! وظيفة الفلسفة بالأساس هي التوفيق بين أفهام الناطقين أو توحيد الفهم البشري للمعاني والمقاصد والأشياء في اللغات المسموعة والمقروءة! وهذا يعني ويُثبت أن اللغات عبارة عن إنتاج بشري تراكمي، لا يخلو من عيوب وقصور، وقد تكون اللغات مصدرًا للاختلافات والخلافات! إحدى أهم الوظائف الإيجابية للغة، هي إبراز الاختلافات الطبيعية بين البشر، ببساطة وبأمانة، وإثبات أنها اختلافات طبيعية فطرية، لكي يحترم البشر اختلافاتهم، فلا يُنظر للاختلافات الطبيعية الفطرية على أنها مفتعلة ومتعمدة، أو أنها طعن من بعضهم في معتقدات بعضهم الآخر؛ لكن، اللغة تُصبح عاملاً سلبيًا عندما تكون مصدرًا لاختلافات غير طبيعية، بسبب سوء فهمها أو سوء استعمالها أو بسبب قصور مفرداتها ومصطلحاتها عن رسم المشهد وإيصال الفكرة أو المعلومة! لغات البشر المختلفة، ليست سوى مجموعة من الرموز المكتوبة، والإشارات الصوتية المُتفق على مدلولاتها، والتي أوجدتها وطورتها حاجة البشر للتواصل والاتصال، والتعبير عن أنفسهم، ووصف الواقع وقِيَمِ وأعداد الأشياء من حولهم! فاللغات البشرية هي أصوات حيوانية متطورة من الصفر، وهي تتطور باستمرار وينبغي أن يتم تطويرها، فهي ليست موجودة كوحدات متكاملة من البداية! اللغة ليست شيئًا فيزيائيًا خاضعًا لقوانين الطبيعة، إنها إنتاج بشري خاضع لحاجة البشر! من الطبيعي والبديهي أن نقول، إنه يوجد إنسان بدون لغة، لكن لا توجد لغة بدون إنسان، وهذا يعني أن اللغة من ملحقات الوجود البشري وليست من أساسياته! لماذا نقول هذه البديهيات؟ لأنه توجد بعض الأعراق البشرية، التي تستعمل اللغة في الواقع، لكن من حيث الوعي، ما تزال هذه الأعراق في مرحلة ما قبل ظهور اللغات وتطورها، حيث إن استعمالهم للغة يتركز على إظهار مدى انبهارهم بها، بل إنهم جعلوا عدم الانبهار بها دلالة على الغباء والجهل بلغتهم، حتى أصبحوا أصغر قيمة ووزنًا من رموز لغاتهم وإشاراتها، ويكاد ينحصر تعاطيهم مع لغاتهم على تقديسها – لا على استعمالها أو تطويرها-، فأعطوا اللغة قيمة في ذاتها، وجعلوها أكبر قيمةً من البشر الذين يستعملونها، فصاروا عبيداً لها، فخدموها بدل استعمالها..، وكأن وجود اللغة كان سابقًا لوجودهم، وأن جزءًا أساسيًا من رسالتهم في الوجود هو خدمة وتقديس هذا الموجود المستقل المُسمَّى "لُغة"، والذي أصبح بالنسبة لهم صنمًا نظريًا ذهنيًا ثقافيًا مُقدَّسًا! تقديس اللغة يؤدي حتمًا إلى محاربة الفكر والفلسفة والفنون والعلوم، وذلك لأن: 1- الفنون، بأنواعها المتعددة والمختلفة من تصوير ورسم ونحت وتجسيم وتمثيل وموسيقى ورقص وغناء وغيرها، إنما ظهرت لسد العجز في اللغة المنطوقة والمكتوبة عن الوفاء بحاجات البشر؛ فالفنون عبارة عن لغات مساندة تحاول التعبير عن الأفكار والمعلومات التي عجزت اللغة المباشرة البسيطة عن إيصالها! وهذه الحقيقة تُظهر وتُثبت أن اللغة شيئًا طارئًا وصناعة بشرية لا تخلو من النقص والقصور، وهذا يتناقض مع تقديسها، ولهذا نجد عُبَّاد اللغة ومقدسيها يُحاربون الفنون! والحقيقة أن الفنون ليست مجرد لغات بشرية مساندة، بل هي اللغة الوحيدة الخالصة والخاصة بالبشر، فكل الكائنات تمتلك لغات بدائية أساسية بسيطة تؤمِّن لها الحد الأدنى من التواصل المطلوب للحياة والبقاء– تُعادل اللغات البشرية المنطوقة..، أما لغات الفنون فهي مقتصرة على البشر، لأنها تتطلب وعيًا وذكاءً ومهارات لا يمتلكها ولا يُتقنها على الأرض سوى البشر، ولذلك يمكننا القول بأن الفن لغة خاصة بالبشر، وبذلك يصح اعتبار لغة الفن اللغة الأصل للبشر! 2- الفلسفة، وهي موهبة ومهارة عقلية خاصة، تُستعمل لتصحيح وتوحيد مدلولات المفردات اللغوية، ومحاولة المواءمة بين الأفهام المتعددة وبين المنطق الوجودي الواحد؛ ولذلك تصطدم الفلسفة مع قداسة اللغة، ولذلك تُحارَب الفلسفة من قِبل مُقدِّسي اللغات! تعدد الأفهام ناجم عن تعدد اللغات والثقافات والمعتقدات! 3- الفكر، وقد ظهر لإزالة العراقيل والخلافات اللغوية والثقافية والتاريخية التي تحول دون تفاهم البشر وتواصلهم العملي؛ وبذلك يصطدم الفكر بقداسة اللغة، ولذلك يُحارَب شأنه شأن الفلسفة! 4- العلوم، وهي التي تُنجز وتُثبت عمليًا وماديًا، ما يتناقض مع الكثير من التصورات والمعتقدات التي أوجدتها اللغة في أذهان مُقدِّسيها (تسطَّح الأرض ودوران الشمس حولها مثلاً)، وهذا يطعن في قداسة اللغة، ويؤكد الحاجة إلى تطويرها وعدم تقديسها..، ولذلك فإنه من غير المستغرب أن نجد عُبَّاد ومُقدِّسي اللغات، يُفضِّلون البدائية والتخلف على العِلم! تقديس اللغة لا يقتصر الخطأ فيه على عدم مصداقيته، بل هو في الواقع من أكبر منابع الخرافة والأساطير، فإظهار اللغة بصورة الكائن المستقل، المجهول المصدر، يملأ النفس البشرية بهواجس روحانية ومخاوف نفسية وفراغات فكرية ومجاهيل وأوهام لا أصل ولا أساس لها ولا نهاية؛ ولا سبيل للتخلص منها إلا بوضع اللغة في مكانها الطبيعي، كأسهل وسيلة للتواصل لا أكثر من ذلك، ما يعني أن اللغة ليست غاية لذاتها، إنما هي أداة لتحقيق هدف، وأنه ينبغي تطويرها وتصحيحها وتهذيبها لتسهيل تحقيق الهدف، تمامًا كما تم تطوير وتصحيح وسائل النقل والاتصال ووسائل إنتاج الملابس وطهي الطعام! المحصلة.. - تقديس اللغة يعني تجميد العقل، وذلك يعني منع الإنسان من تجاوز نقطة البداية - من حيث تواصله مع بني جنسه وتعاطيه مع الطبيعة! - المعتقدات لا تُبرر تقديس اللغة، فالواقع أصدق من المعتقدات! - تقديس اللغة لدى بعض الأعراق، يُمثِّل عائقًا أساسيًا دون حصول التواصل البشري، بدل أن تكون اللغة رافدًا أساسيًا لاكتمال التواصل! - الإنسان هو أقدس شيء عند الإنسان، فهو أقرب شيء له في الطبيعة، واللغة هي أبسط وسائلهم للتواصل؛ والطبيعي هو أن يتم تطوير اللغة وتسخيرها للتقريب بين البشر حتى تُصبح المسافة بينهم صفرًا - إن أمكن؛ فبُعد المسافة التفاهمية بين البشر، يعكس بُعدهم عن الحقيقة! واقتراب البشر من بعضهم إلى الدرجة التي يُصبحون عندها كأعضاء مختلفة لجسد واحد، هو أقرب نقطة للحقيقة والسعادة يبلغها البشر

الاثنين، 21 سبتمبر 2020

زواج المثليين من رسائل الطبيعة للواهمين!

0 تعليق




لا يتردد الإسلاميون في القول إن الإنسان (كل إنسان) يولد على الفطرة، وأن أبويه هما اللذان يُهوِّدانه أو يُنصِّرانه؛

(الفطرة عندهم = الإسلام)!

يُرددون هذه المقولة على مسامع الصغار والبُسطاء من المسلمين، لكي تُصبح جزءًا من عقيدتهم، فيزداد بُغضهم لغير المسلمين - خاصة اليهود والنصارى - على أساس أنهم المسئولون عن انحراف فطرة أبنائهم..، بمعنى أن العالم بأسره مُهيأ ليصبح مسلمًا بين عشية وضحاها، لولا أن كل البشر منحرفون ومتآمرون ضد الفطرة!

كيف لأمرٍ أن يُوصف بأنه فطرة بشرية، ثم يُتهم كل البشر بالتآمر عليها أو بالانحراف عنها؟

اليوم تُعيد الطبيعة طرح رسالة قديمة بصيغة جديدة، لعلها أوضح هذه المرة:

ماذا عن المثلية الجنسية والخنوثة، وتشريع وانتشار زواج المثليين؟

أليست هذه ظواهر طبيعية، وتتعارض مع الفطرة - إذا كانت الفطرة هي الإسلام؟

فهل يولد الإنسان على الفطرة، وأبواه هما اللذان يُخنِّثانه أو يُمثِّلانه؟

وهل يسمح الإسلاميون للإنسان عندهم بالتعبير عن ميوله الجنسية وممارستها، لكي يرى العالم كيف يكون الإنسان الطبيعي ذو الفطرة السليمة؟

وهل هذه الملايين من البشر العاديين والبرلمانيين والحكومات والرؤساء، والذين هم ليسوا مثليين جنسيًا، لكنهم لم يُعارضوا زواج المثليين..، هل هذه الملايين من مختلف المستويات العلمية والثقافية، كلهم منحرفون فطريًا، وكلهم وُلِدوا مسلمين، لولا أن أهلهم هوَّدوهم أو نصَّروهم أو جعلوهم يتقبلون زواج المثليين؟؟

أم أن الفطرة شيء آخر غير الدين والمعتقد؟

وأن الفطرة هي المُوجِّه الطبيعي الذاتي اللا إرادي لسلوك وقناعات وميول ورغبات الإنسان؛

وأن الفطرة لا تعتد بالثقافات والأعراف والعادات والتقاليد، ولا يمكن فرضها على الإنسان ولا انتزاعها منه، ولا يُمكن تصديرها ولا استيرادها، ولا يمكن إخفاؤها!

وأن المعتقد الديني هو الذي يُلقَّن للإنسان قبل البلوغ، أو يُفرض عليه بالتهديد والوعيد بعد البلوغ، بواسطة أبويه أو سواهم، وأنه أمر خارجي غير الفطرة الطبيعية، وأن ربط المعتقد بالفطرة ما هو إلا محاولة لتسويق الدين واستغفال الناس!

لعل الربط بين مفهوم الفطرة والمعتقد الديني، لا يقتصر على المسلمين، فأصحاب كل معتقد، لا يخامرهم شك في أن معتقدهم هو الأصل، وهو الذي تقوم عليه وبه ولأجله الطبيعة والحياة والوجود!

والحقيقة أن التعصب للمعتقدات الدينية يُعمي البصيرة لدى المسلمين وغير المسلمين، فلا ينتبه المتعصبون لرسائل الطبيعة ولا لأصوات الحقيقة، ولذلك هم أعجز وأظلم من أن يكونوا منصفين ويعترفوا بأن هذه الثقافات والمجتمعات المتسامحة، التي سمحت للإنسان بالإفصاح عن ميوله الجنسية وممارستها رغم غرابتها، لا يمكن لعاقل أن يتهمها بأنها تحول بين الإنسان وبين فطرته التي يولد عليها؟

وأن الثقافات والمجتمعات الدينية - خاصة الإسلامية - التي تحكم على الإنسان بالقتل إذا اختار الخروج عن معتقداتها القسرية، هي التي لا تعرف الفطرة ولا تحترمها؟

ما يمكن فهمه من ترديد الإسلاميين لتلك المقولة، هو أنها محاولة فاشلة لأسلمة الفطرة، لكي تبدو معتقداتهم صحيحة؟

ثم، ماذا عن الفطرة عند الإنسان الذي يولد في مجتمع مسلم، ولأبوين مسلمين، لماذا يُهدد بالقتل إذا ترك الإسلام؟ من الذي هوَّده أو نصَّره أو لحَّده؟

أليس هذا اختبارًا طبيعيًا وشرعيًا للفطرة؟ لماذا يرفض المسلمون حرية العقيدة إذن؟

إن كل ما يمكن أن يُقال سلبًا عن المثلية الجنسية وزواج المثليين، لا ينبغي أن يدفعنا إلى تجاهل حقيقة أن تشريع زواج المثليين وانتشاره في مجتمعات بشرية عديدة وعريقة ومتقدمة في كل المجالات، قد كشف عمق المأساة الإنسانية ومدى التخلف في مجتمعات أخرى، حتى بدا المشهد في تلك المجتمعات المتخلفة وكأن الهدف في الأساس هو حِرمان الإنسان من المتعة الجنسية- في نطاق التضييق العام على الإنسان ودفعه للتحايل أو الانتحار-، وأن سماح القائمين على تلك المجتمعات بالزواج التقليدي إنما كان خضوعًا لقوانين الطبيعة التي ربطت التكاثر بالمتعة الجنسية، فلو أمكنهم التكاثر دون ممارسة الجنس، لمنعوا وحرَّموا الزواج التقليدي وغير التقليدي..، وبالطبع لن يشمل المنع أو التحريم أولي الأمر أو أولي القوة، فهم مصدر التشريع والتنفيذ!

زواج المثليين سلط الضوء على مناطق معتمة حول الحريات الشخصية بشكل عام، وفي الحياة الجنسية بصورة خاصة..، مناطق ما كان لها أن تكون معتمة أصلاً، وما كان ينبغي انتظار زواج المثليين ليكشف افتعال الحظر والتعتيم وهشاشة التابوات وبدائيتها!

حيث يتم تحريم ممارسة الجنس بين الذكر والأنثى البالغين، واعتبارها عارًا أو جريمة توجب القتل بأبشع أساليب القتل؛ وفي ذات الوقت يتم تشريع ذات الأمر وبين ذات الشخصين، والاحتفاء به وبهما، إذا جاء عبر بروتوكولات وطقوس بشرية شكلية صورية، لا معنى ولا تفسير لها سوى التشهير بالإنسان، والمساس بإنسانيته، وانتهاك حُرمته، والإشراف على حياته الجنسية، وتدخل سافر للغرباء في خصوصيته بحُجَّة تحليلها، واستغلال غريزة طبيعية لممارسة الوصاية وتحجيم وزن وقيمة الفرد لصالح الجماعة، وجعله يشعر بفضل الآخرين عليه - إذ سمحوا له بإشباع غريزته، حيث كان بإمكانهم حرمانه من ذلك..، كل ذلك لكي يظل الإنسان طوال حياته في دائرة العبودية المقنعة وتحت الشرعية المزورة!

فإذا كان المحافظون أو التقليديون يرفضون ويستهجنون زواج المثليين، ويعتبرونه عارًا على البشرية، فعليهم الاستعداد للاعتراف بفضل هذا الزواج غير الطبيعي لتصحيح آليات ومسار الزواج الطبيعي!

زواج المثليين ليس مُصنَّفًا على قائمة الواهمين ضمن المحظورات والمحرمات، وذلك على افتراض أنه مستحيل ومحظور طبيعيًا وأخلاقيًا وواقعيًا!

لكن الطبيعة فاجأت الواهمين وأحفاد المُصنِّفين، بإباحتها لزواج المثليين وتحقيقه على أرض الواقع، فأُسقِط في أيدي الواهمين، ولم ينبسوا ببنت شفة..، حيث إنهم كانوا يُصنفونه ضمن الممارسات التي ينبغي أن تمنعها الطبيعة - كما يتصورون هم الطبيعة!

وبالنتيجة، سواء حصل زواج المثليين بإرادة الطبيعة أو بتطور الإنسان أو بإرادة إله.. فلا فرق..، والأهم أنه لا مجال لإيقافه بعد أن أصبح المثليون واقعًا، وأصبحت هذه الثقافة تلقى تفهمًا فطريًا متزايدًا بين الأفراد والمجتمعات البشرية!

وبغض النظر عن آرائنا الخاصة في زواج المثليين واختلافنا معهم وحولهم، فما يهمنا هنا هو رسالة الطبيعة التي يحملها زواج المثليين للواهمين من البشر..،

ولعل محتوى الرسالة: أن حجم الوجود البشري بأسره - من بدايته المجهولة إلى نهايته المجهولة-، لا يكاد يُذكر في الوجود العام، فما بالكم بسلوك وممارسات بعضكم!

ولعل ظهور حقيقة زواج المثليين بغرابتها وصدمتها، أن توصل الرسالة التي عجزت الفلسفة والعلم والفكر عن إيصالها لأولئك الواهمين الذين لا يزالون يرفضون حق الإنسان في حرية العقيدة-وليس في زواج المثليين!

فماذا يُمثِّل وماذا يعني للطبيعة أو للإله، السعي لفرض عقيدة أو شريعة معينة، على مجموعة محدودة من البؤساء التعساء، في بقعة فقيرة متخلفة مظلمة، على كوكب صغير، سابح في فضاء لا نهائي - طالما أن جُل البشر قد تجاوزوا مرحلة حرية العقيدة وبلغوا مرحلة الزواج للجميع - ولم ترفض الطبيعة ولم يغضب الإله كما كان يتوهم الواهمون!

زواج المثليين من رسائل الطبيعة للواهمين!

0 تعليق



لا يتردد الإسلاميون في القول إن الإنسان (كل إنسان) يولد على الفطرة، وأن أبويه هما اللذان يُهوِّدانه أو يُنصِّرانه؛ (الفطرة عندهم = الإسلام)! يُرددون هذه المقولة على مسامع الصغار والبُسطاء من المسلمين، لكي تُصبح جزءًا من عقيدتهم، فيزداد بُغضهم لغير المسلمين - خاصة اليهود والنصارى - على أساس أنهم المسئولون عن انحراف فطرة أبنائهم..، بمعنى أن العالم بأسره مُهيأ ليصبح مسلمًا بين عشية وضحاها، لولا أن كل البشر منحرفون ومتآمرون ضد الفطرة! كيف لأمرٍ أن يُوصف بأنه فطرة بشرية، ثم يُتهم كل البشر بالتآمر عليها أو بالانحراف عنها؟ اليوم تُعيد الطبيعة طرح رسالة قديمة بصيغة جديدة، لعلها أوضح هذه المرة: ماذا عن المثلية الجنسية والخنوثة، وتشريع وانتشار زواج المثليين؟ أليست هذه ظواهر طبيعية، وتتعارض مع الفطرة - إذا كانت الفطرة هي الإسلام؟ فهل يولد الإنسان على الفطرة، وأبواه هما اللذان يُخنِّثانه أو يُمثِّلانه؟ وهل يسمح الإسلاميون للإنسان عندهم بالتعبير عن ميوله الجنسية وممارستها، لكي يرى العالم كيف يكون الإنسان الطبيعي ذو الفطرة السليمة؟ وهل هذه الملايين من البشر العاديين والبرلمانيين والحكومات والرؤساء، والذين هم ليسوا مثليين جنسيًا، لكنهم لم يُعارضوا زواج المثليين..، هل هذه الملايين من مختلف المستويات العلمية والثقافية، كلهم منحرفون فطريًا، وكلهم وُلِدوا مسلمين، لولا أن أهلهم هوَّدوهم أو نصَّروهم أو جعلوهم يتقبلون زواج المثليين؟؟ أم أن الفطرة شيء آخر غير الدين والمعتقد؟ وأن الفطرة هي المُوجِّه الطبيعي الذاتي اللا إرادي لسلوك وقناعات وميول ورغبات الإنسان؛ وأن الفطرة لا تعتد بالثقافات والأعراف والعادات والتقاليد، ولا يمكن فرضها على الإنسان ولا انتزاعها منه، ولا يُمكن تصديرها ولا استيرادها، ولا يمكن إخفاؤها! وأن المعتقد الديني هو الذي يُلقَّن للإنسان قبل البلوغ، أو يُفرض عليه بالتهديد والوعيد بعد البلوغ، بواسطة أبويه أو سواهم، وأنه أمر خارجي غير الفطرة الطبيعية، وأن ربط المعتقد بالفطرة ما هو إلا محاولة لتسويق الدين واستغفال الناس! لعل الربط بين مفهوم الفطرة والمعتقد الديني، لا يقتصر على المسلمين، فأصحاب كل معتقد، لا يخامرهم شك في أن معتقدهم هو الأصل، وهو الذي تقوم عليه وبه ولأجله الطبيعة والحياة والوجود! والحقيقة أن التعصب للمعتقدات الدينية يُعمي البصيرة لدى المسلمين وغير المسلمين، فلا ينتبه المتعصبون لرسائل الطبيعة ولا لأصوات الحقيقة، ولذلك هم أعجز وأظلم من أن يكونوا منصفين ويعترفوا بأن هذه الثقافات والمجتمعات المتسامحة، التي سمحت للإنسان بالإفصاح عن ميوله الجنسية وممارستها رغم غرابتها، لا يمكن لعاقل أن يتهمها بأنها تحول بين الإنسان وبين فطرته التي يولد عليها؟ وأن الثقافات والمجتمعات الدينية - خاصة الإسلامية - التي تحكم على الإنسان بالقتل إذا اختار الخروج عن معتقداتها القسرية، هي التي لا تعرف الفطرة ولا تحترمها؟ ما يمكن فهمه من ترديد الإسلاميين لتلك المقولة، هو أنها محاولة فاشلة لأسلمة الفطرة، لكي تبدو معتقداتهم صحيحة؟ ثم، ماذا عن الفطرة عند الإنسان الذي يولد في مجتمع مسلم، ولأبوين مسلمين، لماذا يُهدد بالقتل إذا ترك الإسلام؟ من الذي هوَّده أو نصَّره أو لحَّده؟ أليس هذا اختبارًا طبيعيًا وشرعيًا للفطرة؟ لماذا يرفض المسلمون حرية العقيدة إذن؟ إن كل ما يمكن أن يُقال سلبًا عن المثلية الجنسية وزواج المثليين، لا ينبغي أن يدفعنا إلى تجاهل حقيقة أن تشريع زواج المثليين وانتشاره في مجتمعات بشرية عديدة وعريقة ومتقدمة في كل المجالات، قد كشف عمق المأساة الإنسانية ومدى التخلف في مجتمعات أخرى، حتى بدا المشهد في تلك المجتمعات المتخلفة وكأن الهدف في الأساس هو حِرمان الإنسان من المتعة الجنسية- في نطاق التضييق العام على الإنسان ودفعه للتحايل أو الانتحار-، وأن سماح القائمين على تلك المجتمعات بالزواج التقليدي إنما كان خضوعًا لقوانين الطبيعة التي ربطت التكاثر بالمتعة الجنسية، فلو أمكنهم التكاثر دون ممارسة الجنس، لمنعوا وحرَّموا الزواج التقليدي وغير التقليدي..، وبالطبع لن يشمل المنع أو التحريم أولي الأمر أو أولي القوة، فهم مصدر التشريع والتنفيذ! زواج المثليين سلط الضوء على مناطق معتمة حول الحريات الشخصية بشكل عام، وفي الحياة الجنسية بصورة خاصة..، مناطق ما كان لها أن تكون معتمة أصلاً، وما كان ينبغي انتظار زواج المثليين ليكشف افتعال الحظر والتعتيم وهشاشة التابوات وبدائيتها! حيث يتم تحريم ممارسة الجنس بين الذكر والأنثى البالغين، واعتبارها عارًا أو جريمة توجب القتل بأبشع أساليب القتل؛ وفي ذات الوقت يتم تشريع ذات الأمر وبين ذات الشخصين، والاحتفاء به وبهما، إذا جاء عبر بروتوكولات وطقوس بشرية شكلية صورية، لا معنى ولا تفسير لها سوى التشهير بالإنسان، والمساس بإنسانيته، وانتهاك حُرمته، والإشراف على حياته الجنسية، وتدخل سافر للغرباء في خصوصيته بحُجَّة تحليلها، واستغلال غريزة طبيعية لممارسة الوصاية وتحجيم وزن وقيمة الفرد لصالح الجماعة، وجعله يشعر بفضل الآخرين عليه - إذ سمحوا له بإشباع غريزته، حيث كان بإمكانهم حرمانه من ذلك..، كل ذلك لكي يظل الإنسان طوال حياته في دائرة العبودية المقنعة وتحت الشرعية المزورة! فإذا كان المحافظون أو التقليديون يرفضون ويستهجنون زواج المثليين، ويعتبرونه عارًا على البشرية، فعليهم الاستعداد للاعتراف بفضل هذا الزواج غير الطبيعي لتصحيح آليات ومسار الزواج الطبيعي! زواج المثليين ليس مُصنَّفًا على قائمة الواهمين ضمن المحظورات والمحرمات، وذلك على افتراض أنه مستحيل ومحظور طبيعيًا وأخلاقيًا وواقعيًا! لكن الطبيعة فاجأت الواهمين وأحفاد المُصنِّفين، بإباحتها لزواج المثليين وتحقيقه على أرض الواقع، فأُسقِط في أيدي الواهمين، ولم ينبسوا ببنت شفة..، حيث إنهم كانوا يُصنفونه ضمن الممارسات التي ينبغي أن تمنعها الطبيعة - كما يتصورون هم الطبيعة! وبالنتيجة، سواء حصل زواج المثليين بإرادة الطبيعة أو بتطور الإنسان أو بإرادة إله.. فلا فرق..، والأهم أنه لا مجال لإيقافه بعد أن أصبح المثليون واقعًا، وأصبحت هذه الثقافة تلقى تفهمًا فطريًا متزايدًا بين الأفراد والمجتمعات البشرية! وبغض النظر عن آرائنا الخاصة في زواج المثليين واختلافنا معهم وحولهم، فما يهمنا هنا هو رسالة الطبيعة التي يحملها زواج المثليين للواهمين من البشر..، ولعل محتوى الرسالة: أن حجم الوجود البشري بأسره - من بدايته المجهولة إلى نهايته المجهولة-، لا يكاد يُذكر في الوجود العام، فما بالكم بسلوك وممارسات بعضكم! ولعل ظهور حقيقة زواج المثليين بغرابتها وصدمتها، أن توصل الرسالة التي عجزت الفلسفة والعلم والفكر عن إيصالها لأولئك الواهمين الذين لا يزالون يرفضون حق الإنسان في حرية العقيدة-وليس في زواج المثليين! فماذا يُمثِّل وماذا يعني للطبيعة أو للإله، السعي لفرض عقيدة أو شريعة معينة، على مجموعة محدودة من البؤساء التعساء، في بقعة فقيرة متخلفة مظلمة، على كوكب صغير، سابح في فضاء لا نهائي - طالما أن جُل البشر قد تجاوزوا مرحلة حرية العقيدة وبلغوا مرحلة الزواج للجميع - ولم ترفض الطبيعة ولم يغضب الإله كما كان يتوهم الواهمون!

الأربعاء، 8 أبريل 2020

الموت والحياة وما لا ينبغي لـ(إله)!

0 تعليق


هل الحياة طاقةٌ لنا نستهلكها، أم نحن وقودٌ لها تستهلكنا؟

أَيُّنا الذي يعيش الآخر أو يقتات عليه؟ هل نحن الذين نعيش الحياة – أي أننا نُمارس عملية الحياة؟
أم إن الحياة هي التي تُمارس وجودها باستهلاكها لنا؟
هل كُنَّا سنعرف معنى الموت ونخافه، لولا الحياة؟
هل الصواب أن نقول: إن الوقود يَستعمِلُ النارَ ليُمارس عملية احتراقه؟
أم نقول: إن النار تعيش بِحَرقِها للوقود؟
وهل الكائنات الحَيَّة بالنسبة للحياة، سِوى الوقود بالنسبة للنار!
لعل الحقيقة التي لا يُريد الكثيرون سَماعها، هي أن الحياة البشرية في جوهرها ليست سِوى قيمة افتراضية، يحملها خيال شارد، تُطارده أفكار تائهة، بين فضاءات معدومة المعالم مجهولة الاتجاهات والنهايات!
إنه وبالرُغم من البشاعة التاريخية التي باتت تُطوِّق مفهوم الانتحار في الثقافات البشرية، إلا أن الانتحار في جوهره، هو قرار عقلاني منطقي، يؤدي إلى تجاوز مراحل معلومة، والقفز مباشرة إلى النتيجة المحتومة!
لعل العاطفة والوهم، هي سحر الحياة ووسيلتها الناجحة، لإقناع ضحاياها بالاستمرار في الاحتراق حتى آخر رمق!
(العاطفة = الضعف)، (الأمل = الوهم)!

 الإنسان هو الذي صنع الإبرة والكبيوتر والطائرة، لكنه لا يستطيع فعل ما تفعله هذه المصنوعات!
فهل خلق الإله الكائنات الحية، لكي يُمارِس بها عملية الموت، على اعتبار أنه لا يستطيع ممارسة الموت بنفسه (لا يستطيع أن يموت)؟
يُراد للإنسان أن يعتقد بأن الحياة نعمة، وأن من واجبه شكرها، والامتنان لمن منحه هذه النعمة!
لكن هل يصح احتساب الحياة نعمة على كل البشر، وهي التي ينعم بها عمليًا 10% منهم، على حساب 90% ؟ حيث إن استحقاقات البقاء، قد أوصلت البشر إلى الرضوخ والقبول بهذه المعادلة التفضيلية القبيحة الظالمة..، فلا وجه للمقارنة بين المدير وعامل النظافة لديه، أو بين الرئيس وسائقه وحارسه، وبين أرباب العمل والعاطلين عن العمل، في حين أن وجود هذه العناصر ضروري في معادلة البقاء البشري!
أم هل يمكن أن يكون قبول الإنسان بالحياة وفق هذه المعادلة، هو خطؤه القاتل، حيث يُعدُّ مخالفة صريحة لأمر إلهي، وذلك بتنازل الإنسان عن كرامة يشعر بها – ربما يكون قد أوجبها له خالقه؟

أم إن الحياة هي معاناة، وأنه يوجد خالق سيُكافئ الإنسان على قبوله بها؟
وهل – بهذا المعنى – تكون معاناة الإنسان في الدنيا شرطًا من شروط استحقاق مكافأة إلهية، أو ربما يكون حصول المعاناة هو السر والغاية والمقياس والأساس في الوجود البشري؟
لكن أليست النظرة البدائية والمقياس البشري ظاهرين في هذه المعادلة؟
لماذا علينا أن نفترض أو نُصدِّق بأن الإله بحاجة لمعاناتنا لكي يُكافئنا؟
لماذا لا نتساءل؟ لماذا علينا أن نعتقد بأن الإله ظالم إلى درجة أنه يُعاقِب على السؤال أو على الجهل؟
هل عجزُنا عن تبرير وجودنا، يُبرر لنا تجاهل المنطق والمعقول؟
ماذا نقول عن الأب الملياردير الذي لا يمنح أبناءه المال إلا بعد تعذيبهم؟
أليس الصواب أن نقول إننا لا نعرف الحقيقة، بدل أن نفترض وجود إله خلف معاناتنا، ونقول عنه ما لا نستطيع إثباته وترفضه عقولنا وفطرتنا؟

هل يمكن أن تكون الحياة عبارة عن كَمٍّ من الأخطاء وحِزمةٍ من المعاصي، فهي عبارة عن نِتاج طبيعي وحتمي للخطيئة الكُبرى التي يستهجنها الإنسان ويستقبحها، ثم يُمارسها ليلتقي عندها العاقل بغيرالعاقل..،
وأنه كان على الإنسان أن يرفضها احترامًا للعقل، وإثباتًا لتميُّزه بالوعي والحياء عن سواه!
وبالتالي يكون القبول بالحياة هو الخطيئة التي يدفع جُل البشر فاتورتها اليوم بوضوح كبير، وأنهم في الحقيقة جميعًا يحملون لعنتها، وأن قدرة الأقوياء منهم أو شواذ القاعدة على مقاومتها بدرجة محدودة، لا تنفي حقيقة وقوع اللعنة بهم، وإن بدا وكأن بعض البشر يحملون وزرها دون غيرهم!
وأن هذا هو السؤال وذاك هو الامتحان!
وبذلك فإن المنتحرين سيُكافئون على رفضهم للخطيئة، ويُعاقب الآخرون على قبولهم بها!
وأن تعاسة الضُعفاء وبؤس الفقراء اليوم هو عقاب لهم على إصرارهم على ارتكاب الخطيئة والاستمرار بها – رُغم عدم امتلاكهم لمقوماتها-، وعلى رفضهم للعِفة والبراءة رُغم حَمْلِهم لمبرراتها!
وأن دليل ذلك هو عدم مقدرة البشر بمختلف مستوياتهم ومعتقداتهم، على تفسير أو تبرير المعاناة والمآسي والآلام التي تحدث في مملكة يُفترض أنها إلهية، وذلك في ظل إيمان الجميع واتفاقهم على وجوب عدل الإله، وعلى أنه ليس بحاجة لآلام المخلوقات كي يُثبت قدرته وقوته وعظمته لذاته! 

 هل توجد ساحة يتفوق فيها المخلوق على الخالق؟
إن الإنسان يصنع الأدوات والمعدات التي تفعل ما لا يستطيع هو فعله بدونها!
فهل تكون المخلوقات هي أدوات ومعدات الخالق، التي تفعل أو يفعل هو بواسطتها ما لا يُمكنه فِعله بدونها؟ ويكون ذلك هو سبب وجود المخلوقات؟
لا شك أن مثل هذا الطرح مرفوض حتى من قبيل المُزاح أو الخيال؛ وسواء كان الطرح سؤالاً أو وجهة نظر، فهو مرفوضٌ لدى المؤمنين بإله الأديان أو إله البشر!

مرفوضٌ لدى أولئك الذين يُجاهرون بمعاداتهم للعقل والفكر والفلسفة، رُغم أنهم يعتقدون بأنها مُعطيات يهبها الإله الذي يؤمنون به، لمن يشاء من خلقه!
لكن جَرَت العادة أن يرفض هؤلاء كل ما لا يفقهون، مع أنهم هم ذاتهم الذين يأمرون البُسطاء بالطاعة العمياء– في أمورٍ لا يفقهها البُسطاء!
إنهم يُجاهرون بعدائهم للعقل والفكر والفلسفة، لأنها ساحاتٌ يمكن أن تظهر فيها الحقيقة بأكثر من صورة!
وهُم لا يُظهرون معاداتهم للعِلم صراحةً – رُغم أنها مؤكدة -، حيث إن العِلم يُخالف معتقداتهم ويدحض مزاعمهم ويكشف أوهامهم..، وذلك لأن الحقيقة في ساحة العِلم ليست لها إلا صورة واحدة لا يمكن نكرانها أو حجبها ولا تجاهلها!
ويتجاهلون أو يجهلون أن منتجات العِلم ليست سوى النِتاج العملي المادي لطاقات العقل والفكر والفلسفة، التي يرفضونها ويعترفون بصحة نتائجها – على مضض!
هذا الطرح مرفوضٌ لدى أولئك الذين يضعون أنفسهم في مقام الدفاع عن الإله ضد مخلوقاته، أي ضد مشيئته، وهُم في ذات الوقت يدعونه طالبين منه النصر والتوفيق في حربهم الأبدية ضد إرادته، وذلك في مشهدٍ قوامه المفارقة التي لا يمكن فهمها أو تفسيرها إلا في سياق بحث العاجزين عن دور معدوم!

هل هنالك ساحة يتفوق فيها المخلوق على الخالق وجوبًا؟
لعل الرافضين يستخدمون العقل والمنطق في رفضهم لهذا الطرح، وهم الذين يرفضون الاحتكام إلى العقل والمنطق، ويحتكمون إلى الهوى والخيال، بما يُحقق اعتقاداتهم المُسبقة، في ساحات أُخرى!
لكن الأمر قد لا يكون مُزاحًا..، عندما يكون الحديث عن ساحة الموت!
فلا أحد يمكنه القول بأن إلهًا يمكن أن يخوض تجربة الموت عمليًا، وهي التجربة التي تَمُرُّ بها المخلوقات!
فهل نكون مخطئين حين نقول بأن المخلوق بموته يفعل ما لا يستطيع فعله إله؟
فأيٌّ يكن كُنه وشكل وعظمة وغموض السر الذي أوجد الحياة (الخالق)، فإنه لا يمكن له أن يكون قد مَرَّ بتجربة الموت!
ولعل هذا هو السبب في إيجاد الحياة والأحياء!
فإذا كان الإله أو الخالق هو عبارة عن حياة أزلية لم تعرف الموت ولا يمكن أن تخوض تجربته، فإن سبيله إلى إدراك كُنه الموت، يكون ببَثَّ الحياة في غيره، ومن ثَمَّ تجربة الموت خارج ذاته!
إن الإنسان يمكنه أن يتصوَّر ويتخيَّل طبيعة الموت، لكن الأمر يبقى في إطار التصور والخيال، والذي قد يقترب وقد يتطابق مع حقيقة الموت، وقد يكون بعيدًا عن الحقيقة كل البُعد!
لكن، وبغض النظر عن طبيعة وحقيقة الموت البشري الثقافي الاجتماعي التقليدي، فإن الموت الذي نقصده هنا هو الموت بمعنى زوال الذات من الوجود بتفككها إلى مكوناتها الأساسية، الأمر الذي يحول دون استعادة الذات لوجودها؛ وهو الموت الذي لا يمكن أن تعود بعده الحياة للميِّت إلا بتدخل خارجي ويكون حينها مخلوقًا جديدًا – صورة وليست أصلًا– وإن تطابقت مواصفاته مع الأصل..، وهو الأمر الذي يمكن أن يفعله الإنسان مع أدواته ومعداته، ويمكن أن يفعله الخالق مع مخلوقاته، ولكن لا يمكن أن يفعله أيٌّ منهما مع ذاته!
فهل تكون الحياة ساحة يُمارس فيها الخالق تجربة الموت!
ويكون بالتالي الموت هو السبب الذي من أجله وُجِدت الحياة، ليتفوَّق المنتحرون مرة أخرى بأنهم لم يتهربوا – كغيرهم – من التجربة التي خُلِقوا لأجلها! 

 حقيقة الوهم والخيال وشُبهة التوق الفطري للمعرفة..

التوق الفطري للمعرفة لدى الإنسان، هو حقيقة، لكن استعمالها لوصف وتبرير محاولات الإنسان التكهُّن بما لا يعلمه استنادًا لما يعلمه، هي مُغالطة تُحيل حقيقته إلى شُبهة!
فالفرق شاسع بين المعرفة والوهم والخيال.
فإذا كان الخيال هو أن يتصور الإنسان وجود ما لا وجود له، انطلاقًا من أو بناءً على ما هو موجود!
فقد يكون الخيال حدسًا، وقد يكون خطوة أولى على طريق المعرفة؛
لكن الوقوف عند خطوة الخيال، والبناء عليها قبل بلوغ المعرفة، هو ما يُنتج الوهم..، والوهم هو الانحراف عن طريق المعرفة!
فالخيال ساحة وميدان للتجارب الفكرية، هو ساحة حقيقية واقعية، تُمكَّن من يمتلكها من محاكاة المستقبل وما قد يكون قبل أن يكون!
لكن الخيال ليس ساحة مادية، والوهم يحصل هنا، حيث لا يُفرِّق البعض بين الساحة الفكرية والساحة المادية!
الوهم هو اعتماد نتائج التجارب الخيالية، وتطبيقها على الساحة المادية، وفرضها كواقع – قبل تحققها بالفعل!
أما المعرفة فهي ما يُمكن إثباته عن الأشياء دون لبس.
ولذلك تُنتِج المعرفة المسئولية ذاتيًا لدى العارفين!
بينما الوهم، فهو كالنظرُ إلى خارج الحجرة من خلال نافذة مغلقة، ولذلك فإن المسئولية المترتبة على نتائج الوهم، لا تكون ذاتية، ولا يشعر بها الأشخاص الطبيعيون، بل يقتصر الشعور والالتزام بها على الضعفاء الذين يُعانون من الرُهاب الناجم عن أو المُصاحب لعقدة الجهل المفترض أو الذنب المختلق أو المسئولية المحتملة! 

 الإنسان بين المسئولية والترف المعرفي وعقدة الجهل المفترض..
تقول الفلسفة والمنطق والفكر والعِلم: إنه من البديهي ألا يتردد الإنسان في إثبات وجود كل ما تُدركه حواسه، من أشياء موجودة بالفعل داخل حجرة – حيث يتواجد الإنسان!
كما أنه من الطبيعي أن يُدرك الإنسان من خلال نافذة مفتوحة وجود أشياء خارج الحُجرة!
لكن، لا يمكن للإنسان أن يُدرك ما هو خارج الحُجرة عندما لا توجد نافذة يُطِلُّ منها، أو عندما تكون النافذة مُغلقة!
فإذا كان إنشاء نافذة أو فَتْحُ المُغلقة، أمرًا خارجًا عن إرادة الإنسان و يفوق طاقته، صار وجود الأشياء خارج الحُجرة كعدم وجودها بالنسبة للإنسان!
وصار الحديث عن علاقته بها أو مسئوليته عنها، أو خوفه منها أو سعادته بها، صارت كلها ضروبًا من التكهن والفرضيات والترف المعرفي، والتي تفتح أبواب التَوَهُّم، ولا يمكن أن تخلق طمأنينة ولا أرقًا لدى العاقل، ولا تترتب عنها مسئولية – إلا بقدر ما تستهلكه من جُهدٍ وزمن!
كذلك هو الحال مع إدراك الإنسان لما هو موجود بالفعل داخل الحُجرة من أشياء لا شك في وجودها، فإن ذلك لا يُلزمه الخوض والبحث في تفاصيلها، إلا بقدر ما يحتاجه من معرفةٍ بها تُمَكِّنه من التعامل معها والاستفادة منها واجتناب سلبياتها، وبهذا المعنى يكون ربط الإنسان لما يعلمه بما لا يعلمه، هو من باب التعبير عن وجود عقدة الجهل المفترض

الموت والحياة وما لا ينبغي لـ(إله)!

0 تعليق


هل الحياة طاقةٌ لنا نستهلكها، أم نحن وقودٌ لها تستهلكنا؟ أَيُّنا الذي يعيش الآخر أو يقتات عليه؟ هل نحن الذين نعيش الحياة – أي أننا نُمارس عملية الحياة؟ أم إن الحياة هي التي تُمارس وجودها باستهلاكها لنا؟ هل كُنَّا سنعرف معنى الموت ونخافه، لولا الحياة؟ هل الصواب أن نقول: إن الوقود يَستعمِلُ النارَ ليُمارس عملية احتراقه؟ أم نقول: إن النار تعيش بِحَرقِها للوقود؟ وهل الكائنات الحَيَّة بالنسبة للحياة، سِوى الوقود بالنسبة للنار! لعل الحقيقة التي لا يُريد الكثيرون سَماعها، هي أن الحياة البشرية في جوهرها ليست سِوى قيمة افتراضية، يحملها خيال شارد، تُطارده أفكار تائهة، بين فضاءات معدومة المعالم مجهولة الاتجاهات والنهايات! إنه وبالرُغم من البشاعة التاريخية التي باتت تُطوِّق مفهوم الانتحار في الثقافات البشرية، إلا أن الانتحار في جوهره، هو قرار عقلاني منطقي، يؤدي إلى تجاوز مراحل معلومة، والقفز مباشرة إلى النتيجة المحتومة! لعل العاطفة والوهم، هي سحر الحياة ووسيلتها الناجحة، لإقناع ضحاياها بالاستمرار في الاحتراق حتى آخر رمق! (العاطفة = الضعف)، (الأمل = الوهم)!

 الإنسان هو الذي صنع الإبرة والكبيوتر والطائرة، لكنه لا يستطيع فعل ما تفعله هذه المصنوعات! فهل خلق الإله الكائنات الحية، لكي يُمارِس بها عملية الموت، على اعتبار أنه لا يستطيع ممارسة الموت بنفسه (لا يستطيع أن يموت)؟ يُراد للإنسان أن يعتقد بأن الحياة نعمة، وأن من واجبه شكرها، والامتنان لمن منحه هذه النعمة! لكن هل يصح احتساب الحياة نعمة على كل البشر، وهي التي ينعم بها عمليًا 10% منهم، على حساب 90% ؟ حيث إن استحقاقات البقاء، قد أوصلت البشر إلى الرضوخ والقبول بهذه المعادلة التفضيلية القبيحة الظالمة..، فلا وجه للمقارنة بين المدير وعامل النظافة لديه، أو بين الرئيس وسائقه وحارسه، وبين أرباب العمل والعاطلين عن العمل، في حين أن وجود هذه العناصر ضروري في معادلة البقاء البشري! أم هل يمكن أن يكون قبول الإنسان بالحياة وفق هذه المعادلة، هو خطؤه القاتل، حيث يُعدُّ مخالفة صريحة لأمر إلهي، وذلك بتنازل الإنسان عن كرامة يشعر بها – ربما يكون قد أوجبها له خالقه؟ أم إن الحياة هي معاناة، وأنه يوجد خالق سيُكافئ الإنسان على قبوله بها؟ وهل – بهذا المعنى – تكون معاناة الإنسان في الدنيا شرطًا من شروط استحقاق مكافأة إلهية، أو ربما يكون حصول المعاناة هو السر والغاية والمقياس والأساس في الوجود البشري؟ لكن أليست النظرة البدائية والمقياس البشري ظاهرين في هذه المعادلة؟ لماذا علينا أن نفترض أو نُصدِّق بأن الإله بحاجة لمعاناتنا لكي يُكافئنا؟ لماذا لا نتساءل؟ لماذا علينا أن نعتقد بأن الإله ظالم إلى درجة أنه يُعاقِب على السؤال أو على الجهل؟ هل عجزُنا عن تبرير وجودنا، يُبرر لنا تجاهل المنطق والمعقول؟ ماذا نقول عن الأب الملياردير الذي لا يمنح أبناءه المال إلا بعد تعذيبهم؟ أليس الصواب أن نقول إننا لا نعرف الحقيقة، بدل أن نفترض وجود إله خلف معاناتنا، ونقول عنه ما لا نستطيع إثباته وترفضه عقولنا وفطرتنا؟ هل يمكن أن تكون الحياة عبارة عن كَمٍّ من الأخطاء وحِزمةٍ من المعاصي، فهي عبارة عن نِتاج طبيعي وحتمي للخطيئة الكُبرى التي يستهجنها الإنسان ويستقبحها، ثم يُمارسها ليلتقي عندها العاقل بغيرالعاقل..، وأنه كان على الإنسان أن يرفضها احترامًا للعقل، وإثباتًا لتميُّزه بالوعي والحياء عن سواه! وبالتالي يكون القبول بالحياة هو الخطيئة التي يدفع جُل البشر فاتورتها اليوم بوضوح كبير، وأنهم في الحقيقة جميعًا يحملون لعنتها، وأن قدرة الأقوياء منهم أو شواذ القاعدة على مقاومتها بدرجة محدودة، لا تنفي حقيقة وقوع اللعنة بهم، وإن بدا وكأن بعض البشر يحملون وزرها دون غيرهم! وأن هذا هو السؤال وذاك هو الامتحان! وبذلك فإن المنتحرين سيُكافئون على رفضهم للخطيئة، ويُعاقب الآخرون على قبولهم بها! وأن تعاسة الضُعفاء وبؤس الفقراء اليوم هو عقاب لهم على إصرارهم على ارتكاب الخطيئة والاستمرار بها – رُغم عدم امتلاكهم لمقوماتها-، وعلى رفضهم للعِفة والبراءة رُغم حَمْلِهم لمبرراتها! وأن دليل ذلك هو عدم مقدرة البشر بمختلف مستوياتهم ومعتقداتهم، على تفسير أو تبرير المعاناة والمآسي والآلام التي تحدث في مملكة يُفترض أنها إلهية، وذلك في ظل إيمان الجميع واتفاقهم على وجوب عدل الإله، وعلى أنه ليس بحاجة لآلام المخلوقات كي يُثبت قدرته وقوته وعظمته لذاته! 

 هل توجد ساحة يتفوق فيها المخلوق على الخالق؟ إن الإنسان يصنع الأدوات والمعدات التي تفعل ما لا يستطيع هو فعله بدونها! فهل تكون المخلوقات هي أدوات ومعدات الخالق، التي تفعل أو يفعل هو بواسطتها ما لا يُمكنه فِعله بدونها؟ ويكون ذلك هو سبب وجود المخلوقات؟ لا شك أن مثل هذا الطرح مرفوض حتى من قبيل المُزاح أو الخيال؛ وسواء كان الطرح سؤالاً أو وجهة نظر، فهو مرفوضٌ لدى المؤمنين بإله الأديان أو إله البشر! مرفوضٌ لدى أولئك الذين يُجاهرون بمعاداتهم للعقل والفكر والفلسفة، رُغم أنهم يعتقدون بأنها مُعطيات يهبها الإله الذي يؤمنون به، لمن يشاء من خلقه! لكن جَرَت العادة أن يرفض هؤلاء كل ما لا يفقهون، مع أنهم هم ذاتهم الذين يأمرون البُسطاء بالطاعة العمياء– في أمورٍ لا يفقهها البُسطاء! إنهم يُجاهرون بعدائهم للعقل والفكر والفلسفة، لأنها ساحاتٌ يمكن أن تظهر فيها الحقيقة بأكثر من صورة! وهُم لا يُظهرون معاداتهم للعِلم صراحةً – رُغم أنها مؤكدة -، حيث إن العِلم يُخالف معتقداتهم ويدحض مزاعمهم ويكشف أوهامهم..، وذلك لأن الحقيقة في ساحة العِلم ليست لها إلا صورة واحدة لا يمكن نكرانها أو حجبها ولا تجاهلها! ويتجاهلون أو يجهلون أن منتجات العِلم ليست سوى النِتاج العملي المادي لطاقات العقل والفكر والفلسفة، التي يرفضونها ويعترفون بصحة نتائجها – على مضض! هذا الطرح مرفوضٌ لدى أولئك الذين يضعون أنفسهم في مقام الدفاع عن الإله ضد مخلوقاته، أي ضد مشيئته، وهُم في ذات الوقت يدعونه طالبين منه النصر والتوفيق في حربهم الأبدية ضد إرادته، وذلك في مشهدٍ قوامه المفارقة التي لا يمكن فهمها أو تفسيرها إلا في سياق بحث العاجزين عن دور معدوم! هل هنالك ساحة يتفوق فيها المخلوق على الخالق وجوبًا؟ لعل الرافضين يستخدمون العقل والمنطق في رفضهم لهذا الطرح، وهم الذين يرفضون الاحتكام إلى العقل والمنطق، ويحتكمون إلى الهوى والخيال، بما يُحقق اعتقاداتهم المُسبقة، في ساحات أُخرى! لكن الأمر قد لا يكون مُزاحًا..، عندما يكون الحديث عن ساحة الموت! فلا أحد يمكنه القول بأن إلهًا يمكن أن يخوض تجربة الموت عمليًا، وهي التجربة التي تَمُرُّ بها المخلوقات! فهل نكون مخطئين حين نقول بأن المخلوق بموته يفعل ما لا يستطيع فعله إله؟ فأيٌّ يكن كُنه وشكل وعظمة وغموض السر الذي أوجد الحياة (الخالق)، فإنه لا يمكن له أن يكون قد مَرَّ بتجربة الموت! ولعل هذا هو السبب في إيجاد الحياة والأحياء! فإذا كان الإله أو الخالق هو عبارة عن حياة أزلية لم تعرف الموت ولا يمكن أن تخوض تجربته، فإن سبيله إلى إدراك كُنه الموت، يكون ببَثَّ الحياة في غيره، ومن ثَمَّ تجربة الموت خارج ذاته! إن الإنسان يمكنه أن يتصوَّر ويتخيَّل طبيعة الموت، لكن الأمر يبقى في إطار التصور والخيال، والذي قد يقترب وقد يتطابق مع حقيقة الموت، وقد يكون بعيدًا عن الحقيقة كل البُعد! لكن، وبغض النظر عن طبيعة وحقيقة الموت البشري الثقافي الاجتماعي التقليدي، فإن الموت الذي نقصده هنا هو الموت بمعنى زوال الذات من الوجود بتفككها إلى مكوناتها الأساسية، الأمر الذي يحول دون استعادة الذات لوجودها؛ وهو الموت الذي لا يمكن أن تعود بعده الحياة للميِّت إلا بتدخل خارجي ويكون حينها مخلوقًا جديدًا – صورة وليست أصلًا– وإن تطابقت مواصفاته مع الأصل..، وهو الأمر الذي يمكن أن يفعله الإنسان مع أدواته ومعداته، ويمكن أن يفعله الخالق مع مخلوقاته، ولكن لا يمكن أن يفعله أيٌّ منهما مع ذاته! فهل تكون الحياة ساحة يُمارس فيها الخالق تجربة الموت! ويكون بالتالي الموت هو السبب الذي من أجله وُجِدت الحياة، ليتفوَّق المنتحرون مرة أخرى بأنهم لم يتهربوا – كغيرهم – من التجربة التي خُلِقوا لأجلها! 

 حقيقة الوهم والخيال وشُبهة التوق الفطري للمعرفة.. التوق الفطري للمعرفة لدى الإنسان، هو حقيقة، لكن استعمالها لوصف وتبرير محاولات الإنسان التكهُّن بما لا يعلمه استنادًا لما يعلمه، هي مُغالطة تُحيل حقيقته إلى شُبهة! فالفرق شاسع بين المعرفة والوهم والخيال. فإذا كان الخيال هو أن يتصور الإنسان وجود ما لا وجود له، انطلاقًا من أو بناءً على ما هو موجود! فقد يكون الخيال حدسًا، وقد يكون خطوة أولى على طريق المعرفة؛ لكن الوقوف عند خطوة الخيال، والبناء عليها قبل بلوغ المعرفة، هو ما يُنتج الوهم..، والوهم هو الانحراف عن طريق المعرفة! فالخيال ساحة وميدان للتجارب الفكرية، هو ساحة حقيقية واقعية، تُمكَّن من يمتلكها من محاكاة المستقبل وما قد يكون قبل أن يكون! لكن الخيال ليس ساحة مادية، والوهم يحصل هنا، حيث لا يُفرِّق البعض بين الساحة الفكرية والساحة المادية! الوهم هو اعتماد نتائج التجارب الخيالية، وتطبيقها على الساحة المادية، وفرضها كواقع – قبل تحققها بالفعل! أما المعرفة فهي ما يُمكن إثباته عن الأشياء دون لبس. ولذلك تُنتِج المعرفة المسئولية ذاتيًا لدى العارفين! بينما الوهم، فهو كالنظرُ إلى خارج الحجرة من خلال نافذة مغلقة، ولذلك فإن المسئولية المترتبة على نتائج الوهم، لا تكون ذاتية، ولا يشعر بها الأشخاص الطبيعيون، بل يقتصر الشعور والالتزام بها على الضعفاء الذين يُعانون من الرُهاب الناجم عن أو المُصاحب لعقدة الجهل المفترض أو الذنب المختلق أو المسئولية المحتملة! 

 الإنسان بين المسئولية والترف المعرفي وعقدة الجهل المفترض.. تقول الفلسفة والمنطق والفكر والعِلم: إنه من البديهي ألا يتردد الإنسان في إثبات وجود كل ما تُدركه حواسه، من أشياء موجودة بالفعل داخل حجرة – حيث يتواجد الإنسان! كما أنه من الطبيعي أن يُدرك الإنسان من خلال نافذة مفتوحة وجود أشياء خارج الحُجرة! لكن، لا يمكن للإنسان أن يُدرك ما هو خارج الحُجرة عندما لا توجد نافذة يُطِلُّ منها، أو عندما تكون النافذة مُغلقة! فإذا كان إنشاء نافذة أو فَتْحُ المُغلقة، أمرًا خارجًا عن إرادة الإنسان و يفوق طاقته، صار وجود الأشياء خارج الحُجرة كعدم وجودها بالنسبة للإنسان! وصار الحديث عن علاقته بها أو مسئوليته عنها، أو خوفه منها أو سعادته بها، صارت كلها ضروبًا من التكهن والفرضيات والترف المعرفي، والتي تفتح أبواب التَوَهُّم، ولا يمكن أن تخلق طمأنينة ولا أرقًا لدى العاقل، ولا تترتب عنها مسئولية – إلا بقدر ما تستهلكه من جُهدٍ وزمن! كذلك هو الحال مع إدراك الإنسان لما هو موجود بالفعل داخل الحُجرة من أشياء لا شك في وجودها، فإن ذلك لا يُلزمه الخوض والبحث في تفاصيلها، إلا بقدر ما يحتاجه من معرفةٍ بها تُمَكِّنه من التعامل معها والاستفادة منها واجتناب سلبياتها، وبهذا المعنى يكون ربط الإنسان لما يعلمه بما لا يعلمه، هو من باب التعبير عن وجود عقدة الجهل المفترض

الأربعاء، 11 مارس 2020

الرسالات (السماوية) والعقل ومعضلة سؤال الأزل! (3)

0 تعليق


تساؤلات:

- خالق ومخلوق=  سيّد وعبد، أم مالك ومملوك؟

وما الفرق؟

- ما خصوصية البشر! ولماذا هم هنا! وماذا بعد الموت؟

- هل صحيح أن الرسالات(السماوية)، قد أوجدت

معتقدات، أفرغت الحياة من مضمونها؟

- المُعتَقَدُ شأنٌ شخصي، فلماذا يتم التعرُّض لمعتقدات

الآخرين بالتحليل، وبالنقد أحيانًا؟

في الحقيقة المعتقدات الدينية مثل الأعراق والأنساب

البشرية، ليس التعرض لها وانتقادها غاية ولا هواية

بشرية ..

لذلك ليس كل المعتقدات يتم التوقف عندها والتعرض لها

بالتحليل أو بالنقد ..، إنما فقط تلك المعتقدات التي لم تَعُد

شأنًا شخصيًا لمعتنقيها، بل أضحت وسيلة لتجنيد

العابثين منهم للنيل من الآخرين ..، وحدها التي تُصبح

وينبغي أن تكون وتظل دائمًا عُرضةً للتشريح والتحليل

والنقد – بل والمهاجمة، حتى يتراجع أتباعها عن غِيهم

ويفيقوا من غفلتهم، وتُصبح معتقداتهم شأنهم الخاص

الذي لا ينظرون إلى غيرهم من خلاله!

والحقيقة الأخرى، هي أن الإنسان مُكرهٌ على الإيمان

والاعتقاد وفق الرسالات (السماوية)، سواء كان إكراهًا

جسديًا مباشرًا بحكم الشرائع والأحكام الجزائية

والرضوخ لثقافة الجماعة، أو كان إكراهًا ضمنيًا بسبب

الرُعب النفسي الذي زُرِعَ داخله عبر التهديد والتلقين

بالتربية والتعليم ..، فهو مُكرهٌ في جميع الأحوال، ولا

فضل للمكره فيما يفعل مهما كان حجم ونوع ما يفعله

ومهما كانت درجة إخلاصه فيه!

إنه عندما يسود الاعتقاد بصحة نظرية القضاء والقدر،

والتي مفادها أن كل ما يُقال وما يُفعل وما يترتب عليها

من نتائج، ما هو إلا تحصيل حاصل!

وعندما يتم إقناع العاقل – وبالأصح إكراهه- على

الاعتقاد بأنه عبدٌ يؤدي وظيفة لا يحتاجها سيِّده!

حينها لا تكون للحياة قيمة ولا يكون للوجود معنىً ..،

ويكون من الحُمق والسذاجة انتظار جزاء بحجم الجَنَّةِ

الموصوفة، مقابل أفعالٍ ونتائج ما كان يمكن أن يحصل

سواها، وهي التي لا قيمة لها ولا لنقيضها قياسًا لمقام

الإله – بحسب الرسالات (السماوية)!

 - التشريعات المنبثقة عن الرسالات (السماوية)، هي

قيود تاريخية صَنَعت إطارًا شكليًا وتماسكًا افتراضيًا

للمجتمع البشري، لتُخفي اختلافات حقيقية بين الأفراد،

وصنعت صراعات فكرية لتقمع تساؤلات عفوية صادقة

داخل كل فرد!

لكي يؤمن الإنسان ويعتقد بوجود ما لا يُدركه، اعتقاداً

يستوجب منه فعل ما يُغاير ميوله ويُناقض فطرته

ويرفضه عقله وما قد يفوق طاقته، فإن الأمر يتطلب

سيطرة تامة للعاطفة على العقل – من أجل تهيئة المناخ

لحصول قَدَرٍ كافٍ مِن التوهُّم لدى الإنسان، وذلك ما لا

يتأتى إلا بوجود قدر كافٍ من الضعف والسذاجة، وهي

أمور لا يستطيع العاقل افتعالها إذا لم يجدها متوفرة

وفاعلة لديه بالطبيعة، في حين أنَّ بإمكانه التخلُّص منها

إن وجدها!

فالواقع أنه لا يكون الإيمان إلا ضعفاً وتوهُّماً، ولا يكون

الإلحاد إلا اتهاماً!

إذ لو استعمل كل مؤمن عقله لإثبات صحة وصواب

وواقعية اعتقاده، لما بقي على الأرض عاقلٌ واحدٌ

مؤمنًا!

ولو ثبت وجود الإله ومُراده من البشر، كما ثبت دوران

الكواكب وحدوث الخسوف والكسوف، لما وُجِدَ على

الأرض عاقلٌ واحدٌ مُلحدًا!

فلو كانت الحقيقة ظاهرة ومُبرهنة لما اختلف حولها

عاقلان!

وإذا كان الأمر بحثٌ عن الحقيقة فليبحث كُلٌ بطريقته

وقدراته!

أمَّا أن يُكذِّبَكَ إنسانٌ مثلك بسبب ضعف حُجَّتك، فتَحسِبُ

عليه تكذيبُه لك بمثابة تكذيبٍ مباشرٍ لإلهٍ أنت تؤمن به

دونه، فذاك هو الجهل والوهم والتجهيل والإيهام!

إن القول بوجود قوة خفية ذكية – وليُسَمِّها كلٌّ بحسب

اعتقاده -، تقف خلف الوجود، وأن لها غاية من إيجاده،

هو افتراضٌ لا معنى ولا حاجة لإنكاره، كما أنه لا مجال

لإثباته!

ليظل الاختلاف المؤكد والدائم والمنطقي، هو حول وجود

الإله الشخصي أو الشخصاني، ذي المواصفات البشرية-

الذي تدعو الأديان لعبادته وفق طقوس شكلية لا تفسير

لها!

وبنظرة متريثة محايدة للمشهد البشري في الساحة

الكونية، يُمكننا ملاحظة أن:

1- الأديان تُمثِّل إجابة بدائية عن السؤال الأزلي..، فلا

يمكن إثباتها وبذات القدر لا يمكن دحضها -، لأنها لا

تعتمد المنطق بل تعتمد على ثقة بشر ببشر، ولا تحمل

آيةً يمكن فحصها من قِبل الخصوم أو المتسائلين..،

أما الآيات الكونية المُشَاهَدَة والتي يسوقها المؤمنون

للتدليل على وجود الإله، فهي إن دلَّلت بصورة أو بأخرى

على وجوده، فهي لا تُدلِّل على مُرادِه من البشر- وهو

الأهم بالنسبة للبشر!

2- العِلمُ الباحث في وجود الإله، يُمثِّل إجابة غبية عبثية

عن ذات السؤال، ذلك أن الباحث يَفترض قدرة المصنوع

على إدراك صانعه، وهي ما أثبت العلم والعقل عبثيتها –

كما في حال الإنسان مع ما يصنعه..، حيث لا يمكن

للمصنوع إدراك صانعه إلا إذا شاء الصانع ذلك، وحينها

لا يكون للمصنوع فضلٌ ولا يُنتظر منه جُهدٌ لاكتشاف

صانعه..، فإذا افترضنا وجوب أن يبذل المخلوق جُهداً

لاكتشاف خالقه، إذن فقد افترضنا وجود نوع من

التنافس بينهما وهو ما لا يمكن أن يكون، وإن كان

فيجب أن تكون النتيجة فشل المخلوق، أو بلوغه

نتيجة مُبرمجة مُسبقاً مما يُفقد الموضوع جديته

وأهميته!

3- الفكر الحُر يُمثِّل الآلية المتاحة والمُتبقية للبشر،

والتي يُمكِن أن تكون مؤهلة للبحث في هذا المجال

أو لبلوغ الإجابة، وليس معنى ذلك أن الفكر الحر قد

يصل إلى إجابة مُحددة يتفق حولها الجميع، بل لأنه

لا يبحث عن نتيجة موحَّدة تُلزِمُ الجميع..، ذلك لأن

الفكر الحر يؤمن بالاختلافات الطبيعية بين البشر،

ويحترم تلك الاختلافات!

إن وجود الإله من عدمه ليس من أولويات الفكر الحر،

فهذا الأمر وبرغم عظمته وأهميته إلا أنه يُمكن اعتباره

تَرَفِياً قياساً إلى مدى وجود مسئولية للإنسان مُترتبة

على وجوده هو وحياته..، إذ لو ثبت عدم وجود

مسئولية للإنسان تجاه كائنٍ لا يعرفه، لأصبحت

معرفته لذلك الكائن أمراً ثانوياً ترفياً!

ومن هنا فإن السؤال الأساسي من وجهة نظر الفكر

الحر هو ليس عن وجود الإله أو عن كيفية نشوء

الوجود، بل السؤال عن المسئولية التي يُمكن أن

تكون مُلقاة على عاتق الإنسان بسبب وعيه وإدراكه

لسلوكه وممارساته..،

وإذا أردنا أن نختصر رؤية الفكر الحر لعلاقة

المخلوق بالخالق، فإنه يكفينا أن نُذكِّر فقط بحقيقةٍ

منطقيةٍ بارزةٍ، مفادها أن الاعتقاد بوجود الإله ينفي

إمكانية إدراكه، وعدم وجوده ينفي إمكانية إثبات

عدميته!

وبالمحصلة سواء اتفق أتباع الأديان والأكاديميون

مع الفكر الحر أو اختلفوا معه، فإن عاقلاً لا يمكنه

أن يقبل بتشبيه القوة الكونية المطلقة بطُغاةِ البشر

الأسطوريين الهمجيين العابثين بالمنطق والقِيم، الذين يستعبدون الناس، ويتلذذون بضعفهم وخضوعهم

وكذبهم..، حيث يُعذّبونهم ويُرغمونهم على وصف

عذابهم بأنه حقٌّ من حقوق ذلك المَلِك أو ذلك الفرعون،

ليستمتعوا بمشاهدة العاقل وهو في حضيض الانحطاط

الأخلاقي، حين يصف عوَّزه وضعفه وذُلَّه والظلم الواقع

عليه، بأنها قمة العدل والإنصاف – تزلفاً وخوفاً من

أولئك الجبابرة الطُغاة-، مُقابل سماحهم له بمواصلة

حياة الخِزي والخنوع والمهانة! 

 - كيف نشأ الأقوياء والضعفاء في المجتمع البشري-

باختصار ..

إن الفروق المعنوية الخفية بين البشر، يمكن

اختصارها في فارق مادي واحد ظاهر بين الحيوانات،

وهو فارق القوة!

حيث إن النتيجة ذاتها، فسواء قوة بدنية مادية وما

يُقابلها من ضعف، أو قوة معنوية كالذكاء وما يُقابلها

من ضعف من جنسها كالسذاجة والغباء!

تَنبّه الحُذاق والخبثاء من البشر مبكراً إلى العجز

الطبيعي لديهم، وأدركوا خطورة الحرية الفردية على

أطماعهم – لا على وجودهم! فابتدعوا خدعة الروح

الجماعية، وروجوا لوجود قوة روحية خارقة ومكانة

سامية تنشأ ويحصل عليها الفرد بقدر تضحيته من

أجل الجماعة..؛ وشحذوا بذلك هِمم السُـذّج، وانطلت

الحيلة عليهم، فأصبح الساذج-الذي ليس لديه ما

يخسره .. يموت متطوعاً ويتألم راضياً، من أجل

أفرادٍ لا يُضحون لأن لديهم ما يخسرون، وهم الأجدر

بالتضحية والأحوج لها، وهم الذين لا يحبون من

الساذج إلا سذاجته، ولا يعرفون عنه سوى تضحيته

الجميلة من أجلهم..، حيث يحصل أن يموت الساذج

جوعاً ويشبع ألماً وسط جماعته عندما تنتفي الحاجة

لسذاجته!

وتطور الأمر، بإضافة الحُذاق لعنصر الدين والقانون

التنظيمي الاجتماعي، إلى معادلة الروح الجماعية،

وذلك لسد العجز المتنامي في أعداد السُذج، وتعويض

النقص بالأغبياء، فصار الأغبياء يُضحون لتحقيق

أوهام الأذكياء، فنشأت القبيلة والطائفة، وأضحى

الفرد فيهما يبغض ويُحب أفراداً لا يعرفهم – تلبية

لرغبة ومشيئة أفرادٍ آخرين سلبوه فرديته، وأضحى

يُبرر خضوعه وعبوديته وضعفه بقدسية الجماعة!

 .

- الطبيعة توازن بين مكوناتها – باختصار ..

أوجدت الطبيعة لدى الإنسان نقاط ضعف لم تضعها في

سواه من المخلوقات، أهمها القابلية للوهم والرضوخ

للتهديد، والشعور بالألم والرهبة منه قبل حدوثه،

وإدراك الخوف..، مما أوجد لديه حاجة ماسة دائمة

للشعور بالأمان!

لكن الطبيعة وبحكم قانون التوازن ومعادلة الاستقرار

التي تحكم العلاقة بين مكوناتها، فإنها بالمقابل قد

منحت الإنسان نافذة لتصريف الخوف والألم لم

تمنحها لسواه!

حيث منحته الوعي بحتمية الموت مما يُقلل من قيمة

الحياة في نظره، ومنحته القدرة على مغادرة الحياة!

فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي بإمكانه الانتحار متى

شاء، وذلك لدرء الألم الذي ليس بوسعه احتماله أو

حتى انتظار وقوعه!

 - خالقٌ ومخلوق = سيِّدٌ وعبد، أَمْ مالكٌ ومملوك؟




لا شك أنَّ الفرق شاسعٌ بما لا يدع مجالاً للمقارنة بين أن نستعبد أحداً وبين أن نمتلك شيئاً!
فهل يُعتبر الفرد البشري أحداً أم شيئاً – بالنسبة لإله؟
هل البشر إلى الإله هُم كأحدهم إلى الآخر، أم هُم بالنسبة له كالأشياء بالنسبة لهم؟
هل توقفنا ولو قليلاً عند الفرق الهائل بين الاستعباد والامتلاك..، لندرك الممكن من غير الممكن في علاقة البشر بآلهتهم المُفترضة، ولنتصور هل حقاً أن البشر يمكن أن يكونوا عبيداً لإلهٍ حقيقي وليسوا مُلكاً له؟
إنه لا يُوصف بالعبدِ إلا مَنْ كان بنو جنسه أحراراً، فكان هو بالأصل حُراً، ولا تزال إمكانية تحرره قائمة، وإلا صار مُلكاً وليس عبداً- صار شيئًا وليس وعيًا..،
فهل تتوفر في البشر مواصفات العبيد؟
وقياساً إلى مَنْ أو إلى ماذا، يكون البشر عبيداً؟
هل يوجد في الوجود أحرار، كي يكون البشر عبيداً قياساً لهم؟
- الحرية قياساً إلى العلاقة بالإله!
أم إنَّ كل الوجود هو مُلكٌ للإله الذي تتحدث عنه الأديان – على افتراض أنها تتحدث عن ذات الإله وليس عن أكثر من إله!
والاستعباد لا يكون إلا بين أبناء الجنس الواحد، وإلا لقُلنا عن الإنسانِ بأنه سيدٌ مُستعبِدٌ لما يمتلكه من حيوانات ونباتات وأدوات!
وإذن لقُلنا عن تلك الممتلكات بأنها عبيدٌ لمالكها الإنسان..، وهذا ما لا يكون!
ليست الحرية نقيض المُلكية، إذ لا يسعى ولا يطمح المملوك إلى الاستقلال عن مالكه – الأمر الذي يفعله العبد!
فالمملوك إن لم يكن مُلكاً لهذا المالك، أصبح مُلكاً لمالكٍ غيره، ولا قيمة للملوك دون مالك!
لا قيمة للذهب إلا وهو مُلكٌ لبشر!
يحق للمالك التفاخر بما يملك، ولا يُدركُ المملوك كُنه مالكه!
يستطيع العبدُ أن يؤذي سيده، ولذلك يُسرُّ السيدُ بالعبد المطيع الأمين!
بينما لا يكون للمملوك أن يؤذي مالكه، إلا بجهلٍ أو عن عمدٍ من المالك!
لا فضل للمالك على ممتلكاته، وفضل الممتلكات على مالكها لا يُحسب لها رغم أنه حقيقة، ذلك لأن الممتلكات لا تعمل بمعزلٍ عن مالكها، ولا تُدرِكُ سلبيات ولا إيجابيات نتائج أفعالها على المالك!
العبودية نقيض الحُرية، والحرية أصلٌ والعبودية عَارِض!
فهل الصواب أن نعتقد بوقوع البشر في دائرة المُلكية، أم في دائرة العبودية.. قياساً إلى القوة الإلهية؟
بصورة أو بأخرى يعتقد جُلُّ البشر بأنهم عبيدٌ لإلهٍ اختلفوا في وصفه، واتفقوا على وصف كل ما عداهم في الوجود بأنها مُلكٌ لذلك الإله أو لتلك الآلهة!
إنه وبغض النظر عن المرجعية التي يستند لها كل قوم في اعتقادهم- وهي مرجعيات متعددة مختلفة..،
إلا أن ما يمكن ملاحظته بسهولة، وربما ينبغي للبشر الوقوف عنده وربما إلى الأبد، هو الأتي:
1- افتقار وخلو كل المرجعيات تماماً من أي برهان حي أو آية صريحة، تؤكد صحة تلك المرجعيات وتُكسِبها المصداقية!
2- القاسم المشترك بين كل المرجعيات هو ذاته السبب الأساسي في اختلاف البشر..، وهو اعتماد كل الأقوام على صدقِ ما قاله وما نُقِل عن رجلٍ واحدٍ منهم لا شهودَ له، وليس اعتمادًا على آية صريحة يحملها لهم..،
وحيث إن نسبة معينة من قابلية البشر للوهم والخطأ، لا بد وأن تكون موجودة لدى كل إنسان– مهما صغُرت تلك النسبة واختلفت من إنسان لآخر – إلا أنها تبقى موجودة، وهو ما يُعرف بامتناع العصمة عن البشر..،
ولأن كل البشر يمتلكون ما يُمكِّنهم من طلب الدليل من بشرٍ مثلهم، لذلك وجب على البشر التحقُّق مما ينقله بعضهم بعضاً..،
فلو أراد باعث الرسالة أن يُصدِّق البشر المُرسلين دونما فهم أو تحقق مما يحملون، لبعث رسالته للبشر مع غير البشر، ولكان البشر حينها معذورين بتصديق ما لا يفهمون – رُبما!
أما أن يُزوِّدُهم بجهازٍ كاشفٍ للوهم والخطأ، قادرٍ على طلب الدليل..، فيُطفئون أجهزتهم عمداً لكي يتوهموا، فذلك ما يستحقون عليه العِقاب حقَّا!
وربما كان السؤال والامتحان ها هنا!
3- القول بأن الإله يختبر البشر بمدى تصديقهم لبعضهم، ثم إنه بعد ذلك سيُحاسبهم بنفسه على أنهم قد كذَّبوه هو!
هو قولٌ يحمل كمًّا عظيمًا من المغالطات، بل ويصل حد الطعن في عدل الإله! 

 هنالك شروط أساسية مبدئية بديهية لا بُدَّ أن تتحقق في صُلب العلاقة بين البشر والإله، لكي يتوفر حد أدنى للمقارنة بينهم – لكي يُصبح استعباد الإله للبشر أمراً ممكن التحقق عملياً!
نحن نعلم أن السيادة قوامها القوة أو القدرة، وأن العبودية سببها الضعف..،
ونعلم أن السيادة والعبودية إنما تكون وتُقاس بحسب الفارق بين قوة القوي وضعف الضعيف..،
فإذا بلغت قوة القوي حد الإطلاق، فذلك يعني أن ضعف الضعيف قد بلغ حد الإطلاق في الاتجاه الآخر..،
وعندها تنتفي شروط السيادة والعبودية وتتحول العلاقة إلى مالكٍ ومملوك!
في معادلة الإله والبشر، نحن نعلم حقيقة قوة وضعف أحد أطرافها.. وهو البشر، ولا نعلم قوة الطرف الآخر .. أي الإله!
لكننا وبافتراضنا لنوع ومستوى العلاقة بين الإله والبشر، نكون قد وضعنا تصوراً لقوة الإله قياساً إلى قوة البشر..،
ولأن أعلى مرتبة يمكن أن يبلغها البشر هي سيادة أحدهم أو بعضهم على بعضٍ آخر– بالرُغم من أنها مرتبة مذمومة)،
ولأن أدنى ما يمكن أن يبلغه البشر وأكثر ما يخافونه هو الاستعباد والاسترقاق..،
لذلك تصوروا أن يكون الإله سيداً وأن يكونوا له عبيداً..،
متجاهلين أن الاستعباد صفة مذمومة من ناحية، ومن ناحية أخرى لا يكون السيد والعبدُ إلا وكان الحد الأدنى من المقارنة بينهما متوفراً!
إن في اعتقاد البشر بأنهم عبيدٌ للإله تضخيم لقيمِ ذواتهم، أو تقليلٌ من قدرِ الإله..،
ذلك أنهم إنما يفترضون وجود وجهٍ للمقارنة بينهم وبينه، وهو الوجه أو المقارنة التي يتفق المؤمنون والملحدون جميعاً على انعدامها؟
إن الوجود بأسره – كما نعلمه – لا يحوي مُبررًا واحداً يجعلُ كائنًا حيَّاً يرضى بأن يكون عبداً- ناهيك عن أن يُفاخر بعبوديته..، إلا أن تكونَ روحه الذُلُّ وجسده الهوان، فيكون قوامه الخزي ولا مكان للكرامة في كيانه..،
وهذه المواصفات إن وُجِدتْ، فإن السيد الكريم يأبى أن تربطه بحاملها علاقة بأي درجة أو معنى من المعاني!
نتيجة..
نخلص إلى القول بأننا إذا سلمنا بأن البشر عبيد للإله،
فإن ذلك يعني أننا قد افترضنا وجود وجه للشبه، وحَدٍّ أدنى من المقارنة بين قدرة الإله وقدرة الإنسان..،
وهو الأمر الذي يُفرغ كل المفاهيم الدينية من مضامينها- حول القدرة المطلقة للإله!..
وهذا أمر يرفضه المؤمنون، وتنفيه أديانهم، كما يرفضه العقل والمنطق!
وبالمقابل إذا سلمنا بأن البشر شيء من مُلك الإله- وتلك حقيقة ملازمة لوجود الإله-،
فإنه يترتب عليها الاعتقاد بأن أفعال البشر جزءٌ لا يتجزأ من إرادة الإله ومشيئته، وجزء من وجودهم الذي لا يمكن أن يكونوا مسئولين عنه..،
وبذلك يُصبح احتمال معاقبة الإله للبشر، هو كاحتمال معاقبة صانع الحاسوب لحاسوبه!
ونقول.. لعل الحاجة كانت أباً للذُلِّ قبل أن تكون أُمّاً للاختراع