face like

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

الصفحات

الأحد، 20 ديسمبر 2020

هل الإنسان مُقيم في الطبيعة، أم هو جزء منها

0 تعليق



قياسًا إلى غيره من الكائنات، يمتلك الإنسان وعيًا كبيرًا نسبيًا بنفسه وبما حوله!

هذا الوعي ولَّد لدى الإنسان القديم شعورًا زائفًا بأنه

كائن مستقل مختلف كليًا وجذريًا عما حوله، فأطلق

اسم الطبيعة على كل ما عداه، واعتبر الطبيعة

مجرد وعاء أو مكان له وليست مَنشأً له!

من هنا انبثق وانتشر التصور الخاطئ لمفهوم

الطبيعة، أو التعريف والفهم القاصر لما هو طبيعي،

ولا يزال الأمر كذلك لدى الكثيرين حتى اليوم!

الطبيعة: هي الأرض وما حولها وما عليها - باستثناء البشر – حسب التصور البشري الثقافي البسيط للطبيعة!

ولذلك أصبح مفهوم الطبيعي: هو كل شيء موجود ولم يمسسه البشر بشكل مباشر أو غير مباشر..، هكذا هو المقصود بـ"الطبيعي" في العُرف البشري حتى اليوم!

وهذا التعريف لمفهوم "الطبيعي"، هو تعريف صحيح نسبيًا، لكن التعامل معه دون إدراك لمدلوله، يؤدي إلى انحراف الوعي باتجاه اعتبار الإنسان كائن غير طبيعي، أي أنه ضيف على الطبيعية!

إن الشذوذ يكون في الأشياء عن بعضها، لكن بالنسبة للطبيعة الأصل أو الطبيعة الكل، لا يمكن لشيء أن يشذ عنها، حيث لا يوجد في الطبيعة شيء غير طبيعي، لأن الطبيعة هي كل شيء موجود بسبب أو وفق قانون..، أي أن الشيء الشاذ عن الطبيعة هو ذلك الشيء الذي لا يخضع لقوانين الطبيعة..، وهو ما لا وجود له، ولا يمكن أن يكون له وجود في الطبيعة..، حيث إن وجود مثل هذا الشيء إما أن يُعطِّل عمل قوانين الطبيعة - وهذا ما لم يحصل، أو أن تسحقه قوانين الطبيعة فينعدم وجوده!

فلسفيًا، الطبيعة هي القوة الكامنة في الأشياء والمسئولة عن تغيرها وتفاعلها؛ أو بمعنى آخر الطبيعة هي السر الذي يُدير عجلة الوجود!

الطبيعة ليست هي ظاهر الطاقة والمادة، الطبيعة هي

جوهر وخصائص الطاقة والمادة!

علميًا، الطبيعة هي الفضاء والمادة والطاقة والقوانين الأزلية التي تحكمها؛

وهنا يتم تصنيف الكائن البشري على أنه الموجود الأكثر وعيًا والأكثر تعقيدًا من بين الموجودات الطبيعية - التي اكتشفها الإنسان حتى الآن؛

كما يمكن وصف الإنسان علميًا بأنه تركيبة معقدة واعية ذكية، أنتجتها فوضى الطبيعة - كأحد احتمالاتها!

لمعرفة واقع البشر، وسبب أوهامهم، لنا أن نتصور أن كل الحيوانات متطابقة من حيث الشكل الخارجي، لكن بعضها يطير، وبعضها يزحف، وبعضها لا يعيش إلا في الماء!

لو كان المشهد بهذا الشكل، لظن الكثيرون من البشر، أن كل الحيوانات يمكنها الطيران، وكلها يمكنها أن تمضي حياتها زاحفة، وكلها يمكنها العيش تحت الماء، لكن كل حيوان قرر واختار بنفسه سبيلًا للحياة، لم ترغمه الطبيعة عليه..، ويمكنه تغييره متى شاء!

والحقيقة ليست كذلك، فعمل الطبيعة وقوتها المؤثرة على الأشياء داخلية كما هي ظاهرية، لكن اختلاف الحيوانات في الواقع خارجي وكبير، وهو ما أوهم بعض البشر بأن تأثير الطبيعة لا يكون إلا ظاهريًا، وأن الظاهر هو مقياس الاختلاف والتطابق!

ولعل التشابه الخارجي والاختلاف الداخلي في النباتات أوضح، ويؤكد أن عمل الطبيعة في الأشياء، هو داخلي بالأساس، أو هو داخلي كما هو ظاهري!

سلوك الواهمين (عقائديًا) من البشر اليوم، تجاه غيرهم من البشر، هو امتداد لسلوك الإنسان القديم تجاه الطبيعة عند بداية الوجود، وسيُغادر الواهمون الحياة مغادرة الحكيم، دون أن يدركوا أنهم كانوا يكرهون غيرهم من الناس ويُحاربونهم لأسباب هي من صنع الطبيعة، وليست من صُنعهم!

يُحاسبون الإنسان على ثقافته وقناعاته، وكأنه قد صنع ذاته بذاته - جسدًا وروحًا!

لا يُدرك الواهمون أنه لو جاز محاسبة الإنسان على قناعاته وثقافته وغرائزه..، لجازت محاسبته على لونه وعِرقه وطوله وفقره..، فهو لم يصنع أيًا منها، بل هو لا شيء سوى مجموع هذه المكونات الطبيعية التي يُكمِّل بعضها بعضًا، والتي يُطالب الواهمون بتغيير بعضها وترك بعضها الآخر، يُطالبون بمعاقبة بعضها بسبب سلوك بعضها الآخر (معاقبة الجسد بسبب سلوك النفس)..، ومحاسبة الإنسان على أي من مكوناته يعني - ببساطة - محاسبته على وجوده!

- الطبيعة تتعامل مع الإنسان كأي مادة من مواد تجاربها العبثية، فلا تعبأ به أكان ملتزمًا أو عابثًا، خاملاً أو متفاعلاً، ألتهمته نيرانها أم أنعشته ملذاتها، حيث إن تجاربها وغايتها من الوجود أكبر من أن يُحيط بها أو يؤثر فيها عقل الإنسان ووعيه وذكاؤه..، فكما أن الطبيعة تفوق الإنسان وتحتويه ماديًا، فهي كذلك تفوقه وتحتويه وعيًا وذكاءً..، فهي التي أنتجته!

- الطبيعة البشرية جزء من الطبيعة الأم، والطبيعة الأم عبارة عن قوة عمياء صماء، قوامها مزيج من الغرائز المتعددة، وهي تفعل وعلى الدوام كل ما تقتضيه اللحظة وحسب!

وما لم يستوعبه بعض البشر بعد، وما لا يريد آخرون الإقرار به بعد، هو أن جُل بني جنسهم، إنما يستقون معاييرهم من الطبيعة الأم مباشرة، وأن هذا الأمر هو من مقتضيات الوجود والخضوع اللا إرادي لقوة الطبيعة القاهرة!

- سلوك الإنسان قديمًا، تجاه مكونات الطبيعة من حوله، بدأ كسلوك حكيم، وجد نفسه فردًا في قبيلة بدائية لا قيادة لها، يُمارس كل أفرادها العبث والعشوائية بالفطرة - دون قصد ودون تفكير ودون اتفاق ودون اعتراض-، فيؤذون أنفسهم وما حولهم دون مبرر ودون شعور بالذنب أو بالخطأ ولا إحساس بالألم!

ليمضي هذا الحكيم حياته مفكرًا مُحللاً، رافضًا للعبث، ناقدًا للعشوائية، مصححًا ناصحًا، باحثًا عن تفسيرات ومبررات، منتظرًا حدوث الوعي وسيادة المنطق، داعيًا للأخلاق، معاديًا للمتعة - ظنًا منه أن المتعة هي سبب العبث والشرور - متجاهلاً أن وجوده هو ليس سوى نتيجة لمتعة أو شهوة جنسية قضاها غيره..؛

ثم مكذبًا لنفسه فيما يراه، غير قادر على فهم عدم استجابة من حوله له، ثم يائسًا فناقدًا للمنطق، ثم صامتًا تائهًا، عاجزًا عن مواجهة الحقيقة..؛

ليجد في نهاية المطاف سبيلاً لخداع نفسه، فيفترض أنه هو بمفرده يُمثِّل القاعدة، بينما كل أفراد قبيلته عبارة عن شواذ قاعدة، وأنهم جميعًا موجودون في ساحة اختبار، لكنه وحده المقصود بالاختبار، وأن الآخرين عبارة عن مواد وأخطاء وخِدع لاختباره هو، وأن قناعاته وممارساته هي الصحيحة، وأنه لا بد من وجود عاقل يُراقب ويُسجل ما يحدث، وأنه سيُنصفه في نهاية المطاف..؛

هنا يتجاهل "الحكيم" ويتنكر لانتمائه للطبيعة - بما في ذلك أبويه اللذين أنجباه، فيظن نفسه مختلفًا جذريًا وكليًا عن كل ما ومَنْ حوله - وهذا يحصل في الواقع بسبب المعتقدات-، حيث يتكبر الابن المؤمن أحيانًا على أبويه باعتبارهما ضالين!

يبقى الحكيم في قبيلته ويبقى الإنسان في طبيعته على هذه الحال إلى أن يسعفه الجنون أو يُغيِّبه الموت، ولا أحد في القبيلة ولا شيء في الطبيعة قد أعار انتباهًا لتصورات هذا ولا توجيهات ذاك، ولا أحد اهتم لجنونهما ولا يُفتقدان برحيلهما..؛

يُغادر الإنسان الطبيعة واهمًا كما يُغادر ذلك الحكيم الحياة، حيث يُغادرها وقد فاته أمر بسيط، وهو أن بحيرة الماء العذب إنما تُمثِّل الشذوذ الطبيعي عن القاعدة، عندما يكون كل ما حولها عبارة عن محيطات من المياه المالحة!

فبالنظر إلى ضآلة حجمها وانعدام تأثيرها، فإن عذوبة مياه البحيرة لا تؤهلها لتكون محورًا لوجود غيرها..، وهذا هو حال الإنسان مع الطبيعة!

فالشذوذ لا ينفي انتماء الشاذ للأصل، لكنه يحول دون أن يكون هذا الشاذ قاعدة أو أساسًا أو مقياسًا للصواب، أو هدفًا لقيام مشروع

الخميس، 10 ديسمبر 2020

اللغة إنتاج بشري متغير، لا رمز أزلي مُقدَّس!

0 تعليق


رغم الاتفاق الظاهر بين البشر على مدلولات الألفاظ أو المفردات
اللغوية، إلا أن السامع قد يفهم من اللغة ما لا يقصده المتحدث أو
الكاتب، والعكس صحيح، فقد يقول الكاتب أو المتحدث ما لا يُريد
قوله، وذلك بسبب عجز اللغة عن مواكبة الأفكار أو عن التعبير
الدقيق عنها، ولذلك ظهرت الحاجة للفكر والفلسفة!
فالفكر هو لغة الثقافات، والفلسفة هي لغة اللغات!
الفكر فلسفة تكتيكية، والفلسفة فكر استراتيجي!
وظيفة الفلسفة بالأساس هي التوفيق بين أفهام الناطقين أو توحيد

الفهم البشري للمعاني والمقاصد والأشياء في اللغات المسموعة
والمقروءة!

وهذا يعني ويُثبت أن اللغات عبارة عن إنتاج بشري تراكمي، لا

يخلو من عيوب وقصور، وقد تكون اللغات مصدرًا للاختلافات

والخلافات!
إحدى أهم الوظائف الإيجابية للغة، هي إبراز الاختلافات الطبيعية

بين البشر، ببساطة وبأمانة، وإثبات أنها اختلافات طبيعية فطرية،

لكي يحترم البشر اختلافاتهم، فلا يُنظر للاختلافات الطبيعية الفطرية

على أنها مفتعلة ومتعمدة، أو أنها طعن من بعضهم في معتقدات

بعضهم الآخر؛

لكن، اللغة تُصبح عاملاً سلبيًا عندما تكون مصدرًا لاختلافات غير

طبيعية، بسبب سوء فهمها أو سوء استعمالها أو بسبب قصور

مفرداتها ومصطلحاتها عن رسم المشهد وإيصال الفكرة أو المعلومة!

لغات البشر المختلفة، ليست سوى مجموعة من الرموز المكتوبة،

والإشارات الصوتية المُتفق على مدلولاتها، والتي أوجدتها وطورتها

حاجة البشر للتواصل والاتصال، والتعبير عن أنفسهم، ووصف

الواقع وقِيَمِ وأعداد الأشياء من حولهم!

فاللغات البشرية هي أصوات حيوانية متطورة من الصفر، وهي

تتطور باستمرار وينبغي أن يتم تطويرها، فهي ليست موجودة

كوحدات متكاملة من البداية!

اللغة ليست شيئًا فيزيائيًا خاضعًا لقوانين الطبيعة، إنها إنتاج بشري

خاضع لحاجة البشر!

من الطبيعي والبديهي أن نقول، إنه يوجد إنسان بدون لغة، لكن

لا توجد لغة بدون إنسان، وهذا يعني أن اللغة من ملحقات الوجود

البشري وليست من أساسياته!

لماذا نقول هذه البديهيات؟
لأنه توجد بعض الأعراق البشرية، التي تستعمل اللغة في الواقع، لكن من حيث الوعي، ما تزال هذه الأعراق في مرحلة ما قبل ظهور اللغات وتطورها، حيث إن استعمالهم للغة يتركز على إظهار مدى انبهارهم بها، بل إنهم جعلوا عدم الانبهار بها دلالة على الغباء والجهل بلغتهم، حتى أصبحوا أصغر قيمة ووزنًا من رموز لغاتهم وإشاراتها، ويكاد ينحصر تعاطيهم مع لغاتهم على تقديسها – لا على استعمالها أو تطويرها-،
فأعطوا اللغة قيمة في ذاتها، وجعلوها أكبر قيمةً من البشر الذين يستعملونها، فصاروا عبيداً لها، فخدموها بدل استعمالها..، وكأن وجود اللغة كان سابقًا لوجودهم، وأن جزءًا أساسيًا من رسالتهم في الوجود هو خدمة وتقديس هذا الموجود المستقل المُسمَّى "لُغة"، والذي أصبح بالنسبة لهم صنمًا نظريًا ذهنيًا ثقافيًا مُقدَّسًا!
تقديس اللغة يؤدي حتمًا إلى محاربة الفكر والفلسفة والفنون والعلوم، وذلك لأن:

 1- الفنون، بأنواعها المتعددة والمختلفة من تصوير ورسم ونحت وتجسيم وتمثيل وموسيقى ورقص وغناء وغيرها، إنما ظهرت لسد العجز في اللغة المنطوقة والمكتوبة عن الوفاء بحاجات البشر؛
فالفنون عبارة عن لغات مساندة تحاول التعبير عن الأفكار والمعلومات التي عجزت اللغة المباشرة البسيطة عن إيصالها!
وهذه الحقيقة تُظهر وتُثبت أن اللغة شيئًا طارئًا وصناعة بشرية لا تخلو من النقص والقصور، وهذا يتناقض مع تقديسها، ولهذا نجد عُبَّاد اللغة ومقدسيها يُحاربون الفنون!
والحقيقة أن الفنون ليست مجرد لغات بشرية مساندة، بل هي اللغة الوحيدة الخالصة والخاصة بالبشر، فكل الكائنات تمتلك لغات بدائية أساسية بسيطة تؤمِّن لها الحد الأدنى من التواصل المطلوب للحياة والبقاء– تُعادل اللغات البشرية المنطوقة..، أما لغات الفنون فهي مقتصرة على البشر، لأنها تتطلب وعيًا وذكاءً ومهارات لا يمتلكها ولا يُتقنها على الأرض سوى البشر، ولذلك يمكننا القول بأن الفن لغة خاصة بالبشر، وبذلك يصح اعتبار لغة الفن اللغة الأصل للبشر!
 2- الفلسفة، وهي موهبة ومهارة عقلية خاصة، تُستعمل لتصحيح وتوحيد مدلولات المفردات اللغوية، ومحاولة المواءمة بين الأفهام المتعددة وبين المنطق الوجودي الواحد؛
ولذلك تصطدم الفلسفة مع قداسة اللغة، ولذلك تُحارَب الفلسفة من قِبل مُقدِّسي اللغات!
تعدد الأفهام ناجم عن تعدد اللغات والثقافات والمعتقدات!
 3- الفكر، وقد ظهر لإزالة العراقيل والخلافات اللغوية والثقافية والتاريخية التي تحول دون تفاهم البشر وتواصلهم العملي؛
وبذلك يصطدم الفكر بقداسة اللغة، ولذلك يُحارَب شأنه شأن الفلسفة!
 4- العلوم، وهي التي تُنجز وتُثبت عمليًا وماديًا، ما يتناقض مع الكثير من التصورات والمعتقدات التي أوجدتها اللغة في أذهان مُقدِّسيها (تسطَّح الأرض ودوران الشمس حولها مثلاً)، وهذا يطعن في قداسة اللغة، ويؤكد الحاجة إلى تطويرها وعدم تقديسها..، ولذلك فإنه من غير المستغرب أن نجد عُبَّاد ومُقدِّسي اللغات، يُفضِّلون البدائية والتخلف على العِلم!
تقديس اللغة لا يقتصر الخطأ فيه على عدم مصداقيته، بل هو في الواقع من أكبر منابع الخرافة والأساطير، فإظهار اللغة بصورة الكائن المستقل، المجهول المصدر، يملأ النفس البشرية بهواجس روحانية ومخاوف نفسية وفراغات فكرية ومجاهيل وأوهام لا أصل ولا أساس لها ولا نهاية؛
ولا سبيل للتخلص منها إلا بوضع اللغة في مكانها الطبيعي، كأسهل وسيلة للتواصل لا أكثر من ذلك، ما يعني أن اللغة ليست غاية لذاتها، إنما هي أداة لتحقيق هدف، وأنه ينبغي تطويرها وتصحيحها وتهذيبها لتسهيل تحقيق الهدف، تمامًا كما تم تطوير وتصحيح وسائل النقل والاتصال ووسائل إنتاج الملابس وطهي الطعام!

المحصلة..
- تقديس اللغة يعني تجميد العقل، وذلك يعني منع الإنسان من تجاوز نقطة البداية - من حيث تواصله مع بني جنسه وتعاطيه مع الطبيعة!
- المعتقدات لا تُبرر تقديس اللغة، فالواقع أصدق من المعتقدات!
- تقديس اللغة لدى بعض الأعراق، يُمثِّل عائقًا أساسيًا دون حصول التواصل البشري، بدل أن تكون اللغة رافدًا أساسيًا لاكتمال التواصل!
- الإنسان هو أقدس شيء عند الإنسان، فهو أقرب شيء له في الطبيعة، واللغة هي أبسط وسائلهم للتواصل؛
والطبيعي هو أن يتم تطوير اللغة وتسخيرها للتقريب بين البشر حتى تُصبح المسافة بينهم صفرًا - إن أمكن؛
فبُعد المسافة التفاهمية بين البشر، يعكس بُعدهم عن الحقيقة!
واقتراب البشر من بعضهم إلى الدرجة التي يُصبحون عندها كأعضاء مختلفة لجسد واحد، هو أقرب نقطة للحقيقة والسعادة يبلغها البشر

اللغة إنتاج بشري متغير، لا رمز أزلي مُقدَّس!

0 تعليق


رغم الاتفاق الظاهر بين البشر على مدلولات الألفاظ أو المفردات اللغوية، إلا أن السامع قد يفهم من اللغة ما لا يقصده المتحدث أو الكاتب، والعكس صحيح، فقد يقول الكاتب أو المتحدث ما لا يُريد قوله، وذلك بسبب عجز اللغة عن مواكبة الأفكار أو عن التعبير الدقيق عنها، ولذلك ظهرت الحاجة للفكر والفلسفة! فالفكر هو لغة الثقافات، والفلسفة هي لغة اللغات! الفكر فلسفة تكتيكية، والفلسفة فكر استراتيجي! وظيفة الفلسفة بالأساس هي التوفيق بين أفهام الناطقين أو توحيد الفهم البشري للمعاني والمقاصد والأشياء في اللغات المسموعة والمقروءة! وهذا يعني ويُثبت أن اللغات عبارة عن إنتاج بشري تراكمي، لا يخلو من عيوب وقصور، وقد تكون اللغات مصدرًا للاختلافات والخلافات! إحدى أهم الوظائف الإيجابية للغة، هي إبراز الاختلافات الطبيعية بين البشر، ببساطة وبأمانة، وإثبات أنها اختلافات طبيعية فطرية، لكي يحترم البشر اختلافاتهم، فلا يُنظر للاختلافات الطبيعية الفطرية على أنها مفتعلة ومتعمدة، أو أنها طعن من بعضهم في معتقدات بعضهم الآخر؛ لكن، اللغة تُصبح عاملاً سلبيًا عندما تكون مصدرًا لاختلافات غير طبيعية، بسبب سوء فهمها أو سوء استعمالها أو بسبب قصور مفرداتها ومصطلحاتها عن رسم المشهد وإيصال الفكرة أو المعلومة! لغات البشر المختلفة، ليست سوى مجموعة من الرموز المكتوبة، والإشارات الصوتية المُتفق على مدلولاتها، والتي أوجدتها وطورتها حاجة البشر للتواصل والاتصال، والتعبير عن أنفسهم، ووصف الواقع وقِيَمِ وأعداد الأشياء من حولهم! فاللغات البشرية هي أصوات حيوانية متطورة من الصفر، وهي تتطور باستمرار وينبغي أن يتم تطويرها، فهي ليست موجودة كوحدات متكاملة من البداية! اللغة ليست شيئًا فيزيائيًا خاضعًا لقوانين الطبيعة، إنها إنتاج بشري خاضع لحاجة البشر! من الطبيعي والبديهي أن نقول، إنه يوجد إنسان بدون لغة، لكن لا توجد لغة بدون إنسان، وهذا يعني أن اللغة من ملحقات الوجود البشري وليست من أساسياته! لماذا نقول هذه البديهيات؟ لأنه توجد بعض الأعراق البشرية، التي تستعمل اللغة في الواقع، لكن من حيث الوعي، ما تزال هذه الأعراق في مرحلة ما قبل ظهور اللغات وتطورها، حيث إن استعمالهم للغة يتركز على إظهار مدى انبهارهم بها، بل إنهم جعلوا عدم الانبهار بها دلالة على الغباء والجهل بلغتهم، حتى أصبحوا أصغر قيمة ووزنًا من رموز لغاتهم وإشاراتها، ويكاد ينحصر تعاطيهم مع لغاتهم على تقديسها – لا على استعمالها أو تطويرها-، فأعطوا اللغة قيمة في ذاتها، وجعلوها أكبر قيمةً من البشر الذين يستعملونها، فصاروا عبيداً لها، فخدموها بدل استعمالها..، وكأن وجود اللغة كان سابقًا لوجودهم، وأن جزءًا أساسيًا من رسالتهم في الوجود هو خدمة وتقديس هذا الموجود المستقل المُسمَّى "لُغة"، والذي أصبح بالنسبة لهم صنمًا نظريًا ذهنيًا ثقافيًا مُقدَّسًا! تقديس اللغة يؤدي حتمًا إلى محاربة الفكر والفلسفة والفنون والعلوم، وذلك لأن: 1- الفنون، بأنواعها المتعددة والمختلفة من تصوير ورسم ونحت وتجسيم وتمثيل وموسيقى ورقص وغناء وغيرها، إنما ظهرت لسد العجز في اللغة المنطوقة والمكتوبة عن الوفاء بحاجات البشر؛ فالفنون عبارة عن لغات مساندة تحاول التعبير عن الأفكار والمعلومات التي عجزت اللغة المباشرة البسيطة عن إيصالها! وهذه الحقيقة تُظهر وتُثبت أن اللغة شيئًا طارئًا وصناعة بشرية لا تخلو من النقص والقصور، وهذا يتناقض مع تقديسها، ولهذا نجد عُبَّاد اللغة ومقدسيها يُحاربون الفنون! والحقيقة أن الفنون ليست مجرد لغات بشرية مساندة، بل هي اللغة الوحيدة الخالصة والخاصة بالبشر، فكل الكائنات تمتلك لغات بدائية أساسية بسيطة تؤمِّن لها الحد الأدنى من التواصل المطلوب للحياة والبقاء– تُعادل اللغات البشرية المنطوقة..، أما لغات الفنون فهي مقتصرة على البشر، لأنها تتطلب وعيًا وذكاءً ومهارات لا يمتلكها ولا يُتقنها على الأرض سوى البشر، ولذلك يمكننا القول بأن الفن لغة خاصة بالبشر، وبذلك يصح اعتبار لغة الفن اللغة الأصل للبشر! 2- الفلسفة، وهي موهبة ومهارة عقلية خاصة، تُستعمل لتصحيح وتوحيد مدلولات المفردات اللغوية، ومحاولة المواءمة بين الأفهام المتعددة وبين المنطق الوجودي الواحد؛ ولذلك تصطدم الفلسفة مع قداسة اللغة، ولذلك تُحارَب الفلسفة من قِبل مُقدِّسي اللغات! تعدد الأفهام ناجم عن تعدد اللغات والثقافات والمعتقدات! 3- الفكر، وقد ظهر لإزالة العراقيل والخلافات اللغوية والثقافية والتاريخية التي تحول دون تفاهم البشر وتواصلهم العملي؛ وبذلك يصطدم الفكر بقداسة اللغة، ولذلك يُحارَب شأنه شأن الفلسفة! 4- العلوم، وهي التي تُنجز وتُثبت عمليًا وماديًا، ما يتناقض مع الكثير من التصورات والمعتقدات التي أوجدتها اللغة في أذهان مُقدِّسيها (تسطَّح الأرض ودوران الشمس حولها مثلاً)، وهذا يطعن في قداسة اللغة، ويؤكد الحاجة إلى تطويرها وعدم تقديسها..، ولذلك فإنه من غير المستغرب أن نجد عُبَّاد ومُقدِّسي اللغات، يُفضِّلون البدائية والتخلف على العِلم! تقديس اللغة لا يقتصر الخطأ فيه على عدم مصداقيته، بل هو في الواقع من أكبر منابع الخرافة والأساطير، فإظهار اللغة بصورة الكائن المستقل، المجهول المصدر، يملأ النفس البشرية بهواجس روحانية ومخاوف نفسية وفراغات فكرية ومجاهيل وأوهام لا أصل ولا أساس لها ولا نهاية؛ ولا سبيل للتخلص منها إلا بوضع اللغة في مكانها الطبيعي، كأسهل وسيلة للتواصل لا أكثر من ذلك، ما يعني أن اللغة ليست غاية لذاتها، إنما هي أداة لتحقيق هدف، وأنه ينبغي تطويرها وتصحيحها وتهذيبها لتسهيل تحقيق الهدف، تمامًا كما تم تطوير وتصحيح وسائل النقل والاتصال ووسائل إنتاج الملابس وطهي الطعام! المحصلة.. - تقديس اللغة يعني تجميد العقل، وذلك يعني منع الإنسان من تجاوز نقطة البداية - من حيث تواصله مع بني جنسه وتعاطيه مع الطبيعة! - المعتقدات لا تُبرر تقديس اللغة، فالواقع أصدق من المعتقدات! - تقديس اللغة لدى بعض الأعراق، يُمثِّل عائقًا أساسيًا دون حصول التواصل البشري، بدل أن تكون اللغة رافدًا أساسيًا لاكتمال التواصل! - الإنسان هو أقدس شيء عند الإنسان، فهو أقرب شيء له في الطبيعة، واللغة هي أبسط وسائلهم للتواصل؛ والطبيعي هو أن يتم تطوير اللغة وتسخيرها للتقريب بين البشر حتى تُصبح المسافة بينهم صفرًا - إن أمكن؛ فبُعد المسافة التفاهمية بين البشر، يعكس بُعدهم عن الحقيقة! واقتراب البشر من بعضهم إلى الدرجة التي يُصبحون عندها كأعضاء مختلفة لجسد واحد، هو أقرب نقطة للحقيقة والسعادة يبلغها البشر

الخميس، 12 نوفمبر 2020

الإنسان ساحة لصراع السؤال والجواب!

0 تعليق


لا يؤلمنا إلا ما نعتقد أنه كان بإمكاننا اجتنابه!
 يتوقف إحساسنا بالألم عندما يتوقف شعورنا بقدرتنا

على دفعه، فنتأقلم معه ويتحول بذلك الألم إلى واقع

طبيعي!يتوقف خوفنا من العقاب، عندما يتوقف شعورنا الزائف

بالذنب! شعورنا بالذنب، يعكس شعورًا زائفًا لدينا، بقيمة

لا نتملك في الحقيقة جزءًا من الألف منها!  احتاجت الحياة البشرية أن يقضي أولها آلاف السنين

من البدائية، قبل أن يخرج حاضرها من عتمة التخلف،

ويرى نور الكهرباء وينعم بما ترتب عليها من إنجازات!

ويبدو أن حاضرها مضطر لقضاء مئات السنين الدامية،

قبل أن يخرج آخرها من عتمة المعتقدات، لينعم بما

يترتب على ذلك من حياة خالية من الأوهام والعذابات! القول بأن حقيقة الكون والوجود أمرٌ ميتافيزيقي يفوق

قدرتنا على التصور، معناه أن الحقيقة والعدم سواء

بالنسبة لنا ..، لأنه متى استحال تصورنا للحقيقة،

انقطعت صلتنا بها وانتفت مسئوليتنا عنها، وبذلك يكون

تعاطينا مع الحقيقة الكونية مجرد ترف فكري!

وهنا يمكننا الاكتفاء بالقول: لم نُستشر ولم نشارك في

صنع البداية، فلن نحمل هم النهاية ..

وفلسفة المُخيَّر والمُسيَّر، ليست سوى أوهام ..

هناك عوامل خارجية، ومعطيات مادية وخلقية تسبق

وجود الإنسان، هي التي تصنع ماهيته وواقعه المادي

والفكري لاحقًا ..

فلا يوجد ولا يمكن أن يوجد إنسان قادر على صنع

نفسه بنفسه، لكي يكون مسئولاً عن سلوكه أو صاحب

فضل بسلوكه وإنجازاته! 
القول بأن دقة وتعقيد النظام الكوني والحياة، وصرامة

قوانينها، تستوجب وجود مصمم ذكي وقادر ومستقل

عن الوجود والكون ..، هو تفسير خشبي وتصور

بدائي تقليدي، لا يعدو أن يكون صورة طبق الأصل

لواقعنا البشري الصغير المحدود – مُكبَّرة!

وإن نظرة محدودة في هذا التصور تجعله ينهار على

نفسه ..

فالقائلون بهذا التصور، يعتقدون بوجود قوة مشخصنة،

هي أعقد وأدق وأشمل من الكون والوجود والحياة- بما

لا يقارن، ومع ذلك لا يرون عجبًا ولا مانعًا من إمكانية

وجود هذه القوة دون موجد ..

بينما الحياة والوجود وقوانين الطبيعة - التي هي أقل

تعقيدًا بكثير ..، لا يقبلون بفكرة وجودها دون موجد!

والأغرب من ذلك، هو القول بأن تلك القوة المزعومة

ليست سوى إله، يخلق صنفًا من البشر، ويجعلهم

يعصونه، ليُبرر بمعصيتهم خلق صنف آخر من البشر

لقتل الصنف الأول ..

إلهٌ بهذه المواصفات، لا يمكن لإنسان عاقل يحترم نفسه

أن يؤمن بوجوده، حتى لو كان وجوده حقيقة ماثلة!

إن إلهًا يستعمل الخداع ويختلق الأعذار ليعذب بشرًا هو

من خلقهم ضعفاء جهلاء، لا معنى للإيمان به وطاعته،

لأنه لن يعدم العذر ليوقع بالبشر حتى لو أدوا واجبهم ..

فإن كان الذين يقتلون غيرهم ويعذبونهم باسم الإله، هم

واهمون أو كاذبون، وليسوا مكلفين من الإله ..،

إذن لا وجود للإله، وإلا لتدخل لكشف الحقيقة ووأد

الفتنة وإنقاذ الذين يُقتلون باسمه ظلمًا ..

فإن كان لا يأبه بالظلم والألم الحاصل باسمه، إذن هو

إله عابث لا تعني له الحقيقة شيئًا ..

وبالنتيجة ..

إما أنه لا وجود للإله أو لا قيمة للإيمان بوجوده! 
 الخيال والمنطق والتجربة، تلتقي وتتفق على القول:

بأنه لا يمكن للفضاء الكوني أن يكون محصورًا بحدود،

إذ لا بد من وجود شيء خلف كل شيء في كل اتجاه ..،

وإلى ما لا نهاية!

ولذلك يمكننا القول بأنه لا مانع ولا مناص لنا، من

اعتبار الكون فضاءً أزليًا لا محدودًا، قوامه أصول كونية

دائمة أو وحدات كونية دائمة، تتحد فينشأ منها الوجود،

وتتفكك فيزول الموجود ..،

وأن الحياة والوجود المرصود عبارة عن ظواهر كونية!

وأن الزمن المرتبط بالوجود المادي، هو زمن وهمي

افتراضي، يُمثل الوجه الرياضي الحسابي للتغير المادي

الحتمي، الملازم لظاهرة الوجود العابرة دائمًا ..

وأنه لا يوجد زمن كوني – وهمي ولا حقيقي، إنما هي

اللابداية واللانهاية الزمنية المعنوية الحسابية المتوافقة

بالضرورة مع اللابداية واللانهاية المكانية المادية

للكون

الثلاثاء، 10 نوفمبر 2020

الله يحاسب الناس أفرادًا لا جماعات!

0 تعليق


كل ما يحصل في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا منذ قرون، من فقر، جهل، تخلف، عنف، استعباد، سذاجة، …الخ، هو إما غير مفهوم أو غير مبرر أو ممنوع الخوض فيه!
لماذا تنبع وتتجذر الأحقاد والصراعات والمآسي في منطقة الشرق الأوسط؟

لأنها مهد الديانات!
الواقع يقول إن الديانات لم تفشل في إصلاح البشر وحسب، بل زادت الطين بلة!
الديانات لم تأتِ لإصلاح بشر صالحين، إنها جاءت لإصلاح بشر يحتاجون لإصلاح، وبالتالي لا معنى للقول بأن الخلل في البشر!
لماذا يوشك العرب على تبوئ ذيل القائمة البشرية، من حيث التخلف والضعف وعدم الاستقرار؟
لأنهم عرب ومسلمون!
العرب كانوا قبائل وعشائر متفرقة متصارعة باسم المصلحة قبل الإسلام، وبعد الإسلام لم يتغير شيء سوى المسميات ودوافع الصراعات، حيث أصبحوا طوائف ومذاهب وأحزابًا ودول دينية متفرقة متصارعة باسم الله والرسول!
أنا أعلم أن الكثيرين يرفضون هذه الإجابات والتحليلات، لكنني أعرف أنهم لا يرفضونها عن وعي وإدراك!
إنهم يرفضونها لأنهم مأمورون برفضها، وحسب!
هم ليسوا مأمورين دينيًا أو إلهيًا أو منطقيًا، إنهم مأمورون فقهيًا طائفيًا مذهبيًا اجتهاديًا وجماعاتيًا!
إنهم لا يرفضونها بحجج منطقية عقلانية واقعية، إنهم يرفضونها لأنهم ممنوعون من التفكير واستعمال العقل والمنطق، وممنوعون من التصريح بما يجيش في أخلادهم من تساؤلات مشروعة حول هذه الحقائق الواقعية!
إنهم مُلقَّنون منذ صغرهم، بأنهم وُجِدوا لكي يكونوا مقموعين فكريًا، مستعبدين ثقافيًا، وأنهم رَعيَّة، وبذلك هم بحاجة إلى راعٍ، وبحاجة مستمرة لمن يفهم لهم ماذا يريد الله منهم!
القرآن لم يقل فقط بأنه من حق الإنسان وأنه بمقدوره مُحاجَّة الفقهاء والرسل!
القرآن قال إن إنسانًا فردًا اسمه "إبراهيم"، كان قد طلب من ربه أن يريه كيف يحيي الموتى، وهو ليس مؤمنًا وحسب، بل كان رسولاً؛ وبرر طلبه بأنه يحتاج إلى تجربة عملية واقعية يفقهها هو بحواسه، لكي يطمئن قلبه لما آمن به..؛ فكيف يُطلب من المؤمنين اليوم أن يمتثلوا لاجتهادات فقهاء ومرشدين، وهم ليسوا آلهة ولا رُسُلاً، إنما هم بشر مثلهم، دون أن يكون من حقهم طلب تجارب عملية حسية، تُثبت صواب هذه الاجتهادات، التي أوصلت العرب والمسلمين إلى هذه الحال المرفوضة عقليًا وقلبيًا!
لماذا يتعصب الفرد لقبيلته – ظالمة أو مظلومة؟
لأنه يحتاج لحماية القبيلة، والقبيلة لا تحمي إلا المتعصبين لها..؛ فهل الأمر ذاته ينطبق على التعصب الديني والطائفي والمذهبي؟
كلا إن الأمر لا ينطبق هنا، فالقبيلة تحمي الفرد من قبيلة مثلها، أما الطائفة والمذهب والحزب الديني والدولة الدينية، لا تستطيع حماية المتعصبين لها من الله، حيث إن البشر سيكونون فُرادى يوم البعث وعند الحساب!
إذن لا معنى للانتماء الطائفي والمذهبي والحزبي الديني، بل الصواب هو التحرر الفكري لكي يستطيع الإنسان الفرد الدفاع عن سلوكه وممارساته بحجج منطقية واقعية يفقهها هو، وليست حُجج يفقها فقهاء ومرشدون، وهم الذين لن يكونوا بجانبه عند السؤال والحساب!
هذه حقائق يعرفها الفقهاء والمرشدون، لكنهم يُحجمون عن ذكرها، لأنها تُحرر الإنسان، وتترك الفقهاء بلا أتباع..، ولا تترك الإنسان بلا دين، إنما تُعيد له وعيه المسلوب، وتُفعِّل عقله المُعطَّل!
لقد تصدعت الرؤوس وضاعت أجيال كاملة بسبب الخطاب الأجوف ،القائل بأن بُعد العرب عن عروبتهم، وبُعد المسلمين عن الإسلام، هي أسباب تخلفهم!
والواقع أن العكس هو الصحيح، فتشبث العرب بعروبتهم، وتشدد وتعصب المسلمين لإسلامهم هي أسباب تخلفهم!
فإذا كان العرب بعيدين عن العروبة، والمسلمون بعيدين عن الإسلام، فمن هو القريب من هذه الألغاز؟
وإذا كان عرب ومسلمو اليوم بعيدين عن العروبة والإسلام، فهل الخلافات والصراعات في بداية الإسلام، والتي قسَّمت العرب والمسلمين إلى طوائف ومذاهب..، كانت بسبب بُعدهم عن العروبة والإسلام؟
إذا كان الأمر كذلك، إذن يكون البعد عن العروبة الإسلام قدرًا محتومًا، ولا معنى لرفضه، بل إن رفض القدر يعتبر إثمًا عظيما!
الحقيقة هي أنه لو كان البُعد عن الإسلام يُسبب التخلف والضعف وعدم الاستقرار، لما تقدم وقوي واستقر البعيدون جدًا جدًا عن الإسلام؟
الحقيقة هي أن الانتماء الحزبي والمذهبي والوطني، لا يُدخل الطامعين جنةً، ولا يُنجي الساذجين من نار!
وحده التحرر الفكري والمسئولية الفردية، ما يضع الإنسان حيث يختار!
لمن يقول إن مرجعيتنا هي الإسلام والقرآن، وعلينا الطاعة، بغض النظر عن النتائج والواقع؛
نقول: إنه لا أحد يُطالبك بترك الإسلام وهجر القرآن، بل نحن ندعوك أن تفهم حقيقة الإسلام وخطاب القرآن بنفسك لا عبر وُسطاء..، فلا واسطة بين العبد وربه!
الله لم يأمر الضعفاء من العرب والمسلمين بالتمسك بالأوطان وتقديسها والموت فيها، بل أمرهم بهجرها إذا انعدمت فيها الحرية، وأمرهم بالهجرة في أرضه الواسعة، إلى حيث يكونون أحراراً، لكي يكونوا مسئولين عن أفعالهم، ولا يتحججوا بالضعف والظلم والاستعباد، ولا يتحججوا بأنهم اعتمدوا على سادتهم وكبرائهم فأضلوهم السبيل (وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا (67) ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعناً كبيراً (68) .. الأحزاب!
ولمن يقول إن هذه الآيات تتحدث عن الكفار، وليس عن المؤمنين، نقول:
ماذا يعني لك مفهوم كافر، أو من هو الكافر؟
يعتقد الكثيرون – خطأً – بأن الكافر هو إنسان يكفر بالله، .. أي أنه لا يُقر بألوهية وربوبية الله!
وهنا نقول: إن هذا الاعتقاد أو هذا الفهم، هو عبارة عن مغالطة كبرى، وعدم احترام لعقول الناس، واستغلال لبساطة البُسطاء، وهي أكذوبة ثقافية كُبرى، وخدعة لفظية انطلت على الكثيرين – مع الأسف!
الحقيقة هي أنه لا يوجد، ولا يمكن أن يوجد، إنسان يكفر بالله!
الموجودون هم بشر يُكذِّبون أو يُصدِّقون بعضهم، وليس بينهم من يعرف الله أو من رأى الله، بما في ذلك الرُسُل!
ليس بين البشر من كفر بالله أو آمن بالله عن معرفة!
إن من أكبر وأبشع وأقبح درجات الكذب والتزوير والخداع والتدليس على الناس وعلى الله، هي أن يُقال بأن تكذيب "س" من الناس، يُعادل الكفر بالله!
ولمن يقول إن مفهوم الكافر كما جاء في القرآن، يعني الإنسان الذي يكفر بالله، ولا يعني إنسانًا يُكذِّب إنسانًا مثله؛ نقول:
إن القرآن يُخاطب العقلاء، وبذلك لا يمكن أن يتعارض مع العقل، ولذلك عليك أن تُعيد فهمك للقرآن بما يتوافق مع العقل!
إنه أمر غير قابل للتحقق عمليًا ومنطقيًا، ذلك أن إنساناً يعرف الله ويكفر به!
الواقع أن البشر مختلفون بالطبيعة وبالضرورة، ورُغمًا عنهم، من حيث المقدرة على الفهم والتحليل والتصور، تمامًا كما يختلف الأطفال عن البالغين، وكما يختلف غير الخبير عن الخبير!
إن ما يمكن أن يُقنع أو يُخيف أو يُغري الأطفال، لا ينجح مع البالغين؛ وكذلك هو الحال مع البُسطاء والمفكرين، فما يمكن تمريره على البُسطاء، لا يمكن تمريره على المفكرين!
فإذا كانت حُجَّة أحد المفكرين ضعيفة، فإنها قد تنطلي على البُسطاء، لكنها لا تنطلي على من هم في مستوى تفكيره ووعيه!
وهنا تبدأ المؤامرة والخداع، فلو قال هذا المفكر صاحب الحُجَّة الضعيفة، بأن بعض الناس لم يُصدِّقوني، أو أن حُجتي لم تُقنع بعض الناس – من المعروفين بوعيهم وصدقهم ومقدرتهم على التحليل -، فإن البُسطاء الذين أقنعتهم حُجَّته سيُعيدون النظر في قناعتهم بما قال، ولذلك هو يقول بدل ذلك، بأن بعض الناس قد آمنوا بالله، وبعضهم كفر بالله، وكأن المؤمن قد آمن عن بينة، والكافر قد كفر عن بينة..، والواقع أن هذه مغالطة وتزوير وخداع مفضوح!
إن الإنسان العاقل، مهما بلغت قوته وغروره وجهله وحُمقه، يظل أعجز من أن يكفر برب عمله، فكيف يكفر بربه هو!
إن الأمر أشبه بأن يأتيك أحدهم ويطلب منك أن تُطيعه وتفعل أمورًا غير معقولة، ويدعي أنه مكلف من قبل الحكومة أو القضاء – دون إثبات!
فإذا استعملت عقلك وكذَّبته لأنه لا يحمل إثباتًا، ولأن ما يطلبه منك غير معقول..؛ ذهب وأشاع بين الناس بأنك ترفض أمر القضاء، وأنك متمرد على الشرعية!
فإذا كان صاحبك مبعوثًا من الحكومة أو القضاء أو يُمثِّل الشرعية فعلاً، فإنه سيرفع أمرك إلى الجهة الشرعية التي كلفته، ولن يُشهِّر بك أو يشتكيك إلى بشر لا يعلمون حقيقتك ولا حقيقته، ويخلق بذلك فتنة بين الناس!
إننا نتحدث عما هو قائم اليوم، واليوم لا يوجد بيننا رسول نُحاججه أو نحتكم له، إننا نتحدث عن بشر عاديين لا يملكون دليلاً على أن فهمهم وتفسيرهم صحيح!
إنهم يستعملون العقل، في حين هم أضعف وأجهل من أن يُجيبوا سؤال العقل!
إنهم أقل صِدقًا وأمانة من أن يقولوا الله أعلم – فيما يجهلونه!
إنهم يخشون تحرر الإنسان، إنهم يتصرفون كآلهة لا كبشر!
الله لم يأمر المسلمين بالانتماء إلى حزب الإخوان أو حزب السلفيين أو سواها من الأحزاب والجماعات الدينية، ولا إلى طائفة السنة ولا طائفة الشيعة، بل حذرهم من أن يكونوا شيعًا (طوائف)، وحذرهم من أن يكونوا أحزابًا، وحذرهم من أن يكونوا فرحين بما تحققه أحزابهم!
إذن الدين يأمر بالتحرر الفكري والمسئولية الفردية، لا بالانتماء الطائفي ولا المذهبي ولا الحزبي!
التحرر الفكري هو أن لا يعتقد الإنسان ولا يفعل إلا ما يستوعبه عقله ووعيه، ويطمئن له قلبه، ويقتنع هو بصوابه!
وحيث إن البشر مختلفون من حيث المقدرة العقلية، وبالطبيعة لا بإرادتهم، إذن من العبث والجهل والفتنة محاولة توحيدهم فكريًا أو حكمهم عقائديًا!
وحيث إن الأمر كذلك، إذن الصواب هو الاتفاق على قوانين وضعية، يمكن فهمها ويمكن تغييرها ويمكن نقدها والطعن فيها وتصحيحها باستمرار، بما يُحقق الحد الأدنى من مصالح الجميع والاستقرار!
وتبقى أمور الاعتقاد والإيمان والكفر والتصديق والتكذيب، أمورًا شخصية فردية، تختلف من إنسان لآخر بحسب اختلافاتهم الطبيعية التي لا يمكن إزالتها

الله يحاسب الناس أفرادًا لا جماعات!

0 تعليق


كل ما يحصل في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا منذ قرون، من فقر، جهل، تخلف، عنف، استعباد، سذاجة، …الخ، هو إما غير مفهوم أو غير مبرر أو ممنوع الخوض فيه! لماذا تنبع وتتجذر الأحقاد والصراعات والمآسي في منطقة الشرق الأوسط؟ لأنها مهد الديانات! الواقع يقول إن الديانات لم تفشل في إصلاح البشر وحسب، بل زادت الطين بلة! الديانات لم تأتِ لإصلاح بشر صالحين، إنها جاءت لإصلاح بشر يحتاجون لإصلاح، وبالتالي لا معنى للقول بأن الخلل في البشر! لماذا يوشك العرب على تبوئ ذيل القائمة البشرية، من حيث التخلف والضعف وعدم الاستقرار؟ لأنهم عرب ومسلمون! العرب كانوا قبائل وعشائر متفرقة متصارعة باسم المصلحة قبل الإسلام، وبعد الإسلام لم يتغير شيء سوى المسميات ودوافع الصراعات، حيث أصبحوا طوائف ومذاهب وأحزابًا ودول دينية متفرقة متصارعة باسم الله والرسول! أنا أعلم أن الكثيرين يرفضون هذه الإجابات والتحليلات، لكنني أعرف أنهم لا يرفضونها عن وعي وإدراك! إنهم يرفضونها لأنهم مأمورون برفضها، وحسب! هم ليسوا مأمورين دينيًا أو إلهيًا أو منطقيًا، إنهم مأمورون فقهيًا طائفيًا مذهبيًا اجتهاديًا وجماعاتيًا! إنهم لا يرفضونها بحجج منطقية عقلانية واقعية، إنهم يرفضونها لأنهم ممنوعون من التفكير واستعمال العقل والمنطق، وممنوعون من التصريح بما يجيش في أخلادهم من تساؤلات مشروعة حول هذه الحقائق الواقعية! إنهم مُلقَّنون منذ صغرهم، بأنهم وُجِدوا لكي يكونوا مقموعين فكريًا، مستعبدين ثقافيًا، وأنهم رَعيَّة، وبذلك هم بحاجة إلى راعٍ، وبحاجة مستمرة لمن يفهم لهم ماذا يريد الله منهم! القرآن لم يقل فقط بأنه من حق الإنسان وأنه بمقدوره مُحاجَّة الفقهاء والرسل! القرآن قال إن إنسانًا فردًا اسمه "إبراهيم"، كان قد طلب من ربه أن يريه كيف يحيي الموتى، وهو ليس مؤمنًا وحسب، بل كان رسولاً؛ وبرر طلبه بأنه يحتاج إلى تجربة عملية واقعية يفقهها هو بحواسه، لكي يطمئن قلبه لما آمن به..؛ فكيف يُطلب من المؤمنين اليوم أن يمتثلوا لاجتهادات فقهاء ومرشدين، وهم ليسوا آلهة ولا رُسُلاً، إنما هم بشر مثلهم، دون أن يكون من حقهم طلب تجارب عملية حسية، تُثبت صواب هذه الاجتهادات، التي أوصلت العرب والمسلمين إلى هذه الحال المرفوضة عقليًا وقلبيًا! لماذا يتعصب الفرد لقبيلته – ظالمة أو مظلومة؟ لأنه يحتاج لحماية القبيلة، والقبيلة لا تحمي إلا المتعصبين لها..؛ فهل الأمر ذاته ينطبق على التعصب الديني والطائفي والمذهبي؟ كلا إن الأمر لا ينطبق هنا، فالقبيلة تحمي الفرد من قبيلة مثلها، أما الطائفة والمذهب والحزب الديني والدولة الدينية، لا تستطيع حماية المتعصبين لها من الله، حيث إن البشر سيكونون فُرادى يوم البعث وعند الحساب! إذن لا معنى للانتماء الطائفي والمذهبي والحزبي الديني، بل الصواب هو التحرر الفكري لكي يستطيع الإنسان الفرد الدفاع عن سلوكه وممارساته بحجج منطقية واقعية يفقهها هو، وليست حُجج يفقها فقهاء ومرشدون، وهم الذين لن يكونوا بجانبه عند السؤال والحساب! هذه حقائق يعرفها الفقهاء والمرشدون، لكنهم يُحجمون عن ذكرها، لأنها تُحرر الإنسان، وتترك الفقهاء بلا أتباع..، ولا تترك الإنسان بلا دين، إنما تُعيد له وعيه المسلوب، وتُفعِّل عقله المُعطَّل! لقد تصدعت الرؤوس وضاعت أجيال كاملة بسبب الخطاب الأجوف ،القائل بأن بُعد العرب عن عروبتهم، وبُعد المسلمين عن الإسلام، هي أسباب تخلفهم! والواقع أن العكس هو الصحيح، فتشبث العرب بعروبتهم، وتشدد وتعصب المسلمين لإسلامهم هي أسباب تخلفهم! فإذا كان العرب بعيدين عن العروبة، والمسلمون بعيدين عن الإسلام، فمن هو القريب من هذه الألغاز؟ وإذا كان عرب ومسلمو اليوم بعيدين عن العروبة والإسلام، فهل الخلافات والصراعات في بداية الإسلام، والتي قسَّمت العرب والمسلمين إلى طوائف ومذاهب..، كانت بسبب بُعدهم عن العروبة والإسلام؟ إذا كان الأمر كذلك، إذن يكون البعد عن العروبة الإسلام قدرًا محتومًا، ولا معنى لرفضه، بل إن رفض القدر يعتبر إثمًا عظيما! الحقيقة هي أنه لو كان البُعد عن الإسلام يُسبب التخلف والضعف وعدم الاستقرار، لما تقدم وقوي واستقر البعيدون جدًا جدًا عن الإسلام؟ الحقيقة هي أن الانتماء الحزبي والمذهبي والوطني، لا يُدخل الطامعين جنةً، ولا يُنجي الساذجين من نار! وحده التحرر الفكري والمسئولية الفردية، ما يضع الإنسان حيث يختار! لمن يقول إن مرجعيتنا هي الإسلام والقرآن، وعلينا الطاعة، بغض النظر عن النتائج والواقع؛ نقول: إنه لا أحد يُطالبك بترك الإسلام وهجر القرآن، بل نحن ندعوك أن تفهم حقيقة الإسلام وخطاب القرآن بنفسك لا عبر وُسطاء..، فلا واسطة بين العبد وربه! الله لم يأمر الضعفاء من العرب والمسلمين بالتمسك بالأوطان وتقديسها والموت فيها، بل أمرهم بهجرها إذا انعدمت فيها الحرية، وأمرهم بالهجرة في أرضه الواسعة، إلى حيث يكونون أحراراً، لكي يكونوا مسئولين عن أفعالهم، ولا يتحججوا بالضعف والظلم والاستعباد، ولا يتحججوا بأنهم اعتمدوا على سادتهم وكبرائهم فأضلوهم السبيل (وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا (67) ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعناً كبيراً (68) .. الأحزاب! ولمن يقول إن هذه الآيات تتحدث عن الكفار، وليس عن المؤمنين، نقول: ماذا يعني لك مفهوم كافر، أو من هو الكافر؟ يعتقد الكثيرون – خطأً – بأن الكافر هو إنسان يكفر بالله، .. أي أنه لا يُقر بألوهية وربوبية الله! وهنا نقول: إن هذا الاعتقاد أو هذا الفهم، هو عبارة عن مغالطة كبرى، وعدم احترام لعقول الناس، واستغلال لبساطة البُسطاء، وهي أكذوبة ثقافية كُبرى، وخدعة لفظية انطلت على الكثيرين – مع الأسف! الحقيقة هي أنه لا يوجد، ولا يمكن أن يوجد، إنسان يكفر بالله! الموجودون هم بشر يُكذِّبون أو يُصدِّقون بعضهم، وليس بينهم من يعرف الله أو من رأى الله، بما في ذلك الرُسُل! ليس بين البشر من كفر بالله أو آمن بالله عن معرفة! إن من أكبر وأبشع وأقبح درجات الكذب والتزوير والخداع والتدليس على الناس وعلى الله، هي أن يُقال بأن تكذيب "س" من الناس، يُعادل الكفر بالله! ولمن يقول إن مفهوم الكافر كما جاء في القرآن، يعني الإنسان الذي يكفر بالله، ولا يعني إنسانًا يُكذِّب إنسانًا مثله؛ نقول: إن القرآن يُخاطب العقلاء، وبذلك لا يمكن أن يتعارض مع العقل، ولذلك عليك أن تُعيد فهمك للقرآن بما يتوافق مع العقل! إنه أمر غير قابل للتحقق عمليًا ومنطقيًا، ذلك أن إنساناً يعرف الله ويكفر به! الواقع أن البشر مختلفون بالطبيعة وبالضرورة، ورُغمًا عنهم، من حيث المقدرة على الفهم والتحليل والتصور، تمامًا كما يختلف الأطفال عن البالغين، وكما يختلف غير الخبير عن الخبير! إن ما يمكن أن يُقنع أو يُخيف أو يُغري الأطفال، لا ينجح مع البالغين؛ وكذلك هو الحال مع البُسطاء والمفكرين، فما يمكن تمريره على البُسطاء، لا يمكن تمريره على المفكرين! فإذا كانت حُجَّة أحد المفكرين ضعيفة، فإنها قد تنطلي على البُسطاء، لكنها لا تنطلي على من هم في مستوى تفكيره ووعيه! وهنا تبدأ المؤامرة والخداع، فلو قال هذا المفكر صاحب الحُجَّة الضعيفة، بأن بعض الناس لم يُصدِّقوني، أو أن حُجتي لم تُقنع بعض الناس – من المعروفين بوعيهم وصدقهم ومقدرتهم على التحليل -، فإن البُسطاء الذين أقنعتهم حُجَّته سيُعيدون النظر في قناعتهم بما قال، ولذلك هو يقول بدل ذلك، بأن بعض الناس قد آمنوا بالله، وبعضهم كفر بالله، وكأن المؤمن قد آمن عن بينة، والكافر قد كفر عن بينة..، والواقع أن هذه مغالطة وتزوير وخداع مفضوح! إن الإنسان العاقل، مهما بلغت قوته وغروره وجهله وحُمقه، يظل أعجز من أن يكفر برب عمله، فكيف يكفر بربه هو! إن الأمر أشبه بأن يأتيك أحدهم ويطلب منك أن تُطيعه وتفعل أمورًا غير معقولة، ويدعي أنه مكلف من قبل الحكومة أو القضاء – دون إثبات! فإذا استعملت عقلك وكذَّبته لأنه لا يحمل إثباتًا، ولأن ما يطلبه منك غير معقول..؛ ذهب وأشاع بين الناس بأنك ترفض أمر القضاء، وأنك متمرد على الشرعية! فإذا كان صاحبك مبعوثًا من الحكومة أو القضاء أو يُمثِّل الشرعية فعلاً، فإنه سيرفع أمرك إلى الجهة الشرعية التي كلفته، ولن يُشهِّر بك أو يشتكيك إلى بشر لا يعلمون حقيقتك ولا حقيقته، ويخلق بذلك فتنة بين الناس! إننا نتحدث عما هو قائم اليوم، واليوم لا يوجد بيننا رسول نُحاججه أو نحتكم له، إننا نتحدث عن بشر عاديين لا يملكون دليلاً على أن فهمهم وتفسيرهم صحيح! إنهم يستعملون العقل، في حين هم أضعف وأجهل من أن يُجيبوا سؤال العقل! إنهم أقل صِدقًا وأمانة من أن يقولوا الله أعلم – فيما يجهلونه! إنهم يخشون تحرر الإنسان، إنهم يتصرفون كآلهة لا كبشر! الله لم يأمر المسلمين بالانتماء إلى حزب الإخوان أو حزب السلفيين أو سواها من الأحزاب والجماعات الدينية، ولا إلى طائفة السنة ولا طائفة الشيعة، بل حذرهم من أن يكونوا شيعًا (طوائف)، وحذرهم من أن يكونوا أحزابًا، وحذرهم من أن يكونوا فرحين بما تحققه أحزابهم! إذن الدين يأمر بالتحرر الفكري والمسئولية الفردية، لا بالانتماء الطائفي ولا المذهبي ولا الحزبي! التحرر الفكري هو أن لا يعتقد الإنسان ولا يفعل إلا ما يستوعبه عقله ووعيه، ويطمئن له قلبه، ويقتنع هو بصوابه! وحيث إن البشر مختلفون من حيث المقدرة العقلية، وبالطبيعة لا بإرادتهم، إذن من العبث والجهل والفتنة محاولة توحيدهم فكريًا أو حكمهم عقائديًا! وحيث إن الأمر كذلك، إذن الصواب هو الاتفاق على قوانين وضعية، يمكن فهمها ويمكن تغييرها ويمكن نقدها والطعن فيها وتصحيحها باستمرار، بما يُحقق الحد الأدنى من مصالح الجميع والاستقرار! وتبقى أمور الاعتقاد والإيمان والكفر والتصديق والتكذيب، أمورًا شخصية فردية، تختلف من إنسان لآخر بحسب اختلافاتهم الطبيعية التي لا يمكن إزالتها

الأربعاء، 7 أكتوبر 2020

الإنسان والبشر .. اختلافات جوهرية!

0 تعليق



الأُمِّية لا تجعل الإنسان بشرًا، والتعليم والثقافة لا تجعل البشر إنسانًا..، هي معايير داخلية يختلف بها الإنسان عن الإنسان، والبشر عن البشر!
التعليم والتثقيف روافد للأفكار، تخدمها لكن لا تصنعها!
كل الروايات والقصص التاريخية والنظريات والدراسات الاجتماعية والنظريات الفلسفية والعلمية والدينية، جميعها تتحدث عن صنفين مختلفين من البشر – أعلى وأدنى-، وكلها تشترك في عدم تحميل المسئولية للأدنى عن دُنُوِّه، وعدم منح الفضل للأعلى في عُلُوِّه، وكلها تقول بأن الأعلى قادر على أداء وظائف الأدنى، وأن العكس غير صحيح!
وفي ذلك إشارة واضحة إلى أن الاختلافات جوهرية وجذرية!
مع ملاحظة أن: الأعلى قادر على إدراك ممارسات الأدنى، لكنه غير قادر على أدائها، تمامًا كما أن البشر قادر على إدراك ممارسات الحيوان لكنه غير قادر على أدائها – ترفعًا وليس عجزًا!
النظريات الدينية على سبيل المثال، تقول: إن الإله يخلق ما يشاء، ويؤتي الحكمة من يشاء، ويهدي من يشاء ويضل من يشاء، ويؤتي المُلك من يشاء وينزعه ممن يشاء، ويجعل من يشاء عقيما..، الخ من اليشاءات!
وهذا إقرار صريح بوجود اختلافات جسيمة بين البشر، لا يتساوون طالما كانت موجودة، ولا يمكنهم افتعالها ولا يمكنهم إخفاءها، لكنه كذلك تعبير عن عدم إدراك أسبابها، مما أدى إلى نسبتها إلى الإله – لمنع أي تساؤل حولها!
هذه الـ(يشاءات) باللغة الدينية، تُعادل الاحتمالات التي يحتويها الـ(DNA) باللغة الطبيعية والعلمية!
والنتيجة في الحالتين هي الإقرار بوجود قوة خفية (جينية) فاعلة قاهرة، تفرض على البشر أن يكونوا كائنات مختلفة، وليس مجرد مستويات مختلفة قابلة للتقارب!
التناقض والارتباك واضح في طرح النظريات الدينية لموضوع الاختلاف ومحاولة معالجته..
فهي من جهة تعترف بأن الاختلاف كبير جدًا إلى درجة أنها نسبته إلى المشيئة الإلهية، ومن جهة تحاول إجبار البشر على تجاهله أو تجاوزه أو معالجته بالتقليد والتعلم والتدرب..، وفي ذلك من المفارقة ما يجعل الطرح غير منطقي وغير واقعي!
فإذا كان الاختلاف (الضلال – مثلاً) ناجمًا عن إرادة إلهية، إذن يكون من العبث أن يُطلب من غير المهتدي منافسة المهتدي، لأن ذلك يُعادل الطلب من البشر منافسة الإله!
وإذا كان بمقدور البشر أن يتجاوز الضلال المفروض عليه إلهيًا، ويصنع الهداية لنفسه بنفسه، يكون لا معنى للهداية والضلال الإلهيين!
ولذلك نجد القائمين على الأديان اليوم يدعون إلى ما يعتقدون أنه طريق الهداية، وفي ذات الوقت يقولون: إن طريق الهداية معروف لكنه قد يؤدي إلى ذات النتيجة التي يؤدي لها طريق الضلال..، وهذا إقرار صريح بأنهم عاجزون عن التوفيق بين أطروحات نظرياتهم المتناقضة!
من الواضح جدًا أن هذا الطرح المرتبك، إنما سببه محاولة المزج بين ثلاثة أمور متناقضة في نظرية واحدة، وهي: العدل الإلهي، واختلافات البشر اللاإرادية، والمحاسبة!
معلوم أن الفقر هو الذي يُحدد سلوك الفقير!
ومعلوم أنه من المستحيل التوفيق منطقيًا بين الاعتقاد بأن الإله سيُحاسب ويعاقب الأميين والبُسطاء والجُهلاء والحمقى، وبين دعوة الآخرين لمساعدتهم اليوم وعدم مؤاخذتهم والتجاوز عن أخطائهم!
فإذا كان الإله سيُحاسبهم، فذلك يعني أنهم مُدرِكون للخطأ وقادرون على فعل الصواب، وبالتالي لا معنى لمعاملتهم كضعفاء أو جهلاء!
وكمحاولة من هذه النظريات لتجاوز الاختلاف الذي لم تستطع تجاهله، خاطبت الأعلى وتعاطت معه بمنطق الإدراك – بالحُجَّة والدليل، بينما خاطبت الأدنى وتعاطت معه من خلال الوعي الغريزي – الخوف والطمع والإغراء، ..الخ!
وهي محاولة أثبتت الاختلاف ولم تُحقق النظرية!
فإذا كان المقصود من وجود البشر هو عبادة الإله لا أكثر، فلماذا هذا الاختلاف الكبير؟
ولماذا هذا المزج بين المختلفين مع عدم وجود مقياس في متناول الجميع يُحدد الهداية من الضلال؟
معلوم أن الخطاب الغرائزي لا يُخاطب الإدراك، إنما يُخاطب الوعي من خلال الغرائز، فيثيرها أو يستحثها لتقود الجسد الواعي إلى أداء فعل أو قول معين!
وغني عن القول إن الخطاب الغرائزي مرفوض أخلاقيًا، فلا يتقبل الإنسان استعماله إلا اضطرارًا، ولا يكون إلا مع الحيوانات وصغار البشر والمعتوهين!
فإذا تم استعمال هذا الأسلوب المرفوض أخلاقيًا، مع كبار البشر الطبيعيين، فذلك يعني أنه قد تم تصنيفهم ضمن قائمة الحيوانات وصغار البشر والمعتوهين!
إننا لا نتحدث عن شواذ قاعدة، إنما عن شرائع ودساتير وقوانين تُخاطب مجتمعات بشرية كاملة من خلال الغرائز!
وهذا يعني أن الخطاب السائد في المجتمع البشري، هو خطاب غرائزي، وفي ذلك اعتراف بأن الاختلافات بين كبار البشر وصغارهم والحيوانات، هي اختلافات طفيفة لا يمكن الاعتماد عليها في سن التشريعات، وأنه لا يمكن التحقق منها إلا بالتجربة العملية..، ولذلك فإن الخطاب الغرائزي المتمثل في التهديد بالعقوبات والإغراء بالمكافآت يسري على كبار البشر كما على صغارهم، كما على الحيوانات..، لكن لا يسري ولا يكون فاعلاً في حال الإنسان!


ليس الحديث عن الاختلاف بين الفلاسفة والأغبياء، أو الأميين والعلماء، ولا بين المرؤوسين والرؤساء، ولا اختلاف الرجال عن النساء!
المطروح هنا، والذي أزعم أنني إنما أصوغ به ما يقوله الواقع بأمانة، هو أن المجتمع البشري يتكون من أمتين مختلفتين خلقيًا جينيًا، متداخلتين عِرقيًا، هما: أُمة الإنسان، وأُمة البشر!
وأن التعاطي معهما تشريعيًا كأمة واحدة، وعدم الفصل بينهما، هو سبب جُل المآسي والخلافات والصراعات، وعدم الاستقرار الاجتماعي في كل المجتمعات البشرية!
السجن والإبعاد والنفي واللجوء السياسي، هي أمثلة واقعية لعملية الفصل بين هذين الصنفين المختلفين، لكنها عمليات تتم بصور فردية ظرفية اضطرارية، ولم يتم التوقف عندها واستعمالها كحلول استباقية ومعالجة طبيعية لمشاكل مزمنة تعاني منها كل المجتمعات البشرية!
والواقع أن التعاطي مع الأمر بالفصل بين المختلفين على أوسع نطاق، هو أمر ممكن ومنطقي وأخلاقي، لكن ينبغي أولاً الإقرار بوجود هذين الكائنين المختلفين، وإثبات أن الاختلافات بينهما تتجاوز الاختلافات الطبيعية السطحية بين أبناء الجنس الواحد!
إن الوعي الإنساني يستوعب الوعي البشري، لكن التفكير الإنساني لا يحتوي التفكير البشري، لأن التفكير الإنساني يبدأ من حيث يتوقف التفكير البشري..، لذلك لا يفهم ولا يتوقع بعضنا معظم سلوكيات بعضنا الآخر اللامنطقية، ويسعى لمعرفة أسبابها باعتبارها أمراضًا نفسية أو ظواهر اجتماعية غريبة..، حتى يبدو وكأنه غبي وعاجز أمام ممارسات من هم أقل منه وعيا وإدراكًا..، بينما الحقيقة أن هذا الحائر إنسان، ويتعاطى مع ممارسات بشرية بمعايير إنسانية، وهذه الممارسات البشرية وفق المعايير الإنسانية يتم تصنيفها في المستوى الحيواني، لذلك لا يذهب تفكيره في ذلك الاتجاه ولا يهبط إدراكه إلى تلك المستويات!
هذا اللبس لدى الإنسان، سببه الاعتقاد السائد (الخاطئ) بأنه لا يوجد كائن بين الإنسان والحيوان، أي لا توجد مرحلة تعلو المرحلة الحيوانية وتدنو المرحلة الإنسانية!