face like

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

الصفحات

الثلاثاء، 19 يناير 2021

الإسلاميون .. من هم، ماذا يريدون، ولماذا؟

0 تعليق





كأنه لم يعد يكفي الإنسان أن يكون مسلمًا ..

بل وجب عليه اليوم أن يكون إسلاميًا ..

مسلم يعني إنسان يعتنق الإسلام لنفسه!

إسلامي يعني إنسان يفرض رؤيته وفهمه للإسلام

على غيره من المسلمين بالقوة لا بالحُجَّة!

لطالما رفض المسلمون القول بأن الإسلام قد انتشر

بالسيف!

لكن الإسلاميين اليوم ينشرون ويفرضون إسلامهم

بالبنادق والمتفجرات على المسلمين أنفسهم!

في الأصل كانت النظرية الإسلامية تقول بأن الإنسان

يعصم دمه وماله من المسلمين بدخوله الإسلام ..

لكن اليوم لم يعد دخول الإسلام وحده كافيًا لحفظ حرمة

الإنسان، بل أصبح على المسلم فردًا ومجتمعًا، لكي

يعصم دمه وماله من أي جماعة إسلامية، أن يدخل

الجماعة أو أن يُظهر التزامه بفكرها وفهمها الخاص

للدين ولو نفاقًا!

بحسب كل الشرائع التي عرفتها البشرية، المبرر

الوحيد لمعاقبة الإنسان هو اعتداؤه على حقوق غيره،

إلا في شرائع الإسلاميين، فإن معاقبة الإنسان واجبة

حتى إذا أخطأ في حق نفسه ..، وهذا يتنافى مع مبدأ

التكليف أساسًا ..، فلا فرق عند الإسلاميين بين العاقل

وغير العاقل، أو بين البالغ وغير البالغ ..، فالكل تحت

وصايتهم ..، فلا أحد يعرف الصواب سواهم!

لعل الفائدة الوحيدة التي يجنيها المسلم من هذا الواقع

المريع، هو أنه لم يعد بحاجة للخوف من حساب يوم

القيامة، فهو ليس أهلاً لحمل الأمانة بحسب فقه هذه

الجماعات الإسلامية، بدليل أنه خاضع لمراقبة بشرية

مستمرة ..، وكل ما يحتاجه المسلم ليستمتع بالمحرمات

ويظل إيمانه صحيحًا، هو أن يخدع البشر القائمين على

هذه الجماعات، وهو الأمر الغير ممكن في حال كان

يحمل مسئولية إيمانه بنفسه، ويخضع لمراقبة ضميره!

أما أن يكون الإنسان غير مؤتمن على إسلامه وإيمانه،

وفي ذات الوقت محاسبًا عليهما يوم القيامة، فهذا أمر

مخالف للفطرة والمنطق والعقل، وإذا قيل به فهو مدعاة

للتشكيك في الموضوع برمته!

ومن هنا فإن الإسلامي هو كل مسلم يستعمل الدين

وسيلة لاختلاق وظيفة قيادية له، على حساب المسلمين

الآخرين!

إن الصواب هو أن تُثبت لي بأن إسلامك صحيح وأن

إيمانك مقبول عند الله، لكي أُسلمك أمر علاقتي بالله ..

وهذا غير ممكن إطلاقًا ..، فلا أحد يمكنه برهنة إسلامه

وإثبات صحة إيمانه!

لذلك فإن الذي يحصل الآن هو أن الإسلاميين يفرضون

على غيرهم من المسلمين، الإيمان بصحة إيمانهم هم،

وليس الإيمان بالله!

الإسلاميون لا يدعون الناس إلى الإيمان بالله، إنما

يبحثون عن سبيل لتكفير المؤمنين بالله، لكي تكون

لهم وظيفة قيادية، هي ممارسة الوصاية على الناس

بدعوى محاربة الكفر!

لو كانت غاية الإسلاميين هي محاربة الكفر، إذن لبحثوا

عن الملحدين فقط ..، رغم أن ذلك ليس من حقهم أيضًا،

وليس في صالحهم، لأن حُجَّة الملحدين أقوى منطقيًا!

لكن، ما يقوم به الإسلاميون هو فحص إيمان المؤمنين،

وهو الحق الذي لم يُمنح حتى للرُسُل ..، لأن الأديان

جاءت لتكون حُجَّة على البشر لا لتجعلهم ملائكة!

الإسلامي ليس رسولاً، وليس معصومًا، لكنه يمنح نفسه

حق تكفير الآخرين، ولا يتوقع ولا يقبل من الآخرين

تكفيره!

البسطاء والضعفاء من الناس لا يجرؤون على تكفير

الإسلامي، وذلك جهلاً بما يقوله أو خوفًا على الحياة!

الإسلاميون يستعبدون الناس مستغلين الحاجة النفسية

للدين لدى البُسطاء والضعفاء ..

وبذلك، سيكون هناك إسلاميون يصنعون مأساة إنسانية

باسم الدين، طالما كان هناك أناس ضعفاء وعديمو

المعرفة ..

العمود الفقري للضعف هو الفقر المادي – المالي ..

وأما درجة المعرفة المطلوبة لمُحاجَّة الإسلاميين، فهي

ليست بالضرورة تلك المعرفة التي تُمكِّن الإنسان من

احتواء واستيعاب فلسفة الأديان وتاريخها، إنما فقط تلك

الدرجة المحدودة من المعرفة والتي تُمكِّن الإنسان من

إدراك حقيقة أن إيمان المُكرَهين لا قيمة له حتى لو كان

صحيحًا!

الناس يؤمنون بالله بسبب حاجتهم هم للإيمان، وليس

بسبب حاجة الله لإيمانهم ..

وإكراه الناس على الإيمان، لا يكون صحيحًا إلا أن يكون

الله هو المحتاج لإيمان الناس به ..، وهذا هو تفسير ما

يفعله الإسلاميون!

الإسلام حرَّم التجسس، ليمنح الإنسان فرصة لممارسة

ما يشاء في خلوته، لكي لا يضطر لممارسته على الملأ

وتكون فتنة ..

لكن، تحريم التجسس قطع الطريق على الإسلاميين

المهووسين بالسيطرة على الناس، فأراد الإسلاميون

الالتفاف على تحريم التجسس، فابتدعوا تشريع المراقبة

المستمرة للبشر، مع محاولة حرمان الإنسان من امتلاك

كل ما يمكن أن يستعمله للترفيه في خلوته .. وذلك باسم

تطبيق الشريعة!

معلوم أن ما يُعرف بتطبيق الشريعة أو تطبيق شرع الله،

مكانه المحاكم وليس الشوارع – حيث يعمل الإسلاميون!

وتطبيق الشريعة هو تطبيق القانون، وهو المطلوب

عند حصول مشكلة وليس لخلق مشكلة!

ما يفعله الإسلاميون هو استعمال مفهوم تطبيق

الشريعة لأجل خلق مشكلة، حيث يقول الإنسان عن

نفسه بأنه مسلم مؤمن، وهم يقولون عنه كافر ..،

القانون سواء ديني أو علماني، يتم تطبيقه بين

متخاصمين، ولا يصح تطبيقه على فرد دون حدوث

مشكلة - كما يريد وكما يفعل الإسلاميون!

ما يبحث عنه الإسلامي في الواقع، هو إشباع غروره

البشري الوهمي!

ما يحرك الإسلامي في الخفاء، هو فزعه من الفراغ

الحقيقي الماثل في حياة جُل البشر ..

هذا الفراغ الماثل في حياة جُل البشر، هو ذاته السبب

في هروب البشر أمام الإسلاميين ..

الفراغ في حياة البشر يتمثل في عدم معرفتهم لحقيقة

الوجود وأسراره!

البشر يتمسكون بالأديان باعتبارها الساتر الوحيد

المتاح، الذي يمكنهم الاختباء خلفه، كمحاولة لتجاهل

وجود فراغ معرفي أمامهم .. تجاه الوجود والحقيقة ..

في الواقع، الأديان لا تُخفي الفراغ المعرفي ولا تزيله

من حياة البشر، ذلك لأن سؤال الفراغ منطقي، بينما

جواب الأديان عقائدي ..

الجواب العقائدي لا يستمد قدرته على البقاء من الحقيقة

والمعرفة، إنما فقط من خلال مخاطبة عواطف البشر ..،

علاقة الإسلاميين بالمعتقدات معكوسة، فهم يحمونها

بدل أن يحتموا بها ..، وذلك إما لأنهم لا يفقهونها، أو

أنهم ليسوا واثقين من صمود حُجتها أمام الفكر!

إن جُل البشر لا يجرؤون على فحص معتقداتهم بالعقل

والمنطق، وذلك خشية أن تكون مزيفة، فتنهار ويجدون

أنفسهم أمام الفراغ وجهًا لوجه ..

وهذا الفزع من مواجهة الفراغ المعرفي، هو أهم أسباب

ظهور الإسلاميين المتشددين المتطرفين دينيًا، حيث

إنهم يعملون على قتل الحريات الفكرية في أرحامها

وليس في مهودها، وذلك خشية أن تؤدي الحريات

الفكرية إلى فحص حُجَّة المعتقدات عقليًا ومنطقيًا،

مما قد يُظهر ضعفًا كبيرًا في حُجة المعتقدات الدينية،

ويضعهم أمام الفراغ المعرفي الذين يخشون الوقوف

أمامه!

لكن، الواقع أن الأحجام الخرافية للآمال، والصور

الأسطورية للأهوال، التي ترسمها المعتقدات في مخيلة

البشر، هي التي تجعل الفراغ يبدو مخيفًا مرعبًا، ما

يدفع جُل البشر للتمسك بمعتقداتهم مهما تكن سذاجتها

سافرة ..

أما حقيقة الوجود فهي غير ذلك قطعًا!

إن تمسك جُل البشر بمعتقداتهم لا يستند إلى قناعة

راسخة، إنما هو التعصب للموروث إلى حين إيجاد

البديل المنطقي، بدليل أنهم يشترطون المنطق عند

الحديث عن البديل، بينما يتجاهلون المنطق عند دفاعهم

عن معتقداتهم!

الخميس، 7 يناير 2021

يستنسخون أفكارهم ويتوقعون نتائج مختلفة!

0 تعليق


البشر يُعيدون إنتاج ذواتهم بصور مشوَّهة، ويُعيقون التطور الطبيعي للوعي البشري، عبر الأكدمة!
الأكدمة – من الأكاديمية، ويُقال إن كلمة أكاديمية أصلها يوناني، ومنسوبة للمكان الذي كان يُلقي فيه أفلاطون محاضراته أو دروسه الفلسفية على تلامذته، ثم استمر تلامذته من بعده وتوارثوا استعمال ذات المكان لذات الغرض لعدة قرون من الزمن (يُقال 9 قرون)، وأن ذلك المكان هو عبارة عن حديقة أو بُستان يُسمَّى أكاديموس، يقع بإحدى ضواحي أثينا القديمة، وأكاديموس هو اسم أحد الآلهة قديمًا؛
معلوم أن مفهوم أكاديميات في عصرنا الحاضر، يعني مؤسسات التعليم العالي!
والأكدمة في مجال العلوم الطبيعية التطبيقية (كيمياء، هندسة، طب، ..الخ)، تعني إخضاع الأشياء والأفكار لبروتوكولات علمية (مستويات تعليمية، بحوث ودراسات متخصصة، تجارب ونتائج محددة ومؤكدة، وفق معايير معينة، تؤهل للحصول على شهادات جامعية)!
العلوم الإنسانية = الفلسفة، الأدب، التاريخ، اللغات، العلوم السياسية، علم الاجتماع، علم النفس، ..الخ!
التاريخ البشري، مجهول التفاصيل ومشكوك المعلومات وشحيح البيانات؛ والمستقبل، مجهول الأحداث والنتائج؛ والحاضر، متغير في كل لحظة!
اللغة متجددة، واتفاق الأطراف على مدلولات ألفاظها أهم من أصول مدلولات ألفاظها!
السياسة متجددة، ولا يمكن جمع خيوطها ولا التحكم والتنبؤ بمعطياتها، وما يُكشف منها لا يتكرر لكي تسمَّى عِلمًا!
وبهذا المعنى تكون الأكدمة في مجال الإنسانيات (العلوم الإنسانية)، تعني إخضاع المجهول المتجدد، لمعايير معروفة وثابتة، أو تجارب سابقة لها ظروفها ومعطياتها الخاصة!
المجهول المتجدد هنا هي ماهية الإنسان!
ولأن الأكدمة تعني التعليم، والتعليم يعني التوجيه والتقليد، لذلك أقول إن الأكدمة تعني استنساخ الأفكار أو توجيه الوعي؛ وهذا يعني إنتاج قيادات بشرية مشوَّهة – مُقلَّدة نسبيًا، .. أي غير طبيعية أو غير طليقة التفكير!
إن سلوك الإنسان خاضع لمزاجه، وليس العكس!
ومزاج الإنسان خاضع لمعطيات وظروف لا إرادية!
إنه ليس الآخرون وحدهم عاجزين عن تقييم الإنسان، بل إن الإنسان ذاته لا يمكنه تقييم ذاته إلا وهو في صميم المواقف!
ولعل الأهم والأوضح من ذلك، هو أنه إذا كان الإنسان الفرد لا يتكرر، فإنه لا معنى ولا قيمة لوجود أكاديميات تمنح شهادات (علمية) في المجال المعروف مجازًا بـ"العلوم الإنسانية"!
ولا يمكن تبرير وجود هذه الأكاديميات، إلا لاستنساخ الفكر البشري، بُغية الحد من التطور الطبيعي للوعي البشري، والهدف هنا يكون هو السيطرة على الإنسان، بخلق وجود بشري حسب رغبة ورؤية القادرين والقائمين على هذه الأكاديميات أو من يقف خلف الفكرة!
وفي الواقع، يمكن تسميتها بأكاديميات حصر الأنماط أو السلوك أو التجارب البشرية السابقة، أو أكاديميات الاحتمالات، أو غيرها، لكن ليس أكاديميات علوم إنسانية، لأن هذه التسمية لا يمكن إلا اتهامها بعدم الأمانة العلمية!
إذا كان المفكر أو الفيلسوف، لا يُقبل منه إلا ما هو جديد وغير مكرر، وغير معروف مسبقًا لغيره ولا له هو ذاته، إذن من الذي يكون مؤهلًا لمنحه شهادة مفكر أو فيلسوف، سوى الواقع! .. وكذلك هو الحال مع الأديب والشاعر وكل موهوب، وكل إنسان طبيعي غير مكرر، والواقع أن كل البشر الطبيعيين هم غير مكررين بالضرورة!
والأهم مما سبق، هو أن منح شهادة أكاديمية لشخص ما في هذا المجال، معناه نزعها عن الآخرين، وهذا أمر غير واقعي وتعوزه الأمانة والإنصاف..، فلا شك أنه يوجد بين عامة البشر من هم أقدر وأبلغ وأكبر موهبة من هذا الأكاديمي – المحظوظ أو المغشوش أو المدسوس أو المُجنَّد – بعلمه أو بدون علمه!
لكن، ربما الأهم من كل ما سبق، هو أن نُدرك ونعترف، بأن الأكاديمي هو إنسان غير حر التفكير، أي أنه غير طبيعي، لأنه خضع لتوجيه فكري – كتحصيل حاصل للبروتوكولات والمناهج التعليمية الأكاديمية، وهو بذلك لا يستحق أكثر من لقب مُقلِّد، فإن كان ماهرًا استحق لقب مُقلِّد بارع، لكن لا شيء أكثر من ذلك!
إنه علينا أولاً تصحيح المغالطة المسماة: "علوم إنسانية"، لأنه لا وجود للعِلم هنا، ولتصبح: "تاريخ بشري" أو "أخلاق بشرية" أو "سلوك بشري" أو "صور إنسانية" أو "نماذج بشرية" أو "أمثلة إنسانية" أو "وقائع إنسانية"، أو ما شابه (على افتراض أن إنسان = بشر، أو أن البشر متساوون، وهذا غير دقيق)، لكن المهم أن يعكس الاسم المُسمَّى كما هو في الواقع، لا كما في مخيلة من يُطلقون التسميات ومن يُرددونها دون اعتبار لعدم واقعيتها، ومن يَدرسونها ومن يُدرِّسونها أو من يعتاشون عليها، أو من يقف خلفها!
إننا بحاجة فقط للتوقف عن تشويه وعي الإنسان، وحينها لن نكون بحاجة لإهدار الوقت في محاولات غير مجدية لفهم سلوكه، من أجل محاولات لا نهائية لتفسير الظاهرة الإنسانية!
يؤخذ على المعتقدات الدينية بصفة عامة، أنها تمنع التفكير وتحد من الحرية ومن التواصل البشري، لكي تبقى هي، حيث لا مكان لها لدى الإنسان، إلا أن تحل محل التفكير والحرية والمعلومة؛
وبذلك كانت المعتقدات سببًا في إحداث اختلافات ثقافية وإعاقات فكرية، حالت دون التجانس البشري من حيث المعتقدات والعادات والأعراف والوعي والإدراك!
لكن في الواقع، المعتقدات الدينية عبارة عن جزء من هذا الكل المعروف بالأكدمة!
إن وضع قواعد جامدة للغة، وتحديد بحور وضوابط للشِعر، وضوابط لكتابة القصة والرواية، وضوابط للاجتهاد الفقهي، …الخ، هذه كلها أكدمة لا معنى ولا أساس منطقي أو طبيعي لها..، إلا إذا كانت هذه الضوابط والقواعد اللغوية قد وُجِدت كمُعطيات طبيعية كونية ثابتة، سابقة للبشر أو مستقلة عنهم، وليست صناعة بشرية!
والواقع، أنها صناعة بشرية – كان يمكن ألا توجد وكان يمكن أن يوجد غيرها -، وقد أوجدتها التلقائية البشرية الحُرة في عصور خلت، وخلت من الأكدمة..، وما هذا سوى مثال بسيط على الهُراء الأكاديمي، وقتله للإبداع وإيقافه لحركة التطور الطبيعي للوعي البشري!
مفهوم العلوم الإنسانية، هو من المغالطات الأكاديمية الشائعة، حيث لا يوجد شيء في الواقع والطبيعة اسمه علوم إنسانية، إنما توجد معطيات وظروف وأحداث إنسانية لا تتكرر، ووعي بشري متطور باستمرار، يُنتج تفكيرًا متجددًا، يختلف من فرد لآخر، من مكان لآخر، من زمان لآخر، ومن ظرف لآخر!
الأكدمة في مجال الوعي البشري (العلوم الإنسانية)، معناها توجيه وتصنيع الفكر البشري، وليس معناها تعليم البشر!
الوجود البشري الطبيعي، يمكن تحقيقه بالاكتفاء بتعلم القراءة والكتابة، ليستعملها الوعي كحاسة إضافية يتميز بها البشر عن غيرهم، وحسب!
التعليم الأكاديمي معناه عرقلة الوعي وتوجيه التفكير وتلويث العقول الجديدة بمنتجات قديمة مستهلكة!
عربيًا، التركيز على حَرفيَّة اللغة، بما يؤدي إلى تخطئة ونقد الكُتَّاب والناطقين – لغويًا – رغم وضوح المعنى واكتمال الصورة فيما يقولون وما يكتبون..، أدى بهم إلى هجر اللغة، وإنتاج لغات بديلة موازية، وإلى السخرية من قواعد اللغة الأم التي مُنِعوا من تطويرها، ولم تستطع هي منعهم من التطور وتجاوزها بدافع التخلص من عُقدة الأكدمة التي تريد إجبارهم على التوقف، وإضاعة الأعمار المحدودة، في إتقان ما أُنتج في عصور سابقة، بدل التقدم إلى الأمام، وإنتاج ما يواكب العصر، بحيث يكون الأساس هو حصول التواصل والتفاهم والتكامل، وليس التقليد والتنافس والتفاضل!
اتفاق غالبية البشر على رفض الأكدمة اللغوية، باستحداث لهجات محلية، هو دليل قاطع على عدم صواب وعدم تلقائية الأكدمة!
اللغة هنا مجرد مثال بسيط، فالإنسان لم يهجر اللغة فحسب، بل هو بطبيعته مستعد لهجر أقرب الناس له أو حتى قتلهم، إن هم أعاقوا تطوره الطبيعي، بل هو مستعد لقتل الحياة في جسده، إن هي منعته من التطور وأجبرته على التوقف!
إن كل ما هو غير طبيعي، لا يمكنه التواجد بشكل طبيعي، لأن من مسلمات قوة الطبيعة القاهرة أنها ترفض وتقاوم ثم تُدمِّر كل وجود ينحرف عن قوانينها..؛
وجُل البشر الفاعلين اليوم هم صناعة بشرية أكاديمية (رجال دين، سياسيين، مسئولين، مثقفين، إداريين، محللين، مفكرين)، ..أي أنهم غير طبيعيين، ولذلك بات الوجود البشري مُهدَّدًا ومُحارَبًا طبيعيًا، وسيظل مضطربًا فاقدًا للاستقرار، إلى أن يتناغم مع قوانين الطبيعة أو تُدمِّره الطبيعة!
هناك فرق كبير جدًا، بين أن تموت وأنت مقتنع بالموت، وبين أن تموت وأنت رافض للموت خائف منه!
إن أكدمة الوعي البشري، هي عبث ترفضه الطبيعة، لأن الأكدمة عبارة عن إعاقة للتطور الطبيعي!
ولأن التطور الطبيعي أمر حتمي، لذلك فإن منع الوعي البشري من التطور الطبيعي مرحليًا، يؤدي به إلى القفز الفجائي في مراحل لاحقة، لتعويض المراحل الفائتة – التي كان ينبغي أن يقطعها تدريجيًا عبر التطور الطبيعي!
ما نشاهده من ظواهر تبدو لنا غريبة، ونعتبرها غير طبيعية، كزواج المثليين، وما يُعرف بالتوحُّد – مثلاً، هي تطور طبيعي عبر القفز الفجائي، وهي كذلك تعبير عن رفض ومحاربة الطبيعة للوجود البشري الأكاديمي – غير الطبيعي، ولعلها بداية لتدميره بواسطة الطبيعة، لأنه حاد عن القواعد الطبيعية للوجود، وذلك بمنعه للتطور الطبيعي التدريجي السلس!
إن المبالغة في التعامل مع أي شيء، تدفعه لإظهار وجهه الآخر!
المبالغة في تنظيف الطلاء، تؤدي إلى ظهور ما خلفه من خشب أو معدن أو صخر، ما يعني تشويه المشهد بشكل جذري، بما هو أكثر من مجرد الغبار الطبيعي!
أزعم أن المبالغة في التواصل والترابط والتعارف الاجتماعي، أدت إلى ظهور التوحد، كوجه آخر للسلوك البشري، وكردة فعل تصحيحية أو تدميرية من الطبيعة!
وأجزم بأن المبالغة في المدح النظري الزائف للأخلاق الحميدة والتقديس الافتراضي للحُرمة البشرية، أدت إلى التعري واغتصاب الأطفال والمحارم، كوجه آخر للسلوك البشري، وكردة فعل تصحيحية أو تدميرية من الطبيعة!
المبالغة في قولبة الأسرة، وتحميلها مسئولية غير واقعية، وتقديس وتعظيم وتقييد الزواج التقليدي، أدت إلى ظهور زواج المثليين، كوجه آخر للسلوك البشري، وكردة فعل تصحيحية أو تدميرية من الطبيعة!
الزواج التقليدي حسب العقيدة المسيحية التي تمنع الطلاق، هو عبارة عن مخالفة صريحة لقوانين الطبيعة في الإنسان، وذلك بإكراهه على التنازل عن العقل والوعي والمنطق، كمهر للزواج (المقدَّس)!
الزواج التقليدي حسب العقيدة الإسلامية، هو عبارة عن مخالفة صريحة لقوانين الطبيعة في الإنسان، وذلك بإكراهه على القبول بالسجن المؤبد مع الأشغال الشاقة، كمقابل للزواج!
إن كل ما يُقال وما يُكتب (محاضرات، مؤتمرات، برامج، كتب، مقالات)، في مجال الإنسانيات (العلوم الإنسانية)، هو عبث وتشويه متعمد للفطرة والطبيعة البشرية، أو هو جهل بخصوصية الكائن البشري، ما لم يكن عنوانه يُشير بوضوح إلى أنه مجرد حديث عن معطيات ووقائع بشرية سابقة، لا عن علوم إنسانية!

الثلاثاء، 5 يناير 2021

مَنْ هُم أهل الذِكر ومَنْ الذين لا يعلمون؟

0 تعليق

 

فاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ!
هذا النص من القرآن، يُستدل به عادة، للإشارة إلى أمورٍ ثلاثة:

الأمر الأول: أن المجتهدين والفقهاء والأئمة والخطباء المسلمين، هم أهل الذكر المعنيين في هذا النص، وأنه ينبغي سؤالهم وطاعتهم في أمور الدين ومعاملات البشر!

الأمر الثاني: أن مفهوم "الذِكر" – هنا، يُشير إلى القرآن ذاته، أو هو العِلم الذي لا يمكن بدونه فهم القرآن وتفسيره؛ وأنه عِلمٌ لا ينبغي لأحدٍ من الناس، إلا لأولئك الذين يمتلكون قدرات ذهنية فكرية خاصة خارقة، منحها الله لهم ويسر لهم السبيل دون سواهم!
وهنا في الحقيقة تبرز مفارقة كبيرة، وهي أنه حتى لو كان الأمر كذلك، فإن الاختلاف الجذري والجوهري بين الفقهاء والمذاهب والطوائف (سلفي، صوفي، إخواني، شيعي، ..الخ)، يستوجب أن يكون الإنسان العادي أفقه من كل الفقهاء، لكي يُحدد أيهم الصائب، أو أيهم المؤيد من عند الله..، فالفقهاء لا يحملون علامات أو براهين تميز المهتدي منهم من الضال – لكي يهتدي بهم الضال العادي..،
ولعل هذا هو السبب الذي جعل جُل المسلمين يتجاهلون كل المذاهب عمليًا، وهو ذات السبب الذي جعل بعض المذاهب – كالسلفيين – يضطرون لاستخدام القوة والعنف والإرهاب، لتركيع البشر لمذهبهم لا لله!
وهو ذاته الذي جعل الإخوان يسعون للسلطة لابتزاز البشر بُغية تركيعهم لمذهبهم لا لله!
فجميعهم لا يحملون آية، ولا يملكون دليلاً ولا حُجَّة تُقنع البشر..، فإذا مُنِح البشر حرية الاختيار والمفاضلة بين المذاهب والطوائف، فستسقط كل المذاهب والطوائف بين عشية وضحاها..، ولذلك انقلبت الآية فأصبحت المذاهب والطوائف هي التي تذهب للبشر، وتفرض عليهم فقهها وأفكار منظريها بالقوة والخداع وباستغلال الحاجة المادية للبشر..، ما أحال المذاهب إلى مشاريع مادية دنيوية ربحية تنافسية، وليست مجال فكري وسبيل روحي لإيصال رسالة إلهية وإخلاء ذمة بشرية!
الأمر الثالث: إشارة إلى غالبية المسلمين باعتبارهم لا يعلمون ما يعلمه أهل الذكر، وأن عليهم الاتباع والطاعة العمياء لاجتهادات وفتاوى أهل الذكر – وذلك حتى إذا أفتوا واجتهدوا بما يُخالف العقل والمنطق! .. انتهى.
ومما يوجب التوقف ويُثير التساؤل هنا، هو أنه لا وجود لهذه الإشارات الثلاث في النص القرآني – موضع الاستدلال، بالمعنى المستدل لأجله والشائع بين المسلمين..، وأن الفقهاء لا شك يُدركون ذلك، والسؤال هو:
لماذا لم يُحدد الفقهاء لعموم المسلمين، التفسير الصحيح والقصد من هذا النص، ولماذا لم يُفتوا بعدم جواز الاستدلال به في غير محله؟
إنه وحتى على افتراض أن فقهاء اليوم أو بعضهم، لا يستدلون بالتفسير الخاطئ لهذا النص، إلا أن هذا التفسير بالأساس لا شك أنه صادر عن فقيه، وينبغي أن يُصححه فقيه مثله..، فالسكوت عليه اليوم لا يختلف عن الإفتاء به أو إشاعته بالأمس!
ليس من السهل اتهام كل الفقهاء بابتداع هذا التفسير الخاطئ أو بالتستر عليه، على أساس أن السبب هو عدم وجود صفة رسمية للفقاء، تمنحهم الحق في فرض آرائهم على الناس، وعدم وجود نص آخر يحث الناس أو يأمرهم بطاعة الفقهاء!
فمن هم أهل الذِّكر، ومن هم الذين لا يعلمون، بحسب النص، وليس بحسب ما هو شائع ومستعمل في الثقافة العربية، وفي الفقه الإسلامي؟
وما هو الذِّكر؟ وهل من علاقة خاصة بين مفهوم "أهل الذِّكر"، والفقهاء!
هنا نص قرآني يقول بأن القرآن مُيسَّر للذِّكر – وليس هو الذِّكر:
{وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ }القمر17.
وهنا نص قرآني آخر يقول، إن القرآن يُحدِث الذِكر وليس هو الذِكر ذاته: {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً }طه113 .
هنا نص قرآني يقول إن عدم القدرة على فهم القرآن هي عقوبة خاصة بالذين لا يؤمنون بالآخرة، وليس بالعرب أو بالناس أجمعين: {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً }الإسراء45 . {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً} الإسراء46.
فإذا كان القرآن غامضاً وفهمه عصياً حتى على العرب المسلمين؛ فما ذنب الأعاجم من غير العرب وغير المسلمين؟
وما السبيل لمن أراد منهم دخول الإسلام؟
أي الطوائف عليه أن يتّبع، وأنّى له أن يختار الطائفة أو الفرقة الناجية؟
أقول.. إن هذا النص القرآني واضح وصريح و يسير غير عسير (… فاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ !)،
وعلى افتراض صحة السياق الذي يُستعمل له، وأن أهل الذكر هم الفقهاء، فإن المستدلين به يتجاهلون أمرين أساسيين بارزين في هذا النص، وهما:
(أ)- إن الخطاب ليس موجهاً لأهل الذكر، حتى يمنعوا غيرهم من تفسير القرآن والتحاور به وحوله!
بل إن الخطاب موجه للذين لا يعلمون، فهم المطالبون بالبحث أو السؤال عما يجهلون!
إذاً، فالذين يعتقدون بأنهم هم أهل الذكر، ليس من حقهم أن يُقرّروا بأن غيرهم لا يعلمون؛ أي أن الله قد شرّع بهذا النص، أن الإنسان أدرى بنفسه وأحق وأجدر من غيره في أن يُقرّر ما إن كان يعلم أو لا يعلم!
فهو مسئولٌ عن ادعائه العلم، كما أنه مُطالبٌ بالسؤال عما يجهل، وهو مسئولٌ عن اختياره لمن يسأل!
فالذين لا يعلمون إذاً، هم المسئولون وهم المطالبون بالإعلان عن أنفسهم، والمطالبون بالبحث عن أهل الذكر، وليس العكس!
(ب)- إن الخطاب جاء بصيغة التشكيك في حقيقة أنهم لا يعلمون! .. (… إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ !)،
أي أن الأمر ليس غامضاً وليس عسيراً عليكم حتى تجهلونه!
وفي ذلك إشارة إلى أنه عليهم الإقرار أولاً وربما إثبات أنهم لا يعلمون، ثم إن لهم بعد ذلك أن يسألوا أهل الذكر!
وفي هذا التشكيك، إشارة واضحة وقوية على أن الأمر الذي يعلمه أهل الذكر، هو أمرٌ مُتاحٌ في متناول الجميع إن شاءوا معرفته، وأنه ليس علماً خاصاً بأهل الذكر، وأن الذين لا يعلمون ربما كانوا يدّعون عدم العلم وليست حقيقة أنهم لا يعلمون، وإنما ادعوا عدم علمهم بالأمر للتشكيك في صدق الرسول!
( … فاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ !) ..
أما الأمر الأهم فهو يكمن في خطأ السياق الذي يُستدل فيه بهذا النص، ويتضح ذلك عند قراءة النص كاملاً ..
يقول القرآن: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }النحل43. {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} الأنبياء7.
فلا اختلاف ولا خلاف على أن المقصود بأهل الذكر هنا هم أتباع الديانات والكتب التي سبقت الإسلام والقرآن، كأهل الكتاب من اليهود والنصارى، وغيرهم من أتباع الديانات والرُسل السابقين، والمقصود بالذين لا يعلمون هم أولئك الذين لم يُصدّقوا الرسول، والذين لم يتقبلوا فكرة أن يكون الرسول بشراً مثلهم! أي أولئك الذين يعتقدون بأن الرُسُل ينبغي أن يكونوا ملائكة، ولا يصح باعتقادهم أن يُخاطب الله بشراً ويبعثه رسولاً!
الخطاب إذاً، موجه للمشككين في رسالة الرسول، وليس للمسلمين.
وأهل الذكر هم أتباع الرُسُل والكتب والديانات السابقة، وليسوا المسلمين من أتباع محمد .
فالخطاب كان في وجود الرسول، حيث لم يكن المسلمون في حاجة لسؤال أحدٍ والرسول بينهم!
وموضوع الخطاب محدد، وهو أن بشرية الرسول هو أمرٌ طبيعي لا غرابة فيه، وهو معلوم لدى أتباع الرُسل كلهم!
فالنص القرآني واضح الدلالة، فلا يصح الاستدلال به إلا عند مخاطبة المشككين والمكذبين برسالة الرُسُل؛
حيث قال لهم القرآن، إن عليهم أن يسألوا أتباع الديانات السابقة، ليعلموا أن كل الرُسُل السابقين كانوا رجالاً بشراً، ولم يكونوا ملائكة! {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }النحل43.
فهل يجوز مُخاطبة المسلمين اليوم – المؤمنين برسالة محمد -، بما خاطب به القرآن المكذبين المشككين في رسالته : فاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ!
ويبقى السبب الحقيقي، والدافع الأساس، والمستفيد الرئيس من وراء قتل المنطق لدى الإنسان العربي باسم العروبة، وشل تفكير المسلم وتعطيل عقله باسم الإسلام، وإقناعه بأن عين الصواب وذروة سنام الإيمان هو أن يُصدّق ما لا يفهمه وما لا يُقنعه، وأن يقول ويفعل ما لا يقبله عقله!
يبقى هذا الأمر سراً غامضاً، وخيالاً مُرعباً لمن أراد من العرب والمسلمين فهم الحقيقة .. إلى ما شاء الله !
فالاحتمالات كثيرة، لكن تبقى جذور هذه المأساة خفيّة، وجذوة سؤالها حيّة، والإجابة عليها عصيّة، والبحث عن الحكمة والحقيقة هو لب القضية

الأحد، 20 ديسمبر 2020

هل الإنسان مُقيم في الطبيعة، أم هو جزء منها

0 تعليق



قياسًا إلى غيره من الكائنات، يمتلك الإنسان وعيًا كبيرًا نسبيًا بنفسه وبما حوله!

هذا الوعي ولَّد لدى الإنسان القديم شعورًا زائفًا بأنه

كائن مستقل مختلف كليًا وجذريًا عما حوله، فأطلق

اسم الطبيعة على كل ما عداه، واعتبر الطبيعة

مجرد وعاء أو مكان له وليست مَنشأً له!

من هنا انبثق وانتشر التصور الخاطئ لمفهوم

الطبيعة، أو التعريف والفهم القاصر لما هو طبيعي،

ولا يزال الأمر كذلك لدى الكثيرين حتى اليوم!

الطبيعة: هي الأرض وما حولها وما عليها - باستثناء البشر – حسب التصور البشري الثقافي البسيط للطبيعة!

ولذلك أصبح مفهوم الطبيعي: هو كل شيء موجود ولم يمسسه البشر بشكل مباشر أو غير مباشر..، هكذا هو المقصود بـ"الطبيعي" في العُرف البشري حتى اليوم!

وهذا التعريف لمفهوم "الطبيعي"، هو تعريف صحيح نسبيًا، لكن التعامل معه دون إدراك لمدلوله، يؤدي إلى انحراف الوعي باتجاه اعتبار الإنسان كائن غير طبيعي، أي أنه ضيف على الطبيعية!

إن الشذوذ يكون في الأشياء عن بعضها، لكن بالنسبة للطبيعة الأصل أو الطبيعة الكل، لا يمكن لشيء أن يشذ عنها، حيث لا يوجد في الطبيعة شيء غير طبيعي، لأن الطبيعة هي كل شيء موجود بسبب أو وفق قانون..، أي أن الشيء الشاذ عن الطبيعة هو ذلك الشيء الذي لا يخضع لقوانين الطبيعة..، وهو ما لا وجود له، ولا يمكن أن يكون له وجود في الطبيعة..، حيث إن وجود مثل هذا الشيء إما أن يُعطِّل عمل قوانين الطبيعة - وهذا ما لم يحصل، أو أن تسحقه قوانين الطبيعة فينعدم وجوده!

فلسفيًا، الطبيعة هي القوة الكامنة في الأشياء والمسئولة عن تغيرها وتفاعلها؛ أو بمعنى آخر الطبيعة هي السر الذي يُدير عجلة الوجود!

الطبيعة ليست هي ظاهر الطاقة والمادة، الطبيعة هي

جوهر وخصائص الطاقة والمادة!

علميًا، الطبيعة هي الفضاء والمادة والطاقة والقوانين الأزلية التي تحكمها؛

وهنا يتم تصنيف الكائن البشري على أنه الموجود الأكثر وعيًا والأكثر تعقيدًا من بين الموجودات الطبيعية - التي اكتشفها الإنسان حتى الآن؛

كما يمكن وصف الإنسان علميًا بأنه تركيبة معقدة واعية ذكية، أنتجتها فوضى الطبيعة - كأحد احتمالاتها!

لمعرفة واقع البشر، وسبب أوهامهم، لنا أن نتصور أن كل الحيوانات متطابقة من حيث الشكل الخارجي، لكن بعضها يطير، وبعضها يزحف، وبعضها لا يعيش إلا في الماء!

لو كان المشهد بهذا الشكل، لظن الكثيرون من البشر، أن كل الحيوانات يمكنها الطيران، وكلها يمكنها أن تمضي حياتها زاحفة، وكلها يمكنها العيش تحت الماء، لكن كل حيوان قرر واختار بنفسه سبيلًا للحياة، لم ترغمه الطبيعة عليه..، ويمكنه تغييره متى شاء!

والحقيقة ليست كذلك، فعمل الطبيعة وقوتها المؤثرة على الأشياء داخلية كما هي ظاهرية، لكن اختلاف الحيوانات في الواقع خارجي وكبير، وهو ما أوهم بعض البشر بأن تأثير الطبيعة لا يكون إلا ظاهريًا، وأن الظاهر هو مقياس الاختلاف والتطابق!

ولعل التشابه الخارجي والاختلاف الداخلي في النباتات أوضح، ويؤكد أن عمل الطبيعة في الأشياء، هو داخلي بالأساس، أو هو داخلي كما هو ظاهري!

سلوك الواهمين (عقائديًا) من البشر اليوم، تجاه غيرهم من البشر، هو امتداد لسلوك الإنسان القديم تجاه الطبيعة عند بداية الوجود، وسيُغادر الواهمون الحياة مغادرة الحكيم، دون أن يدركوا أنهم كانوا يكرهون غيرهم من الناس ويُحاربونهم لأسباب هي من صنع الطبيعة، وليست من صُنعهم!

يُحاسبون الإنسان على ثقافته وقناعاته، وكأنه قد صنع ذاته بذاته - جسدًا وروحًا!

لا يُدرك الواهمون أنه لو جاز محاسبة الإنسان على قناعاته وثقافته وغرائزه..، لجازت محاسبته على لونه وعِرقه وطوله وفقره..، فهو لم يصنع أيًا منها، بل هو لا شيء سوى مجموع هذه المكونات الطبيعية التي يُكمِّل بعضها بعضًا، والتي يُطالب الواهمون بتغيير بعضها وترك بعضها الآخر، يُطالبون بمعاقبة بعضها بسبب سلوك بعضها الآخر (معاقبة الجسد بسبب سلوك النفس)..، ومحاسبة الإنسان على أي من مكوناته يعني - ببساطة - محاسبته على وجوده!

- الطبيعة تتعامل مع الإنسان كأي مادة من مواد تجاربها العبثية، فلا تعبأ به أكان ملتزمًا أو عابثًا، خاملاً أو متفاعلاً، ألتهمته نيرانها أم أنعشته ملذاتها، حيث إن تجاربها وغايتها من الوجود أكبر من أن يُحيط بها أو يؤثر فيها عقل الإنسان ووعيه وذكاؤه..، فكما أن الطبيعة تفوق الإنسان وتحتويه ماديًا، فهي كذلك تفوقه وتحتويه وعيًا وذكاءً..، فهي التي أنتجته!

- الطبيعة البشرية جزء من الطبيعة الأم، والطبيعة الأم عبارة عن قوة عمياء صماء، قوامها مزيج من الغرائز المتعددة، وهي تفعل وعلى الدوام كل ما تقتضيه اللحظة وحسب!

وما لم يستوعبه بعض البشر بعد، وما لا يريد آخرون الإقرار به بعد، هو أن جُل بني جنسهم، إنما يستقون معاييرهم من الطبيعة الأم مباشرة، وأن هذا الأمر هو من مقتضيات الوجود والخضوع اللا إرادي لقوة الطبيعة القاهرة!

- سلوك الإنسان قديمًا، تجاه مكونات الطبيعة من حوله، بدأ كسلوك حكيم، وجد نفسه فردًا في قبيلة بدائية لا قيادة لها، يُمارس كل أفرادها العبث والعشوائية بالفطرة - دون قصد ودون تفكير ودون اتفاق ودون اعتراض-، فيؤذون أنفسهم وما حولهم دون مبرر ودون شعور بالذنب أو بالخطأ ولا إحساس بالألم!

ليمضي هذا الحكيم حياته مفكرًا مُحللاً، رافضًا للعبث، ناقدًا للعشوائية، مصححًا ناصحًا، باحثًا عن تفسيرات ومبررات، منتظرًا حدوث الوعي وسيادة المنطق، داعيًا للأخلاق، معاديًا للمتعة - ظنًا منه أن المتعة هي سبب العبث والشرور - متجاهلاً أن وجوده هو ليس سوى نتيجة لمتعة أو شهوة جنسية قضاها غيره..؛

ثم مكذبًا لنفسه فيما يراه، غير قادر على فهم عدم استجابة من حوله له، ثم يائسًا فناقدًا للمنطق، ثم صامتًا تائهًا، عاجزًا عن مواجهة الحقيقة..؛

ليجد في نهاية المطاف سبيلاً لخداع نفسه، فيفترض أنه هو بمفرده يُمثِّل القاعدة، بينما كل أفراد قبيلته عبارة عن شواذ قاعدة، وأنهم جميعًا موجودون في ساحة اختبار، لكنه وحده المقصود بالاختبار، وأن الآخرين عبارة عن مواد وأخطاء وخِدع لاختباره هو، وأن قناعاته وممارساته هي الصحيحة، وأنه لا بد من وجود عاقل يُراقب ويُسجل ما يحدث، وأنه سيُنصفه في نهاية المطاف..؛

هنا يتجاهل "الحكيم" ويتنكر لانتمائه للطبيعة - بما في ذلك أبويه اللذين أنجباه، فيظن نفسه مختلفًا جذريًا وكليًا عن كل ما ومَنْ حوله - وهذا يحصل في الواقع بسبب المعتقدات-، حيث يتكبر الابن المؤمن أحيانًا على أبويه باعتبارهما ضالين!

يبقى الحكيم في قبيلته ويبقى الإنسان في طبيعته على هذه الحال إلى أن يسعفه الجنون أو يُغيِّبه الموت، ولا أحد في القبيلة ولا شيء في الطبيعة قد أعار انتباهًا لتصورات هذا ولا توجيهات ذاك، ولا أحد اهتم لجنونهما ولا يُفتقدان برحيلهما..؛

يُغادر الإنسان الطبيعة واهمًا كما يُغادر ذلك الحكيم الحياة، حيث يُغادرها وقد فاته أمر بسيط، وهو أن بحيرة الماء العذب إنما تُمثِّل الشذوذ الطبيعي عن القاعدة، عندما يكون كل ما حولها عبارة عن محيطات من المياه المالحة!

فبالنظر إلى ضآلة حجمها وانعدام تأثيرها، فإن عذوبة مياه البحيرة لا تؤهلها لتكون محورًا لوجود غيرها..، وهذا هو حال الإنسان مع الطبيعة!

فالشذوذ لا ينفي انتماء الشاذ للأصل، لكنه يحول دون أن يكون هذا الشاذ قاعدة أو أساسًا أو مقياسًا للصواب، أو هدفًا لقيام مشروع

الخميس، 10 ديسمبر 2020

اللغة إنتاج بشري متغير، لا رمز أزلي مُقدَّس!

0 تعليق


رغم الاتفاق الظاهر بين البشر على مدلولات الألفاظ أو المفردات
اللغوية، إلا أن السامع قد يفهم من اللغة ما لا يقصده المتحدث أو
الكاتب، والعكس صحيح، فقد يقول الكاتب أو المتحدث ما لا يُريد
قوله، وذلك بسبب عجز اللغة عن مواكبة الأفكار أو عن التعبير
الدقيق عنها، ولذلك ظهرت الحاجة للفكر والفلسفة!
فالفكر هو لغة الثقافات، والفلسفة هي لغة اللغات!
الفكر فلسفة تكتيكية، والفلسفة فكر استراتيجي!
وظيفة الفلسفة بالأساس هي التوفيق بين أفهام الناطقين أو توحيد

الفهم البشري للمعاني والمقاصد والأشياء في اللغات المسموعة
والمقروءة!

وهذا يعني ويُثبت أن اللغات عبارة عن إنتاج بشري تراكمي، لا

يخلو من عيوب وقصور، وقد تكون اللغات مصدرًا للاختلافات

والخلافات!
إحدى أهم الوظائف الإيجابية للغة، هي إبراز الاختلافات الطبيعية

بين البشر، ببساطة وبأمانة، وإثبات أنها اختلافات طبيعية فطرية،

لكي يحترم البشر اختلافاتهم، فلا يُنظر للاختلافات الطبيعية الفطرية

على أنها مفتعلة ومتعمدة، أو أنها طعن من بعضهم في معتقدات

بعضهم الآخر؛

لكن، اللغة تُصبح عاملاً سلبيًا عندما تكون مصدرًا لاختلافات غير

طبيعية، بسبب سوء فهمها أو سوء استعمالها أو بسبب قصور

مفرداتها ومصطلحاتها عن رسم المشهد وإيصال الفكرة أو المعلومة!

لغات البشر المختلفة، ليست سوى مجموعة من الرموز المكتوبة،

والإشارات الصوتية المُتفق على مدلولاتها، والتي أوجدتها وطورتها

حاجة البشر للتواصل والاتصال، والتعبير عن أنفسهم، ووصف

الواقع وقِيَمِ وأعداد الأشياء من حولهم!

فاللغات البشرية هي أصوات حيوانية متطورة من الصفر، وهي

تتطور باستمرار وينبغي أن يتم تطويرها، فهي ليست موجودة

كوحدات متكاملة من البداية!

اللغة ليست شيئًا فيزيائيًا خاضعًا لقوانين الطبيعة، إنها إنتاج بشري

خاضع لحاجة البشر!

من الطبيعي والبديهي أن نقول، إنه يوجد إنسان بدون لغة، لكن

لا توجد لغة بدون إنسان، وهذا يعني أن اللغة من ملحقات الوجود

البشري وليست من أساسياته!

لماذا نقول هذه البديهيات؟
لأنه توجد بعض الأعراق البشرية، التي تستعمل اللغة في الواقع، لكن من حيث الوعي، ما تزال هذه الأعراق في مرحلة ما قبل ظهور اللغات وتطورها، حيث إن استعمالهم للغة يتركز على إظهار مدى انبهارهم بها، بل إنهم جعلوا عدم الانبهار بها دلالة على الغباء والجهل بلغتهم، حتى أصبحوا أصغر قيمة ووزنًا من رموز لغاتهم وإشاراتها، ويكاد ينحصر تعاطيهم مع لغاتهم على تقديسها – لا على استعمالها أو تطويرها-،
فأعطوا اللغة قيمة في ذاتها، وجعلوها أكبر قيمةً من البشر الذين يستعملونها، فصاروا عبيداً لها، فخدموها بدل استعمالها..، وكأن وجود اللغة كان سابقًا لوجودهم، وأن جزءًا أساسيًا من رسالتهم في الوجود هو خدمة وتقديس هذا الموجود المستقل المُسمَّى "لُغة"، والذي أصبح بالنسبة لهم صنمًا نظريًا ذهنيًا ثقافيًا مُقدَّسًا!
تقديس اللغة يؤدي حتمًا إلى محاربة الفكر والفلسفة والفنون والعلوم، وذلك لأن:

 1- الفنون، بأنواعها المتعددة والمختلفة من تصوير ورسم ونحت وتجسيم وتمثيل وموسيقى ورقص وغناء وغيرها، إنما ظهرت لسد العجز في اللغة المنطوقة والمكتوبة عن الوفاء بحاجات البشر؛
فالفنون عبارة عن لغات مساندة تحاول التعبير عن الأفكار والمعلومات التي عجزت اللغة المباشرة البسيطة عن إيصالها!
وهذه الحقيقة تُظهر وتُثبت أن اللغة شيئًا طارئًا وصناعة بشرية لا تخلو من النقص والقصور، وهذا يتناقض مع تقديسها، ولهذا نجد عُبَّاد اللغة ومقدسيها يُحاربون الفنون!
والحقيقة أن الفنون ليست مجرد لغات بشرية مساندة، بل هي اللغة الوحيدة الخالصة والخاصة بالبشر، فكل الكائنات تمتلك لغات بدائية أساسية بسيطة تؤمِّن لها الحد الأدنى من التواصل المطلوب للحياة والبقاء– تُعادل اللغات البشرية المنطوقة..، أما لغات الفنون فهي مقتصرة على البشر، لأنها تتطلب وعيًا وذكاءً ومهارات لا يمتلكها ولا يُتقنها على الأرض سوى البشر، ولذلك يمكننا القول بأن الفن لغة خاصة بالبشر، وبذلك يصح اعتبار لغة الفن اللغة الأصل للبشر!
 2- الفلسفة، وهي موهبة ومهارة عقلية خاصة، تُستعمل لتصحيح وتوحيد مدلولات المفردات اللغوية، ومحاولة المواءمة بين الأفهام المتعددة وبين المنطق الوجودي الواحد؛
ولذلك تصطدم الفلسفة مع قداسة اللغة، ولذلك تُحارَب الفلسفة من قِبل مُقدِّسي اللغات!
تعدد الأفهام ناجم عن تعدد اللغات والثقافات والمعتقدات!
 3- الفكر، وقد ظهر لإزالة العراقيل والخلافات اللغوية والثقافية والتاريخية التي تحول دون تفاهم البشر وتواصلهم العملي؛
وبذلك يصطدم الفكر بقداسة اللغة، ولذلك يُحارَب شأنه شأن الفلسفة!
 4- العلوم، وهي التي تُنجز وتُثبت عمليًا وماديًا، ما يتناقض مع الكثير من التصورات والمعتقدات التي أوجدتها اللغة في أذهان مُقدِّسيها (تسطَّح الأرض ودوران الشمس حولها مثلاً)، وهذا يطعن في قداسة اللغة، ويؤكد الحاجة إلى تطويرها وعدم تقديسها..، ولذلك فإنه من غير المستغرب أن نجد عُبَّاد ومُقدِّسي اللغات، يُفضِّلون البدائية والتخلف على العِلم!
تقديس اللغة لا يقتصر الخطأ فيه على عدم مصداقيته، بل هو في الواقع من أكبر منابع الخرافة والأساطير، فإظهار اللغة بصورة الكائن المستقل، المجهول المصدر، يملأ النفس البشرية بهواجس روحانية ومخاوف نفسية وفراغات فكرية ومجاهيل وأوهام لا أصل ولا أساس لها ولا نهاية؛
ولا سبيل للتخلص منها إلا بوضع اللغة في مكانها الطبيعي، كأسهل وسيلة للتواصل لا أكثر من ذلك، ما يعني أن اللغة ليست غاية لذاتها، إنما هي أداة لتحقيق هدف، وأنه ينبغي تطويرها وتصحيحها وتهذيبها لتسهيل تحقيق الهدف، تمامًا كما تم تطوير وتصحيح وسائل النقل والاتصال ووسائل إنتاج الملابس وطهي الطعام!

المحصلة..
- تقديس اللغة يعني تجميد العقل، وذلك يعني منع الإنسان من تجاوز نقطة البداية - من حيث تواصله مع بني جنسه وتعاطيه مع الطبيعة!
- المعتقدات لا تُبرر تقديس اللغة، فالواقع أصدق من المعتقدات!
- تقديس اللغة لدى بعض الأعراق، يُمثِّل عائقًا أساسيًا دون حصول التواصل البشري، بدل أن تكون اللغة رافدًا أساسيًا لاكتمال التواصل!
- الإنسان هو أقدس شيء عند الإنسان، فهو أقرب شيء له في الطبيعة، واللغة هي أبسط وسائلهم للتواصل؛
والطبيعي هو أن يتم تطوير اللغة وتسخيرها للتقريب بين البشر حتى تُصبح المسافة بينهم صفرًا - إن أمكن؛
فبُعد المسافة التفاهمية بين البشر، يعكس بُعدهم عن الحقيقة!
واقتراب البشر من بعضهم إلى الدرجة التي يُصبحون عندها كأعضاء مختلفة لجسد واحد، هو أقرب نقطة للحقيقة والسعادة يبلغها البشر

اللغة إنتاج بشري متغير، لا رمز أزلي مُقدَّس!

0 تعليق


رغم الاتفاق الظاهر بين البشر على مدلولات الألفاظ أو المفردات اللغوية، إلا أن السامع قد يفهم من اللغة ما لا يقصده المتحدث أو الكاتب، والعكس صحيح، فقد يقول الكاتب أو المتحدث ما لا يُريد قوله، وذلك بسبب عجز اللغة عن مواكبة الأفكار أو عن التعبير الدقيق عنها، ولذلك ظهرت الحاجة للفكر والفلسفة! فالفكر هو لغة الثقافات، والفلسفة هي لغة اللغات! الفكر فلسفة تكتيكية، والفلسفة فكر استراتيجي! وظيفة الفلسفة بالأساس هي التوفيق بين أفهام الناطقين أو توحيد الفهم البشري للمعاني والمقاصد والأشياء في اللغات المسموعة والمقروءة! وهذا يعني ويُثبت أن اللغات عبارة عن إنتاج بشري تراكمي، لا يخلو من عيوب وقصور، وقد تكون اللغات مصدرًا للاختلافات والخلافات! إحدى أهم الوظائف الإيجابية للغة، هي إبراز الاختلافات الطبيعية بين البشر، ببساطة وبأمانة، وإثبات أنها اختلافات طبيعية فطرية، لكي يحترم البشر اختلافاتهم، فلا يُنظر للاختلافات الطبيعية الفطرية على أنها مفتعلة ومتعمدة، أو أنها طعن من بعضهم في معتقدات بعضهم الآخر؛ لكن، اللغة تُصبح عاملاً سلبيًا عندما تكون مصدرًا لاختلافات غير طبيعية، بسبب سوء فهمها أو سوء استعمالها أو بسبب قصور مفرداتها ومصطلحاتها عن رسم المشهد وإيصال الفكرة أو المعلومة! لغات البشر المختلفة، ليست سوى مجموعة من الرموز المكتوبة، والإشارات الصوتية المُتفق على مدلولاتها، والتي أوجدتها وطورتها حاجة البشر للتواصل والاتصال، والتعبير عن أنفسهم، ووصف الواقع وقِيَمِ وأعداد الأشياء من حولهم! فاللغات البشرية هي أصوات حيوانية متطورة من الصفر، وهي تتطور باستمرار وينبغي أن يتم تطويرها، فهي ليست موجودة كوحدات متكاملة من البداية! اللغة ليست شيئًا فيزيائيًا خاضعًا لقوانين الطبيعة، إنها إنتاج بشري خاضع لحاجة البشر! من الطبيعي والبديهي أن نقول، إنه يوجد إنسان بدون لغة، لكن لا توجد لغة بدون إنسان، وهذا يعني أن اللغة من ملحقات الوجود البشري وليست من أساسياته! لماذا نقول هذه البديهيات؟ لأنه توجد بعض الأعراق البشرية، التي تستعمل اللغة في الواقع، لكن من حيث الوعي، ما تزال هذه الأعراق في مرحلة ما قبل ظهور اللغات وتطورها، حيث إن استعمالهم للغة يتركز على إظهار مدى انبهارهم بها، بل إنهم جعلوا عدم الانبهار بها دلالة على الغباء والجهل بلغتهم، حتى أصبحوا أصغر قيمة ووزنًا من رموز لغاتهم وإشاراتها، ويكاد ينحصر تعاطيهم مع لغاتهم على تقديسها – لا على استعمالها أو تطويرها-، فأعطوا اللغة قيمة في ذاتها، وجعلوها أكبر قيمةً من البشر الذين يستعملونها، فصاروا عبيداً لها، فخدموها بدل استعمالها..، وكأن وجود اللغة كان سابقًا لوجودهم، وأن جزءًا أساسيًا من رسالتهم في الوجود هو خدمة وتقديس هذا الموجود المستقل المُسمَّى "لُغة"، والذي أصبح بالنسبة لهم صنمًا نظريًا ذهنيًا ثقافيًا مُقدَّسًا! تقديس اللغة يؤدي حتمًا إلى محاربة الفكر والفلسفة والفنون والعلوم، وذلك لأن: 1- الفنون، بأنواعها المتعددة والمختلفة من تصوير ورسم ونحت وتجسيم وتمثيل وموسيقى ورقص وغناء وغيرها، إنما ظهرت لسد العجز في اللغة المنطوقة والمكتوبة عن الوفاء بحاجات البشر؛ فالفنون عبارة عن لغات مساندة تحاول التعبير عن الأفكار والمعلومات التي عجزت اللغة المباشرة البسيطة عن إيصالها! وهذه الحقيقة تُظهر وتُثبت أن اللغة شيئًا طارئًا وصناعة بشرية لا تخلو من النقص والقصور، وهذا يتناقض مع تقديسها، ولهذا نجد عُبَّاد اللغة ومقدسيها يُحاربون الفنون! والحقيقة أن الفنون ليست مجرد لغات بشرية مساندة، بل هي اللغة الوحيدة الخالصة والخاصة بالبشر، فكل الكائنات تمتلك لغات بدائية أساسية بسيطة تؤمِّن لها الحد الأدنى من التواصل المطلوب للحياة والبقاء– تُعادل اللغات البشرية المنطوقة..، أما لغات الفنون فهي مقتصرة على البشر، لأنها تتطلب وعيًا وذكاءً ومهارات لا يمتلكها ولا يُتقنها على الأرض سوى البشر، ولذلك يمكننا القول بأن الفن لغة خاصة بالبشر، وبذلك يصح اعتبار لغة الفن اللغة الأصل للبشر! 2- الفلسفة، وهي موهبة ومهارة عقلية خاصة، تُستعمل لتصحيح وتوحيد مدلولات المفردات اللغوية، ومحاولة المواءمة بين الأفهام المتعددة وبين المنطق الوجودي الواحد؛ ولذلك تصطدم الفلسفة مع قداسة اللغة، ولذلك تُحارَب الفلسفة من قِبل مُقدِّسي اللغات! تعدد الأفهام ناجم عن تعدد اللغات والثقافات والمعتقدات! 3- الفكر، وقد ظهر لإزالة العراقيل والخلافات اللغوية والثقافية والتاريخية التي تحول دون تفاهم البشر وتواصلهم العملي؛ وبذلك يصطدم الفكر بقداسة اللغة، ولذلك يُحارَب شأنه شأن الفلسفة! 4- العلوم، وهي التي تُنجز وتُثبت عمليًا وماديًا، ما يتناقض مع الكثير من التصورات والمعتقدات التي أوجدتها اللغة في أذهان مُقدِّسيها (تسطَّح الأرض ودوران الشمس حولها مثلاً)، وهذا يطعن في قداسة اللغة، ويؤكد الحاجة إلى تطويرها وعدم تقديسها..، ولذلك فإنه من غير المستغرب أن نجد عُبَّاد ومُقدِّسي اللغات، يُفضِّلون البدائية والتخلف على العِلم! تقديس اللغة لا يقتصر الخطأ فيه على عدم مصداقيته، بل هو في الواقع من أكبر منابع الخرافة والأساطير، فإظهار اللغة بصورة الكائن المستقل، المجهول المصدر، يملأ النفس البشرية بهواجس روحانية ومخاوف نفسية وفراغات فكرية ومجاهيل وأوهام لا أصل ولا أساس لها ولا نهاية؛ ولا سبيل للتخلص منها إلا بوضع اللغة في مكانها الطبيعي، كأسهل وسيلة للتواصل لا أكثر من ذلك، ما يعني أن اللغة ليست غاية لذاتها، إنما هي أداة لتحقيق هدف، وأنه ينبغي تطويرها وتصحيحها وتهذيبها لتسهيل تحقيق الهدف، تمامًا كما تم تطوير وتصحيح وسائل النقل والاتصال ووسائل إنتاج الملابس وطهي الطعام! المحصلة.. - تقديس اللغة يعني تجميد العقل، وذلك يعني منع الإنسان من تجاوز نقطة البداية - من حيث تواصله مع بني جنسه وتعاطيه مع الطبيعة! - المعتقدات لا تُبرر تقديس اللغة، فالواقع أصدق من المعتقدات! - تقديس اللغة لدى بعض الأعراق، يُمثِّل عائقًا أساسيًا دون حصول التواصل البشري، بدل أن تكون اللغة رافدًا أساسيًا لاكتمال التواصل! - الإنسان هو أقدس شيء عند الإنسان، فهو أقرب شيء له في الطبيعة، واللغة هي أبسط وسائلهم للتواصل؛ والطبيعي هو أن يتم تطوير اللغة وتسخيرها للتقريب بين البشر حتى تُصبح المسافة بينهم صفرًا - إن أمكن؛ فبُعد المسافة التفاهمية بين البشر، يعكس بُعدهم عن الحقيقة! واقتراب البشر من بعضهم إلى الدرجة التي يُصبحون عندها كأعضاء مختلفة لجسد واحد، هو أقرب نقطة للحقيقة والسعادة يبلغها البشر

الخميس، 12 نوفمبر 2020

الإنسان ساحة لصراع السؤال والجواب!

0 تعليق


لا يؤلمنا إلا ما نعتقد أنه كان بإمكاننا اجتنابه!
 يتوقف إحساسنا بالألم عندما يتوقف شعورنا بقدرتنا

على دفعه، فنتأقلم معه ويتحول بذلك الألم إلى واقع

طبيعي!يتوقف خوفنا من العقاب، عندما يتوقف شعورنا الزائف

بالذنب! شعورنا بالذنب، يعكس شعورًا زائفًا لدينا، بقيمة

لا نتملك في الحقيقة جزءًا من الألف منها!  احتاجت الحياة البشرية أن يقضي أولها آلاف السنين

من البدائية، قبل أن يخرج حاضرها من عتمة التخلف،

ويرى نور الكهرباء وينعم بما ترتب عليها من إنجازات!

ويبدو أن حاضرها مضطر لقضاء مئات السنين الدامية،

قبل أن يخرج آخرها من عتمة المعتقدات، لينعم بما

يترتب على ذلك من حياة خالية من الأوهام والعذابات! القول بأن حقيقة الكون والوجود أمرٌ ميتافيزيقي يفوق

قدرتنا على التصور، معناه أن الحقيقة والعدم سواء

بالنسبة لنا ..، لأنه متى استحال تصورنا للحقيقة،

انقطعت صلتنا بها وانتفت مسئوليتنا عنها، وبذلك يكون

تعاطينا مع الحقيقة الكونية مجرد ترف فكري!

وهنا يمكننا الاكتفاء بالقول: لم نُستشر ولم نشارك في

صنع البداية، فلن نحمل هم النهاية ..

وفلسفة المُخيَّر والمُسيَّر، ليست سوى أوهام ..

هناك عوامل خارجية، ومعطيات مادية وخلقية تسبق

وجود الإنسان، هي التي تصنع ماهيته وواقعه المادي

والفكري لاحقًا ..

فلا يوجد ولا يمكن أن يوجد إنسان قادر على صنع

نفسه بنفسه، لكي يكون مسئولاً عن سلوكه أو صاحب

فضل بسلوكه وإنجازاته! 
القول بأن دقة وتعقيد النظام الكوني والحياة، وصرامة

قوانينها، تستوجب وجود مصمم ذكي وقادر ومستقل

عن الوجود والكون ..، هو تفسير خشبي وتصور

بدائي تقليدي، لا يعدو أن يكون صورة طبق الأصل

لواقعنا البشري الصغير المحدود – مُكبَّرة!

وإن نظرة محدودة في هذا التصور تجعله ينهار على

نفسه ..

فالقائلون بهذا التصور، يعتقدون بوجود قوة مشخصنة،

هي أعقد وأدق وأشمل من الكون والوجود والحياة- بما

لا يقارن، ومع ذلك لا يرون عجبًا ولا مانعًا من إمكانية

وجود هذه القوة دون موجد ..

بينما الحياة والوجود وقوانين الطبيعة - التي هي أقل

تعقيدًا بكثير ..، لا يقبلون بفكرة وجودها دون موجد!

والأغرب من ذلك، هو القول بأن تلك القوة المزعومة

ليست سوى إله، يخلق صنفًا من البشر، ويجعلهم

يعصونه، ليُبرر بمعصيتهم خلق صنف آخر من البشر

لقتل الصنف الأول ..

إلهٌ بهذه المواصفات، لا يمكن لإنسان عاقل يحترم نفسه

أن يؤمن بوجوده، حتى لو كان وجوده حقيقة ماثلة!

إن إلهًا يستعمل الخداع ويختلق الأعذار ليعذب بشرًا هو

من خلقهم ضعفاء جهلاء، لا معنى للإيمان به وطاعته،

لأنه لن يعدم العذر ليوقع بالبشر حتى لو أدوا واجبهم ..

فإن كان الذين يقتلون غيرهم ويعذبونهم باسم الإله، هم

واهمون أو كاذبون، وليسوا مكلفين من الإله ..،

إذن لا وجود للإله، وإلا لتدخل لكشف الحقيقة ووأد

الفتنة وإنقاذ الذين يُقتلون باسمه ظلمًا ..

فإن كان لا يأبه بالظلم والألم الحاصل باسمه، إذن هو

إله عابث لا تعني له الحقيقة شيئًا ..

وبالنتيجة ..

إما أنه لا وجود للإله أو لا قيمة للإيمان بوجوده! 
 الخيال والمنطق والتجربة، تلتقي وتتفق على القول:

بأنه لا يمكن للفضاء الكوني أن يكون محصورًا بحدود،

إذ لا بد من وجود شيء خلف كل شيء في كل اتجاه ..،

وإلى ما لا نهاية!

ولذلك يمكننا القول بأنه لا مانع ولا مناص لنا، من

اعتبار الكون فضاءً أزليًا لا محدودًا، قوامه أصول كونية

دائمة أو وحدات كونية دائمة، تتحد فينشأ منها الوجود،

وتتفكك فيزول الموجود ..،

وأن الحياة والوجود المرصود عبارة عن ظواهر كونية!

وأن الزمن المرتبط بالوجود المادي، هو زمن وهمي

افتراضي، يُمثل الوجه الرياضي الحسابي للتغير المادي

الحتمي، الملازم لظاهرة الوجود العابرة دائمًا ..

وأنه لا يوجد زمن كوني – وهمي ولا حقيقي، إنما هي

اللابداية واللانهاية الزمنية المعنوية الحسابية المتوافقة

بالضرورة مع اللابداية واللانهاية المكانية المادية

للكون