face like

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

الصفحات

الأربعاء، 7 أكتوبر 2020

الإنسان والبشر .. اختلافات جوهرية!

0 تعليق



الأُمِّية لا تجعل الإنسان بشرًا، والتعليم والثقافة لا تجعل البشر إنسانًا..، هي معايير داخلية يختلف بها الإنسان عن الإنسان، والبشر عن البشر!
التعليم والتثقيف روافد للأفكار، تخدمها لكن لا تصنعها!
كل الروايات والقصص التاريخية والنظريات والدراسات الاجتماعية والنظريات الفلسفية والعلمية والدينية، جميعها تتحدث عن صنفين مختلفين من البشر – أعلى وأدنى-، وكلها تشترك في عدم تحميل المسئولية للأدنى عن دُنُوِّه، وعدم منح الفضل للأعلى في عُلُوِّه، وكلها تقول بأن الأعلى قادر على أداء وظائف الأدنى، وأن العكس غير صحيح!
وفي ذلك إشارة واضحة إلى أن الاختلافات جوهرية وجذرية!
مع ملاحظة أن: الأعلى قادر على إدراك ممارسات الأدنى، لكنه غير قادر على أدائها، تمامًا كما أن البشر قادر على إدراك ممارسات الحيوان لكنه غير قادر على أدائها – ترفعًا وليس عجزًا!
النظريات الدينية على سبيل المثال، تقول: إن الإله يخلق ما يشاء، ويؤتي الحكمة من يشاء، ويهدي من يشاء ويضل من يشاء، ويؤتي المُلك من يشاء وينزعه ممن يشاء، ويجعل من يشاء عقيما..، الخ من اليشاءات!
وهذا إقرار صريح بوجود اختلافات جسيمة بين البشر، لا يتساوون طالما كانت موجودة، ولا يمكنهم افتعالها ولا يمكنهم إخفاءها، لكنه كذلك تعبير عن عدم إدراك أسبابها، مما أدى إلى نسبتها إلى الإله – لمنع أي تساؤل حولها!
هذه الـ(يشاءات) باللغة الدينية، تُعادل الاحتمالات التي يحتويها الـ(DNA) باللغة الطبيعية والعلمية!
والنتيجة في الحالتين هي الإقرار بوجود قوة خفية (جينية) فاعلة قاهرة، تفرض على البشر أن يكونوا كائنات مختلفة، وليس مجرد مستويات مختلفة قابلة للتقارب!
التناقض والارتباك واضح في طرح النظريات الدينية لموضوع الاختلاف ومحاولة معالجته..
فهي من جهة تعترف بأن الاختلاف كبير جدًا إلى درجة أنها نسبته إلى المشيئة الإلهية، ومن جهة تحاول إجبار البشر على تجاهله أو تجاوزه أو معالجته بالتقليد والتعلم والتدرب..، وفي ذلك من المفارقة ما يجعل الطرح غير منطقي وغير واقعي!
فإذا كان الاختلاف (الضلال – مثلاً) ناجمًا عن إرادة إلهية، إذن يكون من العبث أن يُطلب من غير المهتدي منافسة المهتدي، لأن ذلك يُعادل الطلب من البشر منافسة الإله!
وإذا كان بمقدور البشر أن يتجاوز الضلال المفروض عليه إلهيًا، ويصنع الهداية لنفسه بنفسه، يكون لا معنى للهداية والضلال الإلهيين!
ولذلك نجد القائمين على الأديان اليوم يدعون إلى ما يعتقدون أنه طريق الهداية، وفي ذات الوقت يقولون: إن طريق الهداية معروف لكنه قد يؤدي إلى ذات النتيجة التي يؤدي لها طريق الضلال..، وهذا إقرار صريح بأنهم عاجزون عن التوفيق بين أطروحات نظرياتهم المتناقضة!
من الواضح جدًا أن هذا الطرح المرتبك، إنما سببه محاولة المزج بين ثلاثة أمور متناقضة في نظرية واحدة، وهي: العدل الإلهي، واختلافات البشر اللاإرادية، والمحاسبة!
معلوم أن الفقر هو الذي يُحدد سلوك الفقير!
ومعلوم أنه من المستحيل التوفيق منطقيًا بين الاعتقاد بأن الإله سيُحاسب ويعاقب الأميين والبُسطاء والجُهلاء والحمقى، وبين دعوة الآخرين لمساعدتهم اليوم وعدم مؤاخذتهم والتجاوز عن أخطائهم!
فإذا كان الإله سيُحاسبهم، فذلك يعني أنهم مُدرِكون للخطأ وقادرون على فعل الصواب، وبالتالي لا معنى لمعاملتهم كضعفاء أو جهلاء!
وكمحاولة من هذه النظريات لتجاوز الاختلاف الذي لم تستطع تجاهله، خاطبت الأعلى وتعاطت معه بمنطق الإدراك – بالحُجَّة والدليل، بينما خاطبت الأدنى وتعاطت معه من خلال الوعي الغريزي – الخوف والطمع والإغراء، ..الخ!
وهي محاولة أثبتت الاختلاف ولم تُحقق النظرية!
فإذا كان المقصود من وجود البشر هو عبادة الإله لا أكثر، فلماذا هذا الاختلاف الكبير؟
ولماذا هذا المزج بين المختلفين مع عدم وجود مقياس في متناول الجميع يُحدد الهداية من الضلال؟
معلوم أن الخطاب الغرائزي لا يُخاطب الإدراك، إنما يُخاطب الوعي من خلال الغرائز، فيثيرها أو يستحثها لتقود الجسد الواعي إلى أداء فعل أو قول معين!
وغني عن القول إن الخطاب الغرائزي مرفوض أخلاقيًا، فلا يتقبل الإنسان استعماله إلا اضطرارًا، ولا يكون إلا مع الحيوانات وصغار البشر والمعتوهين!
فإذا تم استعمال هذا الأسلوب المرفوض أخلاقيًا، مع كبار البشر الطبيعيين، فذلك يعني أنه قد تم تصنيفهم ضمن قائمة الحيوانات وصغار البشر والمعتوهين!
إننا لا نتحدث عن شواذ قاعدة، إنما عن شرائع ودساتير وقوانين تُخاطب مجتمعات بشرية كاملة من خلال الغرائز!
وهذا يعني أن الخطاب السائد في المجتمع البشري، هو خطاب غرائزي، وفي ذلك اعتراف بأن الاختلافات بين كبار البشر وصغارهم والحيوانات، هي اختلافات طفيفة لا يمكن الاعتماد عليها في سن التشريعات، وأنه لا يمكن التحقق منها إلا بالتجربة العملية..، ولذلك فإن الخطاب الغرائزي المتمثل في التهديد بالعقوبات والإغراء بالمكافآت يسري على كبار البشر كما على صغارهم، كما على الحيوانات..، لكن لا يسري ولا يكون فاعلاً في حال الإنسان!


ليس الحديث عن الاختلاف بين الفلاسفة والأغبياء، أو الأميين والعلماء، ولا بين المرؤوسين والرؤساء، ولا اختلاف الرجال عن النساء!
المطروح هنا، والذي أزعم أنني إنما أصوغ به ما يقوله الواقع بأمانة، هو أن المجتمع البشري يتكون من أمتين مختلفتين خلقيًا جينيًا، متداخلتين عِرقيًا، هما: أُمة الإنسان، وأُمة البشر!
وأن التعاطي معهما تشريعيًا كأمة واحدة، وعدم الفصل بينهما، هو سبب جُل المآسي والخلافات والصراعات، وعدم الاستقرار الاجتماعي في كل المجتمعات البشرية!
السجن والإبعاد والنفي واللجوء السياسي، هي أمثلة واقعية لعملية الفصل بين هذين الصنفين المختلفين، لكنها عمليات تتم بصور فردية ظرفية اضطرارية، ولم يتم التوقف عندها واستعمالها كحلول استباقية ومعالجة طبيعية لمشاكل مزمنة تعاني منها كل المجتمعات البشرية!
والواقع أن التعاطي مع الأمر بالفصل بين المختلفين على أوسع نطاق، هو أمر ممكن ومنطقي وأخلاقي، لكن ينبغي أولاً الإقرار بوجود هذين الكائنين المختلفين، وإثبات أن الاختلافات بينهما تتجاوز الاختلافات الطبيعية السطحية بين أبناء الجنس الواحد!
إن الوعي الإنساني يستوعب الوعي البشري، لكن التفكير الإنساني لا يحتوي التفكير البشري، لأن التفكير الإنساني يبدأ من حيث يتوقف التفكير البشري..، لذلك لا يفهم ولا يتوقع بعضنا معظم سلوكيات بعضنا الآخر اللامنطقية، ويسعى لمعرفة أسبابها باعتبارها أمراضًا نفسية أو ظواهر اجتماعية غريبة..، حتى يبدو وكأنه غبي وعاجز أمام ممارسات من هم أقل منه وعيا وإدراكًا..، بينما الحقيقة أن هذا الحائر إنسان، ويتعاطى مع ممارسات بشرية بمعايير إنسانية، وهذه الممارسات البشرية وفق المعايير الإنسانية يتم تصنيفها في المستوى الحيواني، لذلك لا يذهب تفكيره في ذلك الاتجاه ولا يهبط إدراكه إلى تلك المستويات!
هذا اللبس لدى الإنسان، سببه الاعتقاد السائد (الخاطئ) بأنه لا يوجد كائن بين الإنسان والحيوان، أي لا توجد مرحلة تعلو المرحلة الحيوانية وتدنو المرحلة الإنسانية!

الاثنين، 21 سبتمبر 2020

زواج المثليين من رسائل الطبيعة للواهمين!

0 تعليق




لا يتردد الإسلاميون في القول إن الإنسان (كل إنسان) يولد على الفطرة، وأن أبويه هما اللذان يُهوِّدانه أو يُنصِّرانه؛

(الفطرة عندهم = الإسلام)!

يُرددون هذه المقولة على مسامع الصغار والبُسطاء من المسلمين، لكي تُصبح جزءًا من عقيدتهم، فيزداد بُغضهم لغير المسلمين - خاصة اليهود والنصارى - على أساس أنهم المسئولون عن انحراف فطرة أبنائهم..، بمعنى أن العالم بأسره مُهيأ ليصبح مسلمًا بين عشية وضحاها، لولا أن كل البشر منحرفون ومتآمرون ضد الفطرة!

كيف لأمرٍ أن يُوصف بأنه فطرة بشرية، ثم يُتهم كل البشر بالتآمر عليها أو بالانحراف عنها؟

اليوم تُعيد الطبيعة طرح رسالة قديمة بصيغة جديدة، لعلها أوضح هذه المرة:

ماذا عن المثلية الجنسية والخنوثة، وتشريع وانتشار زواج المثليين؟

أليست هذه ظواهر طبيعية، وتتعارض مع الفطرة - إذا كانت الفطرة هي الإسلام؟

فهل يولد الإنسان على الفطرة، وأبواه هما اللذان يُخنِّثانه أو يُمثِّلانه؟

وهل يسمح الإسلاميون للإنسان عندهم بالتعبير عن ميوله الجنسية وممارستها، لكي يرى العالم كيف يكون الإنسان الطبيعي ذو الفطرة السليمة؟

وهل هذه الملايين من البشر العاديين والبرلمانيين والحكومات والرؤساء، والذين هم ليسوا مثليين جنسيًا، لكنهم لم يُعارضوا زواج المثليين..، هل هذه الملايين من مختلف المستويات العلمية والثقافية، كلهم منحرفون فطريًا، وكلهم وُلِدوا مسلمين، لولا أن أهلهم هوَّدوهم أو نصَّروهم أو جعلوهم يتقبلون زواج المثليين؟؟

أم أن الفطرة شيء آخر غير الدين والمعتقد؟

وأن الفطرة هي المُوجِّه الطبيعي الذاتي اللا إرادي لسلوك وقناعات وميول ورغبات الإنسان؛

وأن الفطرة لا تعتد بالثقافات والأعراف والعادات والتقاليد، ولا يمكن فرضها على الإنسان ولا انتزاعها منه، ولا يُمكن تصديرها ولا استيرادها، ولا يمكن إخفاؤها!

وأن المعتقد الديني هو الذي يُلقَّن للإنسان قبل البلوغ، أو يُفرض عليه بالتهديد والوعيد بعد البلوغ، بواسطة أبويه أو سواهم، وأنه أمر خارجي غير الفطرة الطبيعية، وأن ربط المعتقد بالفطرة ما هو إلا محاولة لتسويق الدين واستغفال الناس!

لعل الربط بين مفهوم الفطرة والمعتقد الديني، لا يقتصر على المسلمين، فأصحاب كل معتقد، لا يخامرهم شك في أن معتقدهم هو الأصل، وهو الذي تقوم عليه وبه ولأجله الطبيعة والحياة والوجود!

والحقيقة أن التعصب للمعتقدات الدينية يُعمي البصيرة لدى المسلمين وغير المسلمين، فلا ينتبه المتعصبون لرسائل الطبيعة ولا لأصوات الحقيقة، ولذلك هم أعجز وأظلم من أن يكونوا منصفين ويعترفوا بأن هذه الثقافات والمجتمعات المتسامحة، التي سمحت للإنسان بالإفصاح عن ميوله الجنسية وممارستها رغم غرابتها، لا يمكن لعاقل أن يتهمها بأنها تحول بين الإنسان وبين فطرته التي يولد عليها؟

وأن الثقافات والمجتمعات الدينية - خاصة الإسلامية - التي تحكم على الإنسان بالقتل إذا اختار الخروج عن معتقداتها القسرية، هي التي لا تعرف الفطرة ولا تحترمها؟

ما يمكن فهمه من ترديد الإسلاميين لتلك المقولة، هو أنها محاولة فاشلة لأسلمة الفطرة، لكي تبدو معتقداتهم صحيحة؟

ثم، ماذا عن الفطرة عند الإنسان الذي يولد في مجتمع مسلم، ولأبوين مسلمين، لماذا يُهدد بالقتل إذا ترك الإسلام؟ من الذي هوَّده أو نصَّره أو لحَّده؟

أليس هذا اختبارًا طبيعيًا وشرعيًا للفطرة؟ لماذا يرفض المسلمون حرية العقيدة إذن؟

إن كل ما يمكن أن يُقال سلبًا عن المثلية الجنسية وزواج المثليين، لا ينبغي أن يدفعنا إلى تجاهل حقيقة أن تشريع زواج المثليين وانتشاره في مجتمعات بشرية عديدة وعريقة ومتقدمة في كل المجالات، قد كشف عمق المأساة الإنسانية ومدى التخلف في مجتمعات أخرى، حتى بدا المشهد في تلك المجتمعات المتخلفة وكأن الهدف في الأساس هو حِرمان الإنسان من المتعة الجنسية- في نطاق التضييق العام على الإنسان ودفعه للتحايل أو الانتحار-، وأن سماح القائمين على تلك المجتمعات بالزواج التقليدي إنما كان خضوعًا لقوانين الطبيعة التي ربطت التكاثر بالمتعة الجنسية، فلو أمكنهم التكاثر دون ممارسة الجنس، لمنعوا وحرَّموا الزواج التقليدي وغير التقليدي..، وبالطبع لن يشمل المنع أو التحريم أولي الأمر أو أولي القوة، فهم مصدر التشريع والتنفيذ!

زواج المثليين سلط الضوء على مناطق معتمة حول الحريات الشخصية بشكل عام، وفي الحياة الجنسية بصورة خاصة..، مناطق ما كان لها أن تكون معتمة أصلاً، وما كان ينبغي انتظار زواج المثليين ليكشف افتعال الحظر والتعتيم وهشاشة التابوات وبدائيتها!

حيث يتم تحريم ممارسة الجنس بين الذكر والأنثى البالغين، واعتبارها عارًا أو جريمة توجب القتل بأبشع أساليب القتل؛ وفي ذات الوقت يتم تشريع ذات الأمر وبين ذات الشخصين، والاحتفاء به وبهما، إذا جاء عبر بروتوكولات وطقوس بشرية شكلية صورية، لا معنى ولا تفسير لها سوى التشهير بالإنسان، والمساس بإنسانيته، وانتهاك حُرمته، والإشراف على حياته الجنسية، وتدخل سافر للغرباء في خصوصيته بحُجَّة تحليلها، واستغلال غريزة طبيعية لممارسة الوصاية وتحجيم وزن وقيمة الفرد لصالح الجماعة، وجعله يشعر بفضل الآخرين عليه - إذ سمحوا له بإشباع غريزته، حيث كان بإمكانهم حرمانه من ذلك..، كل ذلك لكي يظل الإنسان طوال حياته في دائرة العبودية المقنعة وتحت الشرعية المزورة!

فإذا كان المحافظون أو التقليديون يرفضون ويستهجنون زواج المثليين، ويعتبرونه عارًا على البشرية، فعليهم الاستعداد للاعتراف بفضل هذا الزواج غير الطبيعي لتصحيح آليات ومسار الزواج الطبيعي!

زواج المثليين ليس مُصنَّفًا على قائمة الواهمين ضمن المحظورات والمحرمات، وذلك على افتراض أنه مستحيل ومحظور طبيعيًا وأخلاقيًا وواقعيًا!

لكن الطبيعة فاجأت الواهمين وأحفاد المُصنِّفين، بإباحتها لزواج المثليين وتحقيقه على أرض الواقع، فأُسقِط في أيدي الواهمين، ولم ينبسوا ببنت شفة..، حيث إنهم كانوا يُصنفونه ضمن الممارسات التي ينبغي أن تمنعها الطبيعة - كما يتصورون هم الطبيعة!

وبالنتيجة، سواء حصل زواج المثليين بإرادة الطبيعة أو بتطور الإنسان أو بإرادة إله.. فلا فرق..، والأهم أنه لا مجال لإيقافه بعد أن أصبح المثليون واقعًا، وأصبحت هذه الثقافة تلقى تفهمًا فطريًا متزايدًا بين الأفراد والمجتمعات البشرية!

وبغض النظر عن آرائنا الخاصة في زواج المثليين واختلافنا معهم وحولهم، فما يهمنا هنا هو رسالة الطبيعة التي يحملها زواج المثليين للواهمين من البشر..،

ولعل محتوى الرسالة: أن حجم الوجود البشري بأسره - من بدايته المجهولة إلى نهايته المجهولة-، لا يكاد يُذكر في الوجود العام، فما بالكم بسلوك وممارسات بعضكم!

ولعل ظهور حقيقة زواج المثليين بغرابتها وصدمتها، أن توصل الرسالة التي عجزت الفلسفة والعلم والفكر عن إيصالها لأولئك الواهمين الذين لا يزالون يرفضون حق الإنسان في حرية العقيدة-وليس في زواج المثليين!

فماذا يُمثِّل وماذا يعني للطبيعة أو للإله، السعي لفرض عقيدة أو شريعة معينة، على مجموعة محدودة من البؤساء التعساء، في بقعة فقيرة متخلفة مظلمة، على كوكب صغير، سابح في فضاء لا نهائي - طالما أن جُل البشر قد تجاوزوا مرحلة حرية العقيدة وبلغوا مرحلة الزواج للجميع - ولم ترفض الطبيعة ولم يغضب الإله كما كان يتوهم الواهمون!

زواج المثليين من رسائل الطبيعة للواهمين!

0 تعليق



لا يتردد الإسلاميون في القول إن الإنسان (كل إنسان) يولد على الفطرة، وأن أبويه هما اللذان يُهوِّدانه أو يُنصِّرانه؛ (الفطرة عندهم = الإسلام)! يُرددون هذه المقولة على مسامع الصغار والبُسطاء من المسلمين، لكي تُصبح جزءًا من عقيدتهم، فيزداد بُغضهم لغير المسلمين - خاصة اليهود والنصارى - على أساس أنهم المسئولون عن انحراف فطرة أبنائهم..، بمعنى أن العالم بأسره مُهيأ ليصبح مسلمًا بين عشية وضحاها، لولا أن كل البشر منحرفون ومتآمرون ضد الفطرة! كيف لأمرٍ أن يُوصف بأنه فطرة بشرية، ثم يُتهم كل البشر بالتآمر عليها أو بالانحراف عنها؟ اليوم تُعيد الطبيعة طرح رسالة قديمة بصيغة جديدة، لعلها أوضح هذه المرة: ماذا عن المثلية الجنسية والخنوثة، وتشريع وانتشار زواج المثليين؟ أليست هذه ظواهر طبيعية، وتتعارض مع الفطرة - إذا كانت الفطرة هي الإسلام؟ فهل يولد الإنسان على الفطرة، وأبواه هما اللذان يُخنِّثانه أو يُمثِّلانه؟ وهل يسمح الإسلاميون للإنسان عندهم بالتعبير عن ميوله الجنسية وممارستها، لكي يرى العالم كيف يكون الإنسان الطبيعي ذو الفطرة السليمة؟ وهل هذه الملايين من البشر العاديين والبرلمانيين والحكومات والرؤساء، والذين هم ليسوا مثليين جنسيًا، لكنهم لم يُعارضوا زواج المثليين..، هل هذه الملايين من مختلف المستويات العلمية والثقافية، كلهم منحرفون فطريًا، وكلهم وُلِدوا مسلمين، لولا أن أهلهم هوَّدوهم أو نصَّروهم أو جعلوهم يتقبلون زواج المثليين؟؟ أم أن الفطرة شيء آخر غير الدين والمعتقد؟ وأن الفطرة هي المُوجِّه الطبيعي الذاتي اللا إرادي لسلوك وقناعات وميول ورغبات الإنسان؛ وأن الفطرة لا تعتد بالثقافات والأعراف والعادات والتقاليد، ولا يمكن فرضها على الإنسان ولا انتزاعها منه، ولا يُمكن تصديرها ولا استيرادها، ولا يمكن إخفاؤها! وأن المعتقد الديني هو الذي يُلقَّن للإنسان قبل البلوغ، أو يُفرض عليه بالتهديد والوعيد بعد البلوغ، بواسطة أبويه أو سواهم، وأنه أمر خارجي غير الفطرة الطبيعية، وأن ربط المعتقد بالفطرة ما هو إلا محاولة لتسويق الدين واستغفال الناس! لعل الربط بين مفهوم الفطرة والمعتقد الديني، لا يقتصر على المسلمين، فأصحاب كل معتقد، لا يخامرهم شك في أن معتقدهم هو الأصل، وهو الذي تقوم عليه وبه ولأجله الطبيعة والحياة والوجود! والحقيقة أن التعصب للمعتقدات الدينية يُعمي البصيرة لدى المسلمين وغير المسلمين، فلا ينتبه المتعصبون لرسائل الطبيعة ولا لأصوات الحقيقة، ولذلك هم أعجز وأظلم من أن يكونوا منصفين ويعترفوا بأن هذه الثقافات والمجتمعات المتسامحة، التي سمحت للإنسان بالإفصاح عن ميوله الجنسية وممارستها رغم غرابتها، لا يمكن لعاقل أن يتهمها بأنها تحول بين الإنسان وبين فطرته التي يولد عليها؟ وأن الثقافات والمجتمعات الدينية - خاصة الإسلامية - التي تحكم على الإنسان بالقتل إذا اختار الخروج عن معتقداتها القسرية، هي التي لا تعرف الفطرة ولا تحترمها؟ ما يمكن فهمه من ترديد الإسلاميين لتلك المقولة، هو أنها محاولة فاشلة لأسلمة الفطرة، لكي تبدو معتقداتهم صحيحة؟ ثم، ماذا عن الفطرة عند الإنسان الذي يولد في مجتمع مسلم، ولأبوين مسلمين، لماذا يُهدد بالقتل إذا ترك الإسلام؟ من الذي هوَّده أو نصَّره أو لحَّده؟ أليس هذا اختبارًا طبيعيًا وشرعيًا للفطرة؟ لماذا يرفض المسلمون حرية العقيدة إذن؟ إن كل ما يمكن أن يُقال سلبًا عن المثلية الجنسية وزواج المثليين، لا ينبغي أن يدفعنا إلى تجاهل حقيقة أن تشريع زواج المثليين وانتشاره في مجتمعات بشرية عديدة وعريقة ومتقدمة في كل المجالات، قد كشف عمق المأساة الإنسانية ومدى التخلف في مجتمعات أخرى، حتى بدا المشهد في تلك المجتمعات المتخلفة وكأن الهدف في الأساس هو حِرمان الإنسان من المتعة الجنسية- في نطاق التضييق العام على الإنسان ودفعه للتحايل أو الانتحار-، وأن سماح القائمين على تلك المجتمعات بالزواج التقليدي إنما كان خضوعًا لقوانين الطبيعة التي ربطت التكاثر بالمتعة الجنسية، فلو أمكنهم التكاثر دون ممارسة الجنس، لمنعوا وحرَّموا الزواج التقليدي وغير التقليدي..، وبالطبع لن يشمل المنع أو التحريم أولي الأمر أو أولي القوة، فهم مصدر التشريع والتنفيذ! زواج المثليين سلط الضوء على مناطق معتمة حول الحريات الشخصية بشكل عام، وفي الحياة الجنسية بصورة خاصة..، مناطق ما كان لها أن تكون معتمة أصلاً، وما كان ينبغي انتظار زواج المثليين ليكشف افتعال الحظر والتعتيم وهشاشة التابوات وبدائيتها! حيث يتم تحريم ممارسة الجنس بين الذكر والأنثى البالغين، واعتبارها عارًا أو جريمة توجب القتل بأبشع أساليب القتل؛ وفي ذات الوقت يتم تشريع ذات الأمر وبين ذات الشخصين، والاحتفاء به وبهما، إذا جاء عبر بروتوكولات وطقوس بشرية شكلية صورية، لا معنى ولا تفسير لها سوى التشهير بالإنسان، والمساس بإنسانيته، وانتهاك حُرمته، والإشراف على حياته الجنسية، وتدخل سافر للغرباء في خصوصيته بحُجَّة تحليلها، واستغلال غريزة طبيعية لممارسة الوصاية وتحجيم وزن وقيمة الفرد لصالح الجماعة، وجعله يشعر بفضل الآخرين عليه - إذ سمحوا له بإشباع غريزته، حيث كان بإمكانهم حرمانه من ذلك..، كل ذلك لكي يظل الإنسان طوال حياته في دائرة العبودية المقنعة وتحت الشرعية المزورة! فإذا كان المحافظون أو التقليديون يرفضون ويستهجنون زواج المثليين، ويعتبرونه عارًا على البشرية، فعليهم الاستعداد للاعتراف بفضل هذا الزواج غير الطبيعي لتصحيح آليات ومسار الزواج الطبيعي! زواج المثليين ليس مُصنَّفًا على قائمة الواهمين ضمن المحظورات والمحرمات، وذلك على افتراض أنه مستحيل ومحظور طبيعيًا وأخلاقيًا وواقعيًا! لكن الطبيعة فاجأت الواهمين وأحفاد المُصنِّفين، بإباحتها لزواج المثليين وتحقيقه على أرض الواقع، فأُسقِط في أيدي الواهمين، ولم ينبسوا ببنت شفة..، حيث إنهم كانوا يُصنفونه ضمن الممارسات التي ينبغي أن تمنعها الطبيعة - كما يتصورون هم الطبيعة! وبالنتيجة، سواء حصل زواج المثليين بإرادة الطبيعة أو بتطور الإنسان أو بإرادة إله.. فلا فرق..، والأهم أنه لا مجال لإيقافه بعد أن أصبح المثليون واقعًا، وأصبحت هذه الثقافة تلقى تفهمًا فطريًا متزايدًا بين الأفراد والمجتمعات البشرية! وبغض النظر عن آرائنا الخاصة في زواج المثليين واختلافنا معهم وحولهم، فما يهمنا هنا هو رسالة الطبيعة التي يحملها زواج المثليين للواهمين من البشر..، ولعل محتوى الرسالة: أن حجم الوجود البشري بأسره - من بدايته المجهولة إلى نهايته المجهولة-، لا يكاد يُذكر في الوجود العام، فما بالكم بسلوك وممارسات بعضكم! ولعل ظهور حقيقة زواج المثليين بغرابتها وصدمتها، أن توصل الرسالة التي عجزت الفلسفة والعلم والفكر عن إيصالها لأولئك الواهمين الذين لا يزالون يرفضون حق الإنسان في حرية العقيدة-وليس في زواج المثليين! فماذا يُمثِّل وماذا يعني للطبيعة أو للإله، السعي لفرض عقيدة أو شريعة معينة، على مجموعة محدودة من البؤساء التعساء، في بقعة فقيرة متخلفة مظلمة، على كوكب صغير، سابح في فضاء لا نهائي - طالما أن جُل البشر قد تجاوزوا مرحلة حرية العقيدة وبلغوا مرحلة الزواج للجميع - ولم ترفض الطبيعة ولم يغضب الإله كما كان يتوهم الواهمون!

الأربعاء، 16 سبتمبر 2020

حرية الاعتقاد دونها خَرْطُ القتاد!

0 تعليق



دونها أو دونه خرط القتاد لمن لم يسمع بهذا المثل من

قبل، هو مثل عربي، يُضرب للأمر أو للشيء لا يُنال

إلا بمشقة بالغة تفوق طاقة الإنسان التقليدي!

والقتاد، شجر شوكي- ليس بالإمكان خرطه باليد!

هذا المثل يكاد يتجسد في موضوع "حرية الاعتقاد"

حيث إن المثل يُشير إلى شبه استحالة بلوغ الهدف،

وهو ما ينطبق على حرية الاعتقاد في جُل المجتمعات

التي بها تواجد إسلامي، وذلك من الطرفين: الطرف

المتمسك أو المطالب بحرية الاعتقاد، والطرف الرافض

لها..، فكأني بكليهما يقول: إن حرية الاعتقاد دونها

خرط القتاد!

وكذلك يتطابق المثل مع موضوعنا من ناحية العصر،

حيث إن المثل كان يؤدي الغرض منه في عصره القديم،

فهو نتاج واقع وبيئة، حين كانت يد الإنسان المباشرة،

هي أداته الوحيدة لفعل أي شيء، ولذلك كان من شبه

المستحيل عليه خرط القتاد ..، بينما الأمر لم يعد كذلك

اليوم، ولذلك لا ينفع هذا المثل اليوم إلا باستحضار

ثقافة وبيئة عصره!

والأمر ذاته أجده في موضوع حرية الاعتقاد، فربما

كان مَنْعُها مُمكِنًا أو مُبَرَّرًا في زمن ظهور الرسالات

وانعدام الاتصالات واحتكار المعلومات، وهي المعطيات

التي لم يعد لها وجود اليوم ..، وبذلك لم يعد مَنْعُ حرية

الاعتقاد مُبَرَّرًا ولا مُمكِنًا!

ففي زمن فيضان المعلومات واختلاط الثقافات وتواصل

البشر اللامحدود، وانتشار المعرفة بالمعتقدات، أصبح

منع الإنسان من حقه في حرية الاعتقاد، لا يختلف عن

تكليفه بخرط القتاد- بيده في زمن وجود الآلة ..، الأمر

الذي لن يفعله حتى لو أُكرِه على فعله!

لقد اختلف معدل الوعي البشري، فأصبح متوسط

الوعي البشري العام اليوم، يفوق أعلى مستويات الوعي

البشري الخاص قديمًا!

جُل الذين عاشوا في زمن ومحيط ليوناردو دافنشي،

كانوا بمثابة العميان أو المعاقين عقليًا بالنسبة له!

بينما أصبح إنجاز المعجزات وتجاوز المألوف، هو ما

ينتظره ويترقبه عموم البشر كل يوم ولا يرضون بأقل

منه في كل مُنتَجٍ جديد، وهو مجال تنافس الباحثين

والصانعين!

ويستطيع جُل البشر بوعيهم اليوم، محاورة سقراط أو

أفلاطون- بحسب وعيه في عصره!

إنه وحتى وقتٍ قريب، كان الأب لأبنائه، والزعيم لدى

شعبه، بمثابة بئر الأسرار، والعالِم والخبير الذي لا

يُخطئ ولا يجهل والبطل الذي لا يعجز عن فعل شيء!

أما اليوم فقد أصبح الأبناء مصدر المعلومة للآباء، ولا

يجد الآباء حرجًا في ذلك!

وأصبحت سلوكيات بعض الزعماء وقراراتهم مادة للنقد

والتهكم، ومنهم من أضحى أضحوكة ومثارًا للسخرية

والشفقة بين العوام والبُسطاء من أبناء شعبه!

لقد أصبح مصدر المعلومة والخبر، واحدًا ومتاحًا

للجميع، ولم يعد يُميِّز بين البشر سوى اختلافاتهم

الطبيعية وقدراتهم المادية، وهي التي لا علاقة لها

بتحصيل المعلومة – إلا لدى أولئك البؤساء المعدمين

تمامًا- فقرًا أو استعبادًا!

لقد أصبحت الإنترنت والفضائيات بمثابة الوعي البشري

المشترك!

وأصبحت الحواسيب والهواتف المحمولة، بمثابة ذاكرة

إضافية للإنسان، وهي ذاكرة خارقة – كمًّا ونوعًا

وسرعة ودقة!

وأصبحت البرمجيات، بمثابة تفكير إضافي للإنسان!

لهذه الأسباب وغيرها، أصبح إنسان اليوم على درجة

من الوعي، تؤهله لإدراك حقيقة أنه لا قيمة ولا فائدة

تُرتجى من الاعتقاد والإيمان تحت الإكراه- حتى لو كان

موضوع الإيمان والاعتقاد صحيحًا!

إن مجرد وجود الشعور بعدم حرية الاعتقاد، يُفرغ

الاعتقاد من مضمونه!

فلا فضل لفاعل بما يفعل، إذا لم يكن يملك الحق والقدرة

على عدم فعله!

قلتُ سابقًا، إن الطرف المطالب بحرية الاعتقاد، والطرف

الرافض لها..، كلاهما يقول: إن حرية الاعتقاد دونها

خرط القتاد!

هنا نفهم ذريعة وحُجَّة ومظلومية الطرف المطالب بحقه

في حرية الاعتقاد ..

لكننا لا نفهم حُجَّةً ولا نجد ذريعةً ولا مظلومية للطرف

المطالب بمنع حرية الاعتقاد..، إلا في حالة واحدة وهي

أن يكون الطرف الرافض لحرية الاعتقاد هو ولي أمر

وولي نعمة الطرف الآخر ومالكه!

بصورة عامة، يُعتبر وجود الإنسان في الحياة، بمثابة

وجوده في قاعة امتحان إلهي سماوي، تظهر نتيجته بعد

الممات..، هكذا تقول كل أو جُل العقائد الدينية!

لكن بعض العقائد تختلف عن غيرها، حيث تقول، إن

المشرف المباشر على هذا الامتحان ليس هو الإله، إنما

هي لجان بشرية مُكلفة من قِبل الإله، وأنه قد تم تبليغها

بالتكليف بواسطة رُسُل من البشر، وبرسالة مكتوبة بلغة

لا يفقهها إلا أعضاء تلك اللجان، والذين تُحددهم

وتختارهم الصدفة وحدها!

وبحسب هذه اللجان، فإن الراسبين من البشر في هذا

الامتحان يمكن تحديد هوياتهم في الحياة، بينما لا يمكن

تحديد هوية الناجحين!

وبحسب تلك العقائد، فإن لجانها ليست مكلفة بالإشراف

على الامتحان فحسب، إنما هي مكلفة بالتصحيح الفوري

لإجابات الممتحَنين، وأنها مؤهلة لتحديد الراسبين من

إجابة السؤال الأول، وأنها مخولة بمعاقبتهم قبل الموت

وبالموت..، بما يعني عدم السماح لهم بمواصلة

الامتحان، وإخراجهم من القاعة!

وبهذا المعنى، يكون دور هذه اللجان ليس الإشراف على

سير الامتحان، إنما هو توحيد الإجابة، وتلقينها

للممتحَنين، مع عدم ضمان النجاح!

وبحسب تلك العقائد، فإن أول دليل على رسوب الإنسان

في هذا الامتحان، هو طلبه من اللجنة إثبات التكليف

الإلهي لها، أو تشكيكه في صحة مستنداتها، أو فهمه

لأسئلة الامتحان الإلهي بفهم يختلف عن فهم أفراد

اللجنة المشرفة على الامتحان، وبالتالي تكون إجابته

مختلفة عن الإجابة التي تريدها اللجنة!

وبهذا المعنى، يكون الإيمان بالغيب لا يعني الإيمان

بوجود إله، إنما يعني الإقرار بوجود تكليف إلهي لأفراد

هذه اللجان البشرية!

وبذلك، وحسب فقه تلك العقائد، أصبح التشكيك في

مصداقية أو في فهم أو في مدى وعي بشر غير

معصومين، يُعادل التشكيك في وجود الإله!

فأصبح المشهد العام للمجتمع البشري، يُظهر بعض

البشر، وهم يتصرفون بصفتهم أفراد وضباط شرطة

عقائدية سماوية تعمل على الأرض، بتكليف مباشر من

الإله، وظيفتهم محاسبة البشر في الحياة، وتحديد

سلوكهم وتوجيههم، بفرض عقيدة معينة عليهم-

وخاصة على الضعفاء الذين تأتي بهم الصُدف أو

تُجبرهم الحاجة على التواجد في محيط عمل ونفوذ تلك

الشرطة!

أعتقد أن طرح الموضوع بهذه الصورة الصريحة

والمبسطة، سيجعل من التعاطي مع هذه اللجان

السماوية أو الشرطة العقائدية، يأخذ شكلاً منطقيًا

وعمليًا- مفهومًا وفاعلاً، وهو ما أرى أنه يكون بأحد

خيارين:

إما إقرار المجتمع البشري بشرعية الشرطة الدينية-

كما هو الحال مع الشرطة الدنيوية، وبالتالي مساعدتها

وإلزام البشر بطاعة أوامرها!

أو إجماع المجتمع البشري على عدم شرعيتها- كما هو

الحال معالعصابات الإجرامية والأمراض النفسية،

وبالتالي معالجتها أو محاربتها في أماكن تواجدها بقصد

القضاء عليها- كما تُحارب الأمراض، وليس محاربتها

في أماكن والسماح لها بالتواجد في أماكن أخرى- كما

تُحارب الحشائش والحشرات الضارة!

ليس الحديث هنا عن الدُعاة، الذين يعتقدون أنهم يؤدون

واجبًا دينيًا، بدعوة غيرهم لاعتناق عقيدتهم، حيث

يدعون الناس بنية أداء واجب وإقامة حُجَّة، ثم يتركون

الخيار للناس، ولا يُكرِهونهم..، فهؤلاء موجودون في

كل مكان وفي كل الأديان، ولا ضير من وجودهم- ما لم

يكونوا هم المعاهد والجامعات التي تُخرِّج أفراد وضباط

تلك الشرطة الدينية- فحينها ينطبق عليهم ما ينطبق

عليها!

إن ما ينبغي على أفراد تلك الشرطة وأعضاء تلك اللجان

إدراكه، هو أنهم منتهون عاجلاً لا آجلاً، وذلك باعتبار

إدراك البشر أنه لا قيمة لإيمان وعقائد المُكرَهين

والمستغفَلين- حتى لو كانت صحيحة!

فمن البديهي القول، أنه إذا كان هنالك من أجر في حالة

الإكراه والاستغفال، فهو ليس للمُكرَهين والمستغفَلين،

إنما هو لمن أكرههم أو استغفلهم!

فمشاركة الضعفاء والمستغفلين في الأمر، لا تتعدى

كونهم ضعفاء أو مغفلين ..، وهذه صفات وظروف

لا إرادية، فلا تؤهل أصحابها لنيل أجر، وهي الصفات

التي حيثما دخلت كعناصر في مفاضلة بين البشر، تكون

لصالح الآخرين وليس لصالح حامليها!

إن حرية العقيدة هي بيت القصيد في كل حديث يتناول

الحرية- طلبًا أو رفضًا!

وهي مربط الفرس في كل الصراعات حول الحرية أو

باسمها، مهما ألتوت العناوين وتلونت الشعارات وتنبَّلت

الغايات!

ولذلك كان التنازل النسبي من الطرفين- الطالب

والرافض- ممكنًا دائمًا في موضوع الحرية، ما عدا

الحرية في مجال العقيدة، فإن طرفي الصراع مُصممان

على أنَّ دونها خرط القتاد!

وحرية العقيدة يمكن اختصارها في جواب السؤال:

هل يحق لإنسان أن يكفر بما يؤمن به غيره أم لا؟

الجواب هو: لا- عند جُل المسلمين؛ ونعم عند غيرهم!

ولذلك يمارس بعض المسلمين اليوم عملية خرط القتاد

بأيديهم، من أجل منع حرية الاعتقاد ..، نشاهد ذلك في المملكة الإسلامية و في اليمن وفي الصومال والباكستان وأفغانستان ونيجيريا

ومالي وغيرها ..، فانطبق عليهم المثل في غير عصره،

مما يعني أنهم يعيشون اليوم بأجسادهم ولكن بثقافة

عصر المَثَل!

بينما يخرط غيرهم القتاد من أجل تحقيق حرية الاعتقاد،

لكنه يستعمل أدوات العصر، فلم ينطبق عليه مثل القتاد

رغم أنه يخرط قتادًا

الخميس، 9 يوليو 2020

لا ماهية الزمان ولا نهائية المكان!

0 تعليق



ليس مفهوم المكان بأقل جدلية من مفهوم الزمان!

- الذرة مكان لنواتها، والمادة مكان لذراتها، والإنسان
مكان لأحشائه، والأرض مكان للإنسان، والأرض بحاجة
إلى مكان يحتويها، وكل مكان هو بحاجة إلى مكان ..،
فهل الكون عبارة عن أماكن مختلفة الأحجام، كل منها
مكان لمكان أصغر؟

- كمية الحديد التي تُستعمل لصنع سيارة يمتلكها أحدهم، يُعاد تدويرها لصنع سيارة جديدة يمتلكها حفيده الذي يمكن أن يكون قد صُنِع هو الآخر من ذرات جده ..، لكن لاشيء اسمه زمن الجَد يُعاد تدويره لمنحه للحفيد!

- احتراق قطعة من الخشب هو حدث، واحتراق قطعة مماثلة من الورق هو حدث آخر ..
الحدث الأول أكبر حجمًا من الحدث الثاني - من حيث دورة الاكتمال ..
الفرق بين حجمي هذين الحدثين يمكن تسميته زمنًا
واستعماله لقياس أحجام أحداث أخرى!
لكن بالنسبة للكون الأزلي الأبدي اللا نهائي، لا قيمة لحجم هذين الحدثين ولا للفرق بينهما ولا معنى للزمان والمكان النسبيين اللذين يحدثان فيهما، فكل الاحتمالات ستحدث وتتكرر إلى الأبد ..
ستوجد هاتان القطعتان دائمًا وستحترقان دائمًا ..

- الساعة قياس مفتعل متكرر - نسبة إلى قياسات أخرى مفتعلة متكررة – اليوم والشهر، وهكذا يمكن افتعال فترات زمنية بأي أطوال وأي أسماء، لكن لا بد أن تكون منسوبة إلى فترات زمنية أخرى مفتعلة هي الأخرى- دون أن يتغير شيء في الكون ..
- المكان الأكبر الذي يحتوي كل الأماكن النسبية هو الما لا نهاية في كل الاتجاهات، والزمن الأكبر الذي يحتوي كل الفترات الزمنية النسبية المفتعلة هو المالا بداية والما لا نهاية – اللا خلف واللا أمام – اللا ماضي واللا مستقبل- أي اللا سريان – فقط مراوحة في المكان!

- ذاكرة الإنسان تُسجِّل الأحداث بالترتيب كأمر طبيعي، لكن هذه الذاكرة وهذا الترتيب أوهما الإنسان بوجود شريط خلفه اسمه التاريخ، والتاريخ أوهم الإنسان بوجود شيء يسري خارجه اسمه الزمن، بينما هي مجرد تغيرات مادية متكررة في ذات المكان، وما ينقضي منها لا يعود له أثر ولا وجود ولا معنى خارج ذاكرة الإنسان ..، الأمر أشبه بأوراق أو مواد يتم ترتيبها لإنتاج شكل ما، ثم خلطها ثم إعادة ترتيبها لإنتاج شكل آخر أو إعادة ذات الشكل، ثم خلطها ثم .. وهكذا إلى الأبد، ولاشيء يبقى في الماضي خارج الذاكرة – لاشيء في الواقع الفعلي ..، هي ذات الذرات انتظمت فصنعت الأجداد ثم اختلطت وانتظمت مجددًا فصنعت الآباء ثم الأبناء فالأحفاد .. وهكذا، وقد يتم إنتاج كل الاحتمالات الممكنة، فلا يظهر بعد ذلك إنسان إلا مكرر ولا تظهر أشياء ولا مشاهد إلا مكررة!


 - لا نهائية المكان هي الحقيقة التي لا يمكن نفيها ولا يمكن تخيلها ..
- من الطبيعي والمنطقي أن يكون تصور أو تخيل الما لا نهاية أمر غير ممكن، لأنها ستكون محدودة ولن تكون ما لا نهاية إذا أمكن تخيلها!

- فكرة التوقيت على الأرض انبثقت من شروق الشمس وغروبها، وبتوقف حركة الشمس بالنسبة للأرض، تتوقف التواقيت، ولا يعود هناك معنى للوقت ..

- فكرة الزمن انبثقت من الحياة والموت، وبخلود الإنسان تفقد فكرة الزمن معناها لدى الإنسان ..

- الخلود متحقق بالنسبة للكون، لذلك نقول بأن فكرة الزمن لا معنى لها بالنسبة للكون!
كون أزلي أبدي ولا نهائي، لا يوجد معنى للزمن فيه – لأنه لا تأثير لدورات الحيوات المتعاقبة المتكررة عليه ..

- الوجود معناه التغيرات التي تطرأ على محتويات الكون، دون أن تؤثر على الكون!

- حياة إنسان ثم موته، ونشوء نجم ثم موته وغيرها، هي بالنسبة إلى الكون مثل تجدد الخلايا في جسم إنسان خالد .. لا معنى لموت الخلايا وحياتها بالنسبة إلى إنسان جسمه كان بلا بداية وباقٍ بلا نهاية .. وهذا هو واقع الحال بالنسبة للكون!

- تجدد النجوم والمجرات في الكون، وتجدد الخلايا في جسم الإنسان، مجرد كيفيات وجود وآليات حياة ..

- من ليس مقيدًا بمواعيد لا يحتاج لامتلاك ساعة، ذلك
لأنه يتواجد مباشرة في الكون الأبدي الأزلي - خارج
منظومة التوقيتات البشرية النسبية المفتعلة!

- انعدام الخوف من الموت يُلغي معنى الزمن ويمسح صورته الافتراضية في أذهاننا!

- تصورنا للحياة والموت على أنهما حالات تغير مستمر إلى الأبد، يُلغي معنى الزمن!

- إذا افترضنا أن الإنسان خالدٌ – لا بداية ولا نهاية لحياته ..، وظهرت نظريتان للزمن: نظرية تقول بوجود الزمن، ونظرية تقول بعدم وجود الزمن ..
الذين يَنظرون إلى تجدد الخلايا داخل جسم الإنسان (موت خلايا ونشوء خلايا جديدة)، يقولون بوجود شيء اسمه الزمن - كوصف لحالة تجدد الخلايا – تلك الأحداث المادية المتكررة – تلك الحالة المستمرة والضرورية لحياة الإنسان ..
والذين يَنظرون إلى الإنسان ككيان عام خالد، يقولون بعدم وجود شيء اسمه الزمن – بالنظر إلى ديمومة وجود الإنسان ككيان كامل ..، فماذا نقول نحن في هذه الحال .. يوجد شيء اسمه زمن أم لا يوجد؟
في الحقيقة، تجدد الخلايا بحد ذاته ليس زمنًا، وليس محكومًا بزمن، بل هو جزء من كينونة الإنسان ..

- عمليات الهدم والبناء في الكون متواصلة، وهي ليست موتًا وحياة، بل هي نبض الكون ..
- دورة حياة نجم ودورة حياة كائن، هي مجرد نبضات في جسد كون خالد ..
الخلية التي تختفي تظهر مكانها خلية بذات المواصفات وتؤدي ذات الوظيفة .. أو هي في الحقيقة ذات الخلية تعود من جديد ..، أو هو مجرد نبض متكرر ..، وذات الأمر ينطبق على النجم الذي تنتهي دورة حياته، فهو يعود من جديد ليؤدي ذات الوظيفة، أو يتحول إلى شكل آخر من أشكال الوجود ليؤدي وظيفة أخرى في جسد كون أزلي ..

- تغيرات المادة والطاقة ليست سوى نبضات كونية ..

- الكون عبارة عن مفاعل كبير (فرن)، تتفاعل داخله المادة والطاقة في سلسلة متواصلة متكررة منذ الأزل وإلى الأبد ..
- لو قلنا أن كل ذرات المادة والطاقة في الكون، هي مشتركة الآن في عملية تفاعل واحدة، وأن هذا هو الحال منذ الأزل وإلى الأبد، فلن يكون هناك مجال ولا معنى لمفهوم الزمن ..، والحقيقة أن هذا هو الحاصل!

- تجزئة المشهد تخلق وهم الزمن!

- ما هو الزمن عند البشر؟

الزمن وهمٌ أنتج كل الأحلام، وحلمٌ أنتج كل الأوهام!
من يتخلص من خدعة الزمن يتخلص من الأوهام لكنه يفقد معها الأحلام، حيث سيُمكنه تصور كيف أن الشيء يتحول إلى شيء آخر أو يعود هو ذاته وهكذا إلى ما لا نهاية ..
ارتباط مفهوم الزمن بالأحلام هو ما جعل البحث فيه دائمًا موجه باتجاه محاولة إثبات وجوده لا صوب حقيقته وحسب ..
الزمن هو الوجه الآخر لحلم الخلود، وحلم الخلود ليس حلمًا بالخلود الحقيقي المطلق ..، فالخلود المطلق متحقق وجوبًا للذرات أو لمكوناتها ..،
لكن حلم الخلود بالمفهوم الزمني البشري هو حلم ثبات حالة دون غيرها – توقف حدث دون غيره .. هو حلم عدم التغير لا عدم الفناء!
الزمن وهمٌ صنعه الإنسان ووقع في غرامه فأصبح يسعى لتحقيقه، لكن المنطق ظل يرفض الخضوع لمفهوم الزمن – باعتبار أن المنطق نقيض للوهم ..
القول بوجود إله هو الذي خلق كل شيء، هو قول يُثبت حقيقة اللا بداية واللا نهاية للزمن – أي اللا معنى للزمن – أي اللا ماهية للزمن، ويُثبت كذلك لا نهائية المكان، فلا يمكن أن يكون وجود الإله إلا أزليًا، وما ينبثق عن أزلي فهو أزلي، ولا يمكن أن يكون الإله مسجونًا في مكان محدود – فلا بد من لا نهائية المكان!
مفهوم الزمن هو أقرب تصور أو أجمل صورة شاعرية وجدها خيال الإنسان لوصف التغير المادي المستمر المحكوم فقط بالمادة والطاقة والمكان النسبي!

- يتساءل البعض: إذا كان الزمن لا نهائيًا جهة البداية، فكيف وصلنا نحن إلى هنا؟
وهذا في الحقيقة ليس سؤالًا منطقيًا فحسب، بل هو جواب يدحض فكرة الزمن!
الحقيقة أنه لا بداية ولا نهاية – لا خلف ولا أمام فيما يتعلق بالزمان كما المكان، هو فقط وجود مادي ذو تغير مستمر متكرر يراوح مكانه، ينتج عنه من الاحتمالات ما يستحيل حصرها في فضاء لا حدود له!

الأربعاء، 8 أبريل 2020

الموت والحياة وما لا ينبغي لـ(إله)!

0 تعليق


هل الحياة طاقةٌ لنا نستهلكها، أم نحن وقودٌ لها تستهلكنا؟

أَيُّنا الذي يعيش الآخر أو يقتات عليه؟ هل نحن الذين نعيش الحياة – أي أننا نُمارس عملية الحياة؟
أم إن الحياة هي التي تُمارس وجودها باستهلاكها لنا؟
هل كُنَّا سنعرف معنى الموت ونخافه، لولا الحياة؟
هل الصواب أن نقول: إن الوقود يَستعمِلُ النارَ ليُمارس عملية احتراقه؟
أم نقول: إن النار تعيش بِحَرقِها للوقود؟
وهل الكائنات الحَيَّة بالنسبة للحياة، سِوى الوقود بالنسبة للنار!
لعل الحقيقة التي لا يُريد الكثيرون سَماعها، هي أن الحياة البشرية في جوهرها ليست سِوى قيمة افتراضية، يحملها خيال شارد، تُطارده أفكار تائهة، بين فضاءات معدومة المعالم مجهولة الاتجاهات والنهايات!
إنه وبالرُغم من البشاعة التاريخية التي باتت تُطوِّق مفهوم الانتحار في الثقافات البشرية، إلا أن الانتحار في جوهره، هو قرار عقلاني منطقي، يؤدي إلى تجاوز مراحل معلومة، والقفز مباشرة إلى النتيجة المحتومة!
لعل العاطفة والوهم، هي سحر الحياة ووسيلتها الناجحة، لإقناع ضحاياها بالاستمرار في الاحتراق حتى آخر رمق!
(العاطفة = الضعف)، (الأمل = الوهم)!

 الإنسان هو الذي صنع الإبرة والكبيوتر والطائرة، لكنه لا يستطيع فعل ما تفعله هذه المصنوعات!
فهل خلق الإله الكائنات الحية، لكي يُمارِس بها عملية الموت، على اعتبار أنه لا يستطيع ممارسة الموت بنفسه (لا يستطيع أن يموت)؟
يُراد للإنسان أن يعتقد بأن الحياة نعمة، وأن من واجبه شكرها، والامتنان لمن منحه هذه النعمة!
لكن هل يصح احتساب الحياة نعمة على كل البشر، وهي التي ينعم بها عمليًا 10% منهم، على حساب 90% ؟ حيث إن استحقاقات البقاء، قد أوصلت البشر إلى الرضوخ والقبول بهذه المعادلة التفضيلية القبيحة الظالمة..، فلا وجه للمقارنة بين المدير وعامل النظافة لديه، أو بين الرئيس وسائقه وحارسه، وبين أرباب العمل والعاطلين عن العمل، في حين أن وجود هذه العناصر ضروري في معادلة البقاء البشري!
أم هل يمكن أن يكون قبول الإنسان بالحياة وفق هذه المعادلة، هو خطؤه القاتل، حيث يُعدُّ مخالفة صريحة لأمر إلهي، وذلك بتنازل الإنسان عن كرامة يشعر بها – ربما يكون قد أوجبها له خالقه؟

أم إن الحياة هي معاناة، وأنه يوجد خالق سيُكافئ الإنسان على قبوله بها؟
وهل – بهذا المعنى – تكون معاناة الإنسان في الدنيا شرطًا من شروط استحقاق مكافأة إلهية، أو ربما يكون حصول المعاناة هو السر والغاية والمقياس والأساس في الوجود البشري؟
لكن أليست النظرة البدائية والمقياس البشري ظاهرين في هذه المعادلة؟
لماذا علينا أن نفترض أو نُصدِّق بأن الإله بحاجة لمعاناتنا لكي يُكافئنا؟
لماذا لا نتساءل؟ لماذا علينا أن نعتقد بأن الإله ظالم إلى درجة أنه يُعاقِب على السؤال أو على الجهل؟
هل عجزُنا عن تبرير وجودنا، يُبرر لنا تجاهل المنطق والمعقول؟
ماذا نقول عن الأب الملياردير الذي لا يمنح أبناءه المال إلا بعد تعذيبهم؟
أليس الصواب أن نقول إننا لا نعرف الحقيقة، بدل أن نفترض وجود إله خلف معاناتنا، ونقول عنه ما لا نستطيع إثباته وترفضه عقولنا وفطرتنا؟

هل يمكن أن تكون الحياة عبارة عن كَمٍّ من الأخطاء وحِزمةٍ من المعاصي، فهي عبارة عن نِتاج طبيعي وحتمي للخطيئة الكُبرى التي يستهجنها الإنسان ويستقبحها، ثم يُمارسها ليلتقي عندها العاقل بغيرالعاقل..،
وأنه كان على الإنسان أن يرفضها احترامًا للعقل، وإثباتًا لتميُّزه بالوعي والحياء عن سواه!
وبالتالي يكون القبول بالحياة هو الخطيئة التي يدفع جُل البشر فاتورتها اليوم بوضوح كبير، وأنهم في الحقيقة جميعًا يحملون لعنتها، وأن قدرة الأقوياء منهم أو شواذ القاعدة على مقاومتها بدرجة محدودة، لا تنفي حقيقة وقوع اللعنة بهم، وإن بدا وكأن بعض البشر يحملون وزرها دون غيرهم!
وأن هذا هو السؤال وذاك هو الامتحان!
وبذلك فإن المنتحرين سيُكافئون على رفضهم للخطيئة، ويُعاقب الآخرون على قبولهم بها!
وأن تعاسة الضُعفاء وبؤس الفقراء اليوم هو عقاب لهم على إصرارهم على ارتكاب الخطيئة والاستمرار بها – رُغم عدم امتلاكهم لمقوماتها-، وعلى رفضهم للعِفة والبراءة رُغم حَمْلِهم لمبرراتها!
وأن دليل ذلك هو عدم مقدرة البشر بمختلف مستوياتهم ومعتقداتهم، على تفسير أو تبرير المعاناة والمآسي والآلام التي تحدث في مملكة يُفترض أنها إلهية، وذلك في ظل إيمان الجميع واتفاقهم على وجوب عدل الإله، وعلى أنه ليس بحاجة لآلام المخلوقات كي يُثبت قدرته وقوته وعظمته لذاته! 

 هل توجد ساحة يتفوق فيها المخلوق على الخالق؟
إن الإنسان يصنع الأدوات والمعدات التي تفعل ما لا يستطيع هو فعله بدونها!
فهل تكون المخلوقات هي أدوات ومعدات الخالق، التي تفعل أو يفعل هو بواسطتها ما لا يُمكنه فِعله بدونها؟ ويكون ذلك هو سبب وجود المخلوقات؟
لا شك أن مثل هذا الطرح مرفوض حتى من قبيل المُزاح أو الخيال؛ وسواء كان الطرح سؤالاً أو وجهة نظر، فهو مرفوضٌ لدى المؤمنين بإله الأديان أو إله البشر!

مرفوضٌ لدى أولئك الذين يُجاهرون بمعاداتهم للعقل والفكر والفلسفة، رُغم أنهم يعتقدون بأنها مُعطيات يهبها الإله الذي يؤمنون به، لمن يشاء من خلقه!
لكن جَرَت العادة أن يرفض هؤلاء كل ما لا يفقهون، مع أنهم هم ذاتهم الذين يأمرون البُسطاء بالطاعة العمياء– في أمورٍ لا يفقهها البُسطاء!
إنهم يُجاهرون بعدائهم للعقل والفكر والفلسفة، لأنها ساحاتٌ يمكن أن تظهر فيها الحقيقة بأكثر من صورة!
وهُم لا يُظهرون معاداتهم للعِلم صراحةً – رُغم أنها مؤكدة -، حيث إن العِلم يُخالف معتقداتهم ويدحض مزاعمهم ويكشف أوهامهم..، وذلك لأن الحقيقة في ساحة العِلم ليست لها إلا صورة واحدة لا يمكن نكرانها أو حجبها ولا تجاهلها!
ويتجاهلون أو يجهلون أن منتجات العِلم ليست سوى النِتاج العملي المادي لطاقات العقل والفكر والفلسفة، التي يرفضونها ويعترفون بصحة نتائجها – على مضض!
هذا الطرح مرفوضٌ لدى أولئك الذين يضعون أنفسهم في مقام الدفاع عن الإله ضد مخلوقاته، أي ضد مشيئته، وهُم في ذات الوقت يدعونه طالبين منه النصر والتوفيق في حربهم الأبدية ضد إرادته، وذلك في مشهدٍ قوامه المفارقة التي لا يمكن فهمها أو تفسيرها إلا في سياق بحث العاجزين عن دور معدوم!

هل هنالك ساحة يتفوق فيها المخلوق على الخالق وجوبًا؟
لعل الرافضين يستخدمون العقل والمنطق في رفضهم لهذا الطرح، وهم الذين يرفضون الاحتكام إلى العقل والمنطق، ويحتكمون إلى الهوى والخيال، بما يُحقق اعتقاداتهم المُسبقة، في ساحات أُخرى!
لكن الأمر قد لا يكون مُزاحًا..، عندما يكون الحديث عن ساحة الموت!
فلا أحد يمكنه القول بأن إلهًا يمكن أن يخوض تجربة الموت عمليًا، وهي التجربة التي تَمُرُّ بها المخلوقات!
فهل نكون مخطئين حين نقول بأن المخلوق بموته يفعل ما لا يستطيع فعله إله؟
فأيٌّ يكن كُنه وشكل وعظمة وغموض السر الذي أوجد الحياة (الخالق)، فإنه لا يمكن له أن يكون قد مَرَّ بتجربة الموت!
ولعل هذا هو السبب في إيجاد الحياة والأحياء!
فإذا كان الإله أو الخالق هو عبارة عن حياة أزلية لم تعرف الموت ولا يمكن أن تخوض تجربته، فإن سبيله إلى إدراك كُنه الموت، يكون ببَثَّ الحياة في غيره، ومن ثَمَّ تجربة الموت خارج ذاته!
إن الإنسان يمكنه أن يتصوَّر ويتخيَّل طبيعة الموت، لكن الأمر يبقى في إطار التصور والخيال، والذي قد يقترب وقد يتطابق مع حقيقة الموت، وقد يكون بعيدًا عن الحقيقة كل البُعد!
لكن، وبغض النظر عن طبيعة وحقيقة الموت البشري الثقافي الاجتماعي التقليدي، فإن الموت الذي نقصده هنا هو الموت بمعنى زوال الذات من الوجود بتفككها إلى مكوناتها الأساسية، الأمر الذي يحول دون استعادة الذات لوجودها؛ وهو الموت الذي لا يمكن أن تعود بعده الحياة للميِّت إلا بتدخل خارجي ويكون حينها مخلوقًا جديدًا – صورة وليست أصلًا– وإن تطابقت مواصفاته مع الأصل..، وهو الأمر الذي يمكن أن يفعله الإنسان مع أدواته ومعداته، ويمكن أن يفعله الخالق مع مخلوقاته، ولكن لا يمكن أن يفعله أيٌّ منهما مع ذاته!
فهل تكون الحياة ساحة يُمارس فيها الخالق تجربة الموت!
ويكون بالتالي الموت هو السبب الذي من أجله وُجِدت الحياة، ليتفوَّق المنتحرون مرة أخرى بأنهم لم يتهربوا – كغيرهم – من التجربة التي خُلِقوا لأجلها! 

 حقيقة الوهم والخيال وشُبهة التوق الفطري للمعرفة..

التوق الفطري للمعرفة لدى الإنسان، هو حقيقة، لكن استعمالها لوصف وتبرير محاولات الإنسان التكهُّن بما لا يعلمه استنادًا لما يعلمه، هي مُغالطة تُحيل حقيقته إلى شُبهة!
فالفرق شاسع بين المعرفة والوهم والخيال.
فإذا كان الخيال هو أن يتصور الإنسان وجود ما لا وجود له، انطلاقًا من أو بناءً على ما هو موجود!
فقد يكون الخيال حدسًا، وقد يكون خطوة أولى على طريق المعرفة؛
لكن الوقوف عند خطوة الخيال، والبناء عليها قبل بلوغ المعرفة، هو ما يُنتج الوهم..، والوهم هو الانحراف عن طريق المعرفة!
فالخيال ساحة وميدان للتجارب الفكرية، هو ساحة حقيقية واقعية، تُمكَّن من يمتلكها من محاكاة المستقبل وما قد يكون قبل أن يكون!
لكن الخيال ليس ساحة مادية، والوهم يحصل هنا، حيث لا يُفرِّق البعض بين الساحة الفكرية والساحة المادية!
الوهم هو اعتماد نتائج التجارب الخيالية، وتطبيقها على الساحة المادية، وفرضها كواقع – قبل تحققها بالفعل!
أما المعرفة فهي ما يُمكن إثباته عن الأشياء دون لبس.
ولذلك تُنتِج المعرفة المسئولية ذاتيًا لدى العارفين!
بينما الوهم، فهو كالنظرُ إلى خارج الحجرة من خلال نافذة مغلقة، ولذلك فإن المسئولية المترتبة على نتائج الوهم، لا تكون ذاتية، ولا يشعر بها الأشخاص الطبيعيون، بل يقتصر الشعور والالتزام بها على الضعفاء الذين يُعانون من الرُهاب الناجم عن أو المُصاحب لعقدة الجهل المفترض أو الذنب المختلق أو المسئولية المحتملة! 

 الإنسان بين المسئولية والترف المعرفي وعقدة الجهل المفترض..
تقول الفلسفة والمنطق والفكر والعِلم: إنه من البديهي ألا يتردد الإنسان في إثبات وجود كل ما تُدركه حواسه، من أشياء موجودة بالفعل داخل حجرة – حيث يتواجد الإنسان!
كما أنه من الطبيعي أن يُدرك الإنسان من خلال نافذة مفتوحة وجود أشياء خارج الحُجرة!
لكن، لا يمكن للإنسان أن يُدرك ما هو خارج الحُجرة عندما لا توجد نافذة يُطِلُّ منها، أو عندما تكون النافذة مُغلقة!
فإذا كان إنشاء نافذة أو فَتْحُ المُغلقة، أمرًا خارجًا عن إرادة الإنسان و يفوق طاقته، صار وجود الأشياء خارج الحُجرة كعدم وجودها بالنسبة للإنسان!
وصار الحديث عن علاقته بها أو مسئوليته عنها، أو خوفه منها أو سعادته بها، صارت كلها ضروبًا من التكهن والفرضيات والترف المعرفي، والتي تفتح أبواب التَوَهُّم، ولا يمكن أن تخلق طمأنينة ولا أرقًا لدى العاقل، ولا تترتب عنها مسئولية – إلا بقدر ما تستهلكه من جُهدٍ وزمن!
كذلك هو الحال مع إدراك الإنسان لما هو موجود بالفعل داخل الحُجرة من أشياء لا شك في وجودها، فإن ذلك لا يُلزمه الخوض والبحث في تفاصيلها، إلا بقدر ما يحتاجه من معرفةٍ بها تُمَكِّنه من التعامل معها والاستفادة منها واجتناب سلبياتها، وبهذا المعنى يكون ربط الإنسان لما يعلمه بما لا يعلمه، هو من باب التعبير عن وجود عقدة الجهل المفترض

الموت والحياة وما لا ينبغي لـ(إله)!

0 تعليق


هل الحياة طاقةٌ لنا نستهلكها، أم نحن وقودٌ لها تستهلكنا؟ أَيُّنا الذي يعيش الآخر أو يقتات عليه؟ هل نحن الذين نعيش الحياة – أي أننا نُمارس عملية الحياة؟ أم إن الحياة هي التي تُمارس وجودها باستهلاكها لنا؟ هل كُنَّا سنعرف معنى الموت ونخافه، لولا الحياة؟ هل الصواب أن نقول: إن الوقود يَستعمِلُ النارَ ليُمارس عملية احتراقه؟ أم نقول: إن النار تعيش بِحَرقِها للوقود؟ وهل الكائنات الحَيَّة بالنسبة للحياة، سِوى الوقود بالنسبة للنار! لعل الحقيقة التي لا يُريد الكثيرون سَماعها، هي أن الحياة البشرية في جوهرها ليست سِوى قيمة افتراضية، يحملها خيال شارد، تُطارده أفكار تائهة، بين فضاءات معدومة المعالم مجهولة الاتجاهات والنهايات! إنه وبالرُغم من البشاعة التاريخية التي باتت تُطوِّق مفهوم الانتحار في الثقافات البشرية، إلا أن الانتحار في جوهره، هو قرار عقلاني منطقي، يؤدي إلى تجاوز مراحل معلومة، والقفز مباشرة إلى النتيجة المحتومة! لعل العاطفة والوهم، هي سحر الحياة ووسيلتها الناجحة، لإقناع ضحاياها بالاستمرار في الاحتراق حتى آخر رمق! (العاطفة = الضعف)، (الأمل = الوهم)!

 الإنسان هو الذي صنع الإبرة والكبيوتر والطائرة، لكنه لا يستطيع فعل ما تفعله هذه المصنوعات! فهل خلق الإله الكائنات الحية، لكي يُمارِس بها عملية الموت، على اعتبار أنه لا يستطيع ممارسة الموت بنفسه (لا يستطيع أن يموت)؟ يُراد للإنسان أن يعتقد بأن الحياة نعمة، وأن من واجبه شكرها، والامتنان لمن منحه هذه النعمة! لكن هل يصح احتساب الحياة نعمة على كل البشر، وهي التي ينعم بها عمليًا 10% منهم، على حساب 90% ؟ حيث إن استحقاقات البقاء، قد أوصلت البشر إلى الرضوخ والقبول بهذه المعادلة التفضيلية القبيحة الظالمة..، فلا وجه للمقارنة بين المدير وعامل النظافة لديه، أو بين الرئيس وسائقه وحارسه، وبين أرباب العمل والعاطلين عن العمل، في حين أن وجود هذه العناصر ضروري في معادلة البقاء البشري! أم هل يمكن أن يكون قبول الإنسان بالحياة وفق هذه المعادلة، هو خطؤه القاتل، حيث يُعدُّ مخالفة صريحة لأمر إلهي، وذلك بتنازل الإنسان عن كرامة يشعر بها – ربما يكون قد أوجبها له خالقه؟ أم إن الحياة هي معاناة، وأنه يوجد خالق سيُكافئ الإنسان على قبوله بها؟ وهل – بهذا المعنى – تكون معاناة الإنسان في الدنيا شرطًا من شروط استحقاق مكافأة إلهية، أو ربما يكون حصول المعاناة هو السر والغاية والمقياس والأساس في الوجود البشري؟ لكن أليست النظرة البدائية والمقياس البشري ظاهرين في هذه المعادلة؟ لماذا علينا أن نفترض أو نُصدِّق بأن الإله بحاجة لمعاناتنا لكي يُكافئنا؟ لماذا لا نتساءل؟ لماذا علينا أن نعتقد بأن الإله ظالم إلى درجة أنه يُعاقِب على السؤال أو على الجهل؟ هل عجزُنا عن تبرير وجودنا، يُبرر لنا تجاهل المنطق والمعقول؟ ماذا نقول عن الأب الملياردير الذي لا يمنح أبناءه المال إلا بعد تعذيبهم؟ أليس الصواب أن نقول إننا لا نعرف الحقيقة، بدل أن نفترض وجود إله خلف معاناتنا، ونقول عنه ما لا نستطيع إثباته وترفضه عقولنا وفطرتنا؟ هل يمكن أن تكون الحياة عبارة عن كَمٍّ من الأخطاء وحِزمةٍ من المعاصي، فهي عبارة عن نِتاج طبيعي وحتمي للخطيئة الكُبرى التي يستهجنها الإنسان ويستقبحها، ثم يُمارسها ليلتقي عندها العاقل بغيرالعاقل..، وأنه كان على الإنسان أن يرفضها احترامًا للعقل، وإثباتًا لتميُّزه بالوعي والحياء عن سواه! وبالتالي يكون القبول بالحياة هو الخطيئة التي يدفع جُل البشر فاتورتها اليوم بوضوح كبير، وأنهم في الحقيقة جميعًا يحملون لعنتها، وأن قدرة الأقوياء منهم أو شواذ القاعدة على مقاومتها بدرجة محدودة، لا تنفي حقيقة وقوع اللعنة بهم، وإن بدا وكأن بعض البشر يحملون وزرها دون غيرهم! وأن هذا هو السؤال وذاك هو الامتحان! وبذلك فإن المنتحرين سيُكافئون على رفضهم للخطيئة، ويُعاقب الآخرون على قبولهم بها! وأن تعاسة الضُعفاء وبؤس الفقراء اليوم هو عقاب لهم على إصرارهم على ارتكاب الخطيئة والاستمرار بها – رُغم عدم امتلاكهم لمقوماتها-، وعلى رفضهم للعِفة والبراءة رُغم حَمْلِهم لمبرراتها! وأن دليل ذلك هو عدم مقدرة البشر بمختلف مستوياتهم ومعتقداتهم، على تفسير أو تبرير المعاناة والمآسي والآلام التي تحدث في مملكة يُفترض أنها إلهية، وذلك في ظل إيمان الجميع واتفاقهم على وجوب عدل الإله، وعلى أنه ليس بحاجة لآلام المخلوقات كي يُثبت قدرته وقوته وعظمته لذاته! 

 هل توجد ساحة يتفوق فيها المخلوق على الخالق؟ إن الإنسان يصنع الأدوات والمعدات التي تفعل ما لا يستطيع هو فعله بدونها! فهل تكون المخلوقات هي أدوات ومعدات الخالق، التي تفعل أو يفعل هو بواسطتها ما لا يُمكنه فِعله بدونها؟ ويكون ذلك هو سبب وجود المخلوقات؟ لا شك أن مثل هذا الطرح مرفوض حتى من قبيل المُزاح أو الخيال؛ وسواء كان الطرح سؤالاً أو وجهة نظر، فهو مرفوضٌ لدى المؤمنين بإله الأديان أو إله البشر! مرفوضٌ لدى أولئك الذين يُجاهرون بمعاداتهم للعقل والفكر والفلسفة، رُغم أنهم يعتقدون بأنها مُعطيات يهبها الإله الذي يؤمنون به، لمن يشاء من خلقه! لكن جَرَت العادة أن يرفض هؤلاء كل ما لا يفقهون، مع أنهم هم ذاتهم الذين يأمرون البُسطاء بالطاعة العمياء– في أمورٍ لا يفقهها البُسطاء! إنهم يُجاهرون بعدائهم للعقل والفكر والفلسفة، لأنها ساحاتٌ يمكن أن تظهر فيها الحقيقة بأكثر من صورة! وهُم لا يُظهرون معاداتهم للعِلم صراحةً – رُغم أنها مؤكدة -، حيث إن العِلم يُخالف معتقداتهم ويدحض مزاعمهم ويكشف أوهامهم..، وذلك لأن الحقيقة في ساحة العِلم ليست لها إلا صورة واحدة لا يمكن نكرانها أو حجبها ولا تجاهلها! ويتجاهلون أو يجهلون أن منتجات العِلم ليست سوى النِتاج العملي المادي لطاقات العقل والفكر والفلسفة، التي يرفضونها ويعترفون بصحة نتائجها – على مضض! هذا الطرح مرفوضٌ لدى أولئك الذين يضعون أنفسهم في مقام الدفاع عن الإله ضد مخلوقاته، أي ضد مشيئته، وهُم في ذات الوقت يدعونه طالبين منه النصر والتوفيق في حربهم الأبدية ضد إرادته، وذلك في مشهدٍ قوامه المفارقة التي لا يمكن فهمها أو تفسيرها إلا في سياق بحث العاجزين عن دور معدوم! هل هنالك ساحة يتفوق فيها المخلوق على الخالق وجوبًا؟ لعل الرافضين يستخدمون العقل والمنطق في رفضهم لهذا الطرح، وهم الذين يرفضون الاحتكام إلى العقل والمنطق، ويحتكمون إلى الهوى والخيال، بما يُحقق اعتقاداتهم المُسبقة، في ساحات أُخرى! لكن الأمر قد لا يكون مُزاحًا..، عندما يكون الحديث عن ساحة الموت! فلا أحد يمكنه القول بأن إلهًا يمكن أن يخوض تجربة الموت عمليًا، وهي التجربة التي تَمُرُّ بها المخلوقات! فهل نكون مخطئين حين نقول بأن المخلوق بموته يفعل ما لا يستطيع فعله إله؟ فأيٌّ يكن كُنه وشكل وعظمة وغموض السر الذي أوجد الحياة (الخالق)، فإنه لا يمكن له أن يكون قد مَرَّ بتجربة الموت! ولعل هذا هو السبب في إيجاد الحياة والأحياء! فإذا كان الإله أو الخالق هو عبارة عن حياة أزلية لم تعرف الموت ولا يمكن أن تخوض تجربته، فإن سبيله إلى إدراك كُنه الموت، يكون ببَثَّ الحياة في غيره، ومن ثَمَّ تجربة الموت خارج ذاته! إن الإنسان يمكنه أن يتصوَّر ويتخيَّل طبيعة الموت، لكن الأمر يبقى في إطار التصور والخيال، والذي قد يقترب وقد يتطابق مع حقيقة الموت، وقد يكون بعيدًا عن الحقيقة كل البُعد! لكن، وبغض النظر عن طبيعة وحقيقة الموت البشري الثقافي الاجتماعي التقليدي، فإن الموت الذي نقصده هنا هو الموت بمعنى زوال الذات من الوجود بتفككها إلى مكوناتها الأساسية، الأمر الذي يحول دون استعادة الذات لوجودها؛ وهو الموت الذي لا يمكن أن تعود بعده الحياة للميِّت إلا بتدخل خارجي ويكون حينها مخلوقًا جديدًا – صورة وليست أصلًا– وإن تطابقت مواصفاته مع الأصل..، وهو الأمر الذي يمكن أن يفعله الإنسان مع أدواته ومعداته، ويمكن أن يفعله الخالق مع مخلوقاته، ولكن لا يمكن أن يفعله أيٌّ منهما مع ذاته! فهل تكون الحياة ساحة يُمارس فيها الخالق تجربة الموت! ويكون بالتالي الموت هو السبب الذي من أجله وُجِدت الحياة، ليتفوَّق المنتحرون مرة أخرى بأنهم لم يتهربوا – كغيرهم – من التجربة التي خُلِقوا لأجلها! 

 حقيقة الوهم والخيال وشُبهة التوق الفطري للمعرفة.. التوق الفطري للمعرفة لدى الإنسان، هو حقيقة، لكن استعمالها لوصف وتبرير محاولات الإنسان التكهُّن بما لا يعلمه استنادًا لما يعلمه، هي مُغالطة تُحيل حقيقته إلى شُبهة! فالفرق شاسع بين المعرفة والوهم والخيال. فإذا كان الخيال هو أن يتصور الإنسان وجود ما لا وجود له، انطلاقًا من أو بناءً على ما هو موجود! فقد يكون الخيال حدسًا، وقد يكون خطوة أولى على طريق المعرفة؛ لكن الوقوف عند خطوة الخيال، والبناء عليها قبل بلوغ المعرفة، هو ما يُنتج الوهم..، والوهم هو الانحراف عن طريق المعرفة! فالخيال ساحة وميدان للتجارب الفكرية، هو ساحة حقيقية واقعية، تُمكَّن من يمتلكها من محاكاة المستقبل وما قد يكون قبل أن يكون! لكن الخيال ليس ساحة مادية، والوهم يحصل هنا، حيث لا يُفرِّق البعض بين الساحة الفكرية والساحة المادية! الوهم هو اعتماد نتائج التجارب الخيالية، وتطبيقها على الساحة المادية، وفرضها كواقع – قبل تحققها بالفعل! أما المعرفة فهي ما يُمكن إثباته عن الأشياء دون لبس. ولذلك تُنتِج المعرفة المسئولية ذاتيًا لدى العارفين! بينما الوهم، فهو كالنظرُ إلى خارج الحجرة من خلال نافذة مغلقة، ولذلك فإن المسئولية المترتبة على نتائج الوهم، لا تكون ذاتية، ولا يشعر بها الأشخاص الطبيعيون، بل يقتصر الشعور والالتزام بها على الضعفاء الذين يُعانون من الرُهاب الناجم عن أو المُصاحب لعقدة الجهل المفترض أو الذنب المختلق أو المسئولية المحتملة! 

 الإنسان بين المسئولية والترف المعرفي وعقدة الجهل المفترض.. تقول الفلسفة والمنطق والفكر والعِلم: إنه من البديهي ألا يتردد الإنسان في إثبات وجود كل ما تُدركه حواسه، من أشياء موجودة بالفعل داخل حجرة – حيث يتواجد الإنسان! كما أنه من الطبيعي أن يُدرك الإنسان من خلال نافذة مفتوحة وجود أشياء خارج الحُجرة! لكن، لا يمكن للإنسان أن يُدرك ما هو خارج الحُجرة عندما لا توجد نافذة يُطِلُّ منها، أو عندما تكون النافذة مُغلقة! فإذا كان إنشاء نافذة أو فَتْحُ المُغلقة، أمرًا خارجًا عن إرادة الإنسان و يفوق طاقته، صار وجود الأشياء خارج الحُجرة كعدم وجودها بالنسبة للإنسان! وصار الحديث عن علاقته بها أو مسئوليته عنها، أو خوفه منها أو سعادته بها، صارت كلها ضروبًا من التكهن والفرضيات والترف المعرفي، والتي تفتح أبواب التَوَهُّم، ولا يمكن أن تخلق طمأنينة ولا أرقًا لدى العاقل، ولا تترتب عنها مسئولية – إلا بقدر ما تستهلكه من جُهدٍ وزمن! كذلك هو الحال مع إدراك الإنسان لما هو موجود بالفعل داخل الحُجرة من أشياء لا شك في وجودها، فإن ذلك لا يُلزمه الخوض والبحث في تفاصيلها، إلا بقدر ما يحتاجه من معرفةٍ بها تُمَكِّنه من التعامل معها والاستفادة منها واجتناب سلبياتها، وبهذا المعنى يكون ربط الإنسان لما يعلمه بما لا يعلمه، هو من باب التعبير عن وجود عقدة الجهل المفترض